الذى ذاق حلاوة أن يفتح الله عليه بالخشوع لجلال ملكه وعظيم صنعه وطلاقة قدرته وعظيم مغفرته وفيض رحمته وسلاسة إنعامه على عبيده لأدرك معنى ما أبوح به من شوقى إلى لقاء بعض من تلك المشاعر الفياضة، حين تغمر النفس وتنعش الروح وتربت على ما كان من أحزان وتعد بما سينعم الله به على من يتقى الله، فسبحانه القائل: "من يتق الله يجعل له مخرجا"، ليس هذا فقط، بل "ويرزقه من حيث لا يحتسب". يارزاق ياكريم، يا قادر على كل شىء أصلح الحال يارب.
هذا قلمى قد تحول دون قصد منى عن مخاطبة القارئ متوجها إلى مالك الملك بالدعاء وبمناجاة تلقائية، هل تبعث كلمات المناجاة فى الوقت ذاته بدعوة ضمنية للقارئ بأن يتذكر ما يناله الإنسان من اطمئنان حين يتوجه بحاجته إلى مالك الملك، وأن يستوعب كيف أن الدنيا حين تضيق فإن الاقتداء بسيرة سيدنا يعقوب تصبح قارب نجاة، حيث ما كان منه حين اشتد به الكمد إلا أن توجه إلى الله سبحانه مستغنيا به عمن سواه "إنما أشكو بثى وحزنى إلى الله"، كما جاء فى سورة "يوسف"، التى وردت فى آياتها أيضا تلك الحكمة العظيمة المذكورة فى كلمتين "فصبر جميل"، حيث لم يكتف بذكر اللجوء إلى الصبر، إنما حدد ذلك الصبر فوصفه بأنه صبر جميل، وهو صبر يرافقه اللجوء إلى الله سبحانه "والله المستعان على ما تصفون".
لم أخرج عن مضمون عنوان المقال حين استطرد قلمى فى الحديث عن اللجوء إلى الله سبحانه، فحينما خط قلمى عنوان "الليالى الحلوة" كنت قد عزمت على أن أتحدث حول حلاوة ذكر الله تعالى فى ليالى رمضان التى فضلها الله سبحانه على غيرها من الليالى، ولا أعتقد أننى قد ابتعدت فيما كتبت عن الموضوع، فالسطور السابقة ماهى إلا تداعيات لمذاق تحمله الذاكرة عن ليالى رمضان الحلوة حين يفتح الله فيها على قارئ القرآن بفيض الاطمئنان، وإذا به يشعر أنه فى صحبة ملائكة يمشى نورهم من حوله، فيظن من فرط الشعور بصفاء الروح كأنه محمول على أجنحة لبعض من هؤلاء الملائكة متجاوزا عبر الذكر لقوانين الجاذبية التى تشد الجسد إلى الأرض، أوكأن الإنسان مع فيض النور الداخلى قد أصبح محكوما بقوانين لا يعلم بنودها بشر، صحيح هو يلمس ملامح منها، حيث يرصد أن الروح ترتفع وتسمو إلى أعلى، إلى السلامة والمحبة والاطمئنان، كما يلمس أن الدموع قد اتخذت سبيلها متدفقة من منابع غزيرة، لا حزنا ولا غضبا، إنما هى دموع تغتسل بها النفس ويرتوى الفؤاد، فتشعر الروح بشعور يشبه ما يشعر به الجسد عقب الاغتسال، حيث تتفتح المسام. شعور لا تملك أية كلمات أن تسطر حلاوة مذاقه وسمو قدره، إنما، من ذاق عرف.