مع التطورات المتسارعة، وحرب «أمريكاإيران» التى أصبحت تهدد الاقتصاد العالمى، بدأت الحكومة والبرلمان العمل «يدًا وحدة» لوضع ملف الصناعة ضمن أولوياتها بما يشمل الاهتمام بتوطين وتطوير التصنيع المحلى. وشهدت الفترة الأخيرة تحركًا ملحوظًا داخل البرلمان لفتح ملف الصناعة باعتباره أحد أهم الملفات الاقتصادية التى تمثل ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة ودعم الاقتصاد الوطنى، وبدأ مجلسا النواب والشيوخ فى فتح الملف ومناقشة عدد من القضايا المرتبطة بتطوير القطاع الصناعى وتوطين الصناعات المحلية من خلال اجتماعات مكثفة تعقدها اللجان النوعية المختصة لمتابعة هذا الملف الحيوى وبحث التحديات التى تواجهه. الاهتمام البرلمانى المتزايد جاء انطلاقًا من الإدراك بأهمية الصناعة باعتبارها قاطرة رئيسية للنمو الاقتصادى ووسيلة فعالة لزيادة الإنتاج المحلى وتعزيز الصادرات وتوفير فرص العمل، كما تسعى هذه المناقشات إلى وضع تصور متكامل لدعم المستثمرين وإزالة العقبات التى تواجههم بما يسهم فى تهيئة مناخ أكثر جذبًا للاستثمار الصناعى خلال المرحلة المقبلة. وتناقش لجان البرلمان عددًا من المحاور المهمة، من بينها إعداد خريطة صناعية واضحة تحدد أولويات التصنيع والقطاعات الواعدة، إلى جانب بحث آليات توفير الأراضى الصناعية وتيسير إجراءات تخصيصها للمستثمرين وفقا لاحتياجات كل منطقة وطبيعة النشاط الصناعى المستهدف، كما يتم التركيز على دعم الصناعات ذات القيمة المضافة وتعميق التصنيع المحلى بما يقلل الاعتماد على الواردات ويعزز قدرة الاقتصاد الوطنى على مواجهة التحديات العالمية. وتكتسب هذه التحركات أهمية كبيرة فى ظل ما يشهده العالم من أزمات اقتصادية وسلاسل إمداد مضطربة، وهو ما يؤكد أن التوسع فى التصنيع المحلى لم يعد خيارًا مطروحًا فقط؛ بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان استقرار الاقتصاد وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتى ودعم القدرة التنافسية للصناعة المصرية فى الأسواق الإقليمية والدولية.
من اجتماع لجنة الصناعة بحضور الوزير خالد هاشم
ملفات التطوير تشمل أهم الملفات التى يركز عليها البرلمان فى مناقشاته الاهتمام بالمصانع المتعثرة وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين وتطوير البنية التحتية الصناعية وجهود إعادة تشغيل المصانع المتعثرة التى توقفت عن الإنتاج، حيث يعمل المسئولون على دراسة أسباب التعثر ووضع خطط عملية لإعادة تشغيلها بما يعزز الإنتاجية ويوفر فرص عمل جديدة. وتم خلال المناقشات «تحت القبة» التطرق إلى ما يخص الأراضى الصناعية وسعى الدولة إلى ترفيق المناطق الصناعية ومناطق المطور الصناعى من خلال توفير الأراضى الجاهزة للبناء ومرافق الكهرباء والمياه والصرف الصحى، إلى جانب تحسين خدمات النقل والطرق بما يسهل على المستثمرين إقامة المشروعات الصناعية بكفاءة وتبسيط إجراءات إنهاء التراخيص الصناعية، حيث يتم تفعيل نظام الترخيص بالإخطار وتقليص الوقت المستغرق للحصول على الرخص الصناعية بما يقلل الروتين ويحفز الاستثمار، بجانب ذلك هناك مطالبات بضرورة التركيز على تنمية الصعيد من خلال تقديم حوافز استثمارية للمناطق النائية وتطوير البنية التحتية وتشجيع توطين الصناعات المتوسطة فى القرى. وبدأت لجنة الصناعة بمجلس الشيوخ تحركاتها فى هذ الملف بدعوة المهندس خالد هاشم وزير الصناعة لاجتماعاتها، فيما طرح النواب رؤيتهم للنهوض بهذا الملف، وأكد محمد حلاوة، رئيس لجنة الصناعة بمجلس الشيوخ، أن اللجنة على استعداد كامل للتعاون مع الوزارة فى مختلف الملفات المتعلقة بتطوير القطاع الصناعى، مشددًا على أهمية التنسيق المشترك لدعم جهود الدولة فى تنمية الصناعة، وطالب حلاوة بضرورة توضيح موقف الوزارة من المصانع المتعثرة وخطط التعامل معها خلال المرحلة المقبلة بما يسهم فى إعادة تشغيلها وتعظيم الاستفادة من الطاقات الإنتاجية المعطلة. بينما أكد النائب السعيد غنيم، وكيل لجنة الصناعة بمجلس الشيوخ، أهمية تعزيز التعاون بين المجلس ووزارة الصناعة بما يسهم فى الارتقاء بالمنتج المصرى ورفع جودته ليصل إلى أعلى المعايير العالمية ويفتح له آفاقًا أوسع فى الأسواق الدولية. وأشار غنيم إلى أن ملف المصانع المتعثرة يجب أن يحظى بأولوية عاجلة، مطالبًا بوضع خطة واضحة وسريعة لإعادة تشغيل هذه المصانع سواء من الناحية الفنية أو المالية لما لذلك من أثر كبير فى تقليل معدلات البطالة وتعزيز جودة المنتج المحلى وزيادة الإنتاج. وشدد على ضرورة التوسع فى مبادرات تيسير التمويل للمصانع وإعادة هيكلة الديون إلى جانب تقديم حوافز ضريبية تدعم استمرارية المصانع وتعزز قدرتها التنافسية فى السوق. فيما قال النائب عبدالله الغزالى عضو مجلس الشيوخ، إن الخريطة الاستثمارية موجودة منذ فترة، لكن من المهم التعرف على التوسعات الجديدة التى سيتم إدخالها عليها، مشيرًا إلى أن تمويل الصناعة يحتاج إلى أدوات أكثر مرونة، كما طالب بإعادة العمل بنظام الإيجار داخل المناطق الصناعية لتسهيل إقامة المشروعات. رؤية الحكومة وخلال أول اجتماع حضره للجنة الأسبوع الماضى، قال المهندس خالد هاشم وزير الصناعة، إن الوزارة تعمل حاليا على إعداد استراتيجية متكاملة لتنمية القطاع الصناعى على أن تكون جاهزة خلال شهرين، موضحًا أن الهدف هو دعم نمو الصناعة وتعزيز قدرتها التنافسية، كما أشار إلى أن الدولة تستهدف الوصول بالصادرات غير البترولية إلى نحو 99 مليار دولار خلال الفترة المقبلة. وأوضح أن الوزارة تعمل على إعداد خرائط صناعية متكاملة تتضمن تحديد الصناعات التى ينبغى التركيز عليها، مع العمل على تعميق الصناعة المحلية وتوفير المواد الخام اللازمة لدعم الإنتاج. مضيفا أن الوزارة تعتمد على عدد من المؤشرات العلمية لتحديد أولويات العمل، مع التركيز على نحو 5 إلى 6 صناعات رئيسية يتم العمل عليها. وأشار إلى أن الوزارة تعمل على إعداد دراسات جدوى متكاملة للمستثمرين بهدف تشجيع جذب الاستثمارات فى هذه القطاعات الصناعية، وفيما يتعلق بالأراضى الصناعية، أوضح أن الطرح التقليدى للأراضى لن يستمر بنفس الآليات السابقة، وأن المرحلة المقبلة ستشهد ربط الطرح بطبيعة الصناعة والموقع الجغرافى لكل منطقة، لأن مناطق مثل السادات والعاشر من رمضان والمنيا تختلف فى طبيعتها واحتياجاتها، وهو ما سيتم مراعاته عند التخصيص والتسعير. كما كشف عن خطة الوزارة للسعى إلى توطين الصناعات المتوسطة داخل القرى خاصة فى القرى المستفيدة من مبادرة حياة كريمة. وأوضح أنه يتم حاليًا العمل مع القطاع الخاص وبالتعاون مع وزارة الاستثمار على إنشاء صناديق استثمارية تستثمر فى المصانع المتوسطة والصغيرة من خلال المساهمة بالأسهم، بما يوفر آلية تمويل أكثر استدامة بدلًا من توجيه المدخرات إلى مجالات مثل الذهب أو العقارات فقط مضيفًا: هذه الصناديق تمثل نموذجًا قريبًا من تجربة «بورصة النيل» فى السابق، حيث يتم ربط أصحاب المدخرات بفرص الاستثمار فى القطاع الصناعى، وهو ما ساهم فى دعم الصناعة فى العديد من الدول كما كشف الوزير عن دراسة إنشاء نحو 5 صناديق استثمارية خاصة حاليًا بهدف توفير التمويل اللازم للقطاع الصناعى فى مصر. استجابة للنواب وفى استجابة سريعة لمطالب أعضاء البرلمان، أصدر المهندس خالد هاشم وزير الصناعة القرار رقم 73 لسنة 2026، الذى يعد تعديلا على القرار الوزارى رقم 374 لسنة 2025 بشأن ضوابط التصرف فى الأراضى والمنشآت الصناعية. وجاء القرار الجديد لتقديم تسهيلات إضافية للمستثمرين، حيث يسمح بتأجير المصانع القائمة داخل المناطق الصناعية ومناطق المطور الصناعى بعد استيفاء الشروط وإثبات الجدية ومضى عام واحد على بدء التشغيل الفعلى، مع الالتزام بسداد كامل ثمن الأرض والتكاليف المعيارية مع استمرار استثناء عقود التأجير التمويلى والعقود الصادرة من الجهات صاحبة الولاية. ويأتى القرار ضمن سلسلة خطوات مستمرة لدعم المستثمرين والصناعة المحلية.