رن جرس هاتفه فأخرجه من جيب بنطلونه أمسكه لبضع دقائق متمتما ببضع كلمات موجها أسئلة لمن حوله عن الرقم الغريب الذى بهاتفه ودون أن ينتظر إجابة فقط مجرد إثبات حالة اتصال رد محاولا أن يرفع صوته حتى يسمع من حوله المكالمة ثم أغلق هاتفه وبادر الجالسون المتلهفون لمعرفة من صاحب الرقم الغريب، ثبت عينيه فى عينى صالح ذى الكرش الكبير والشعر الممشط بالفازلين: أنا معزوم بكرة.
ولم يتكلم صالح انتظر منه أن يكمل كلامه بينما ابتهال لم تستطع أن تصبر فهى امرأة فى الأربعين من عمرها أسنانها طويلة بينها مسافات كبيرة فسألته بدلع رخيص وهى تزيح غطاء رأسها لتظهر بضع شعيرات مصبوغة بلون أصفر.
معزوم فين ياسحس؟
فقال لها شركه أيس مود عزمانى على حفل للتذوق
اقترب صلاح منه لمزيد من المعلومات متحسساً كرشه ورائحة الحمام المشوى تداعب خياله فلا طالما حلم بطاجن حمام محشى من أيدى أمرأة بيضاء أصابعها كالمرمر تطعمه فى فمه لكن لا بيضاء فى حياته ولا حمام.
أما ابتهال فقد تذكرت عزومة فرح بنت رئيس القسم وكانت منذ عامين وتعتبر آخر مرة أكلت فيها من كل صنف، وتسللت لأنفها رائحة الشواء لتبدد رائحة بقايا طعام الإفطار المنتشرة على المكاتب، الفول والباذنجان والبصل وبدأت رائحة البرفانات تحل محل رائحة النشادر المنبعثة من أبواب الحمامات المفتوحة لكنها سرعان ما تذكرت أطفالها.. هل يمكن أن تذهب مع حسين وتترك الأطفال جائعين كعادة كل يوم؟ زمت شفتيها وسحبت طرحتها بغيظ فدارت خصل شعرها حتى غطت جبينها وانصرفت عن الفكرة وعن حسين وصالح.
أما حسين فقد سرح بعيداً تخيل نورا الفتاة الجميلة ذى الشعر المخضب بالحناء والتى طالما حلم بمرافقتها والسير بجوارها فى الشارع لكن دائما كانت تقف أمامه تكلفة الخروجة، وكلام من حوله (اللى يحتاجه البيت يحرم على الجامع) وهو أب لأربعة أولاد لذلك ظلت نور حلماً جميلاً يأتيه ليلاً ويتبدد مع أذان صوت الفجر فيصحو على صوت زوجته ليتوضأ ويغتسل ويصلى دون إيمان لأن إيمانه الوحيد كان يأتيه ليلاً فقط ويضطر فى الصباح لغسله وهو كارها فلا يشعر برجولته إلا فى الحلم ويفرض عليه صباحاً إزالة بقايا هذه الرجولة التى نادراً ما قد تأتيه مع زوجته.
حسين يعلم أنه إن دعا نورا لن تمانع سوف يخبرها أنها حفلة أقيمت له لأنه من أكفأ الموظفين ويمكن أن يدعى أنها سكرتيرة فى الشركة ويدخلان معا فالدعوة بمكالمة تليفون وليست مكتوبة.. سيستطيع أن يدخلها معه ويعزمها وبعدها ربما ينال قبلة منها أو تتيح له فرصة أن يلمس فخذها من تحت جيبتها الضيقة التى طالما طيرت عقله.
وفى المساء لم يعد حسين للمنزل ظل جالساً على القهوة المقابلة لبيت نورا منتظراً أن تخرج كعادتها فى المساء تشترى طعام العشاء لوالدتها وما أن لمحها حتى ألقى بلى الشيشة تاركاً بعض الجنيهات على الترابيزة مهرولاً وراءها.. شعرت به فأبطأت من خطواتها ابتسمت بخبث فهى تعرف ماذا يريد منها أهل الحى جميعا صافحها وتلعثم فى كلماته فانتظرت أن يأتى بما عنده وهى تفرقع لبانتها وتلقى بنظراتها يمينا ويساراً خوفاً من أن يراها أحد من أهل الحى.. وبعد لحظات طويلة قال لها أنا عازمك على الغداء من كل صنف مشوى ومقلى ومحشى وكل اللى نفسك فيه.. عايز أفسحك فسحة تحلفى بيها.
ضحكت.. فهدأت نفسه وأكمل قائلاً.. بكرة نتقابل فى وسط البلد الساعة واحدة الظهر ثم أعطاها رقم التليفون وانصرف مسرعا بينما وقفت كما هى ضحكتها معلقة على شفتيها، وعندما كانت عقارب الساعة تشير للواحدة كانت نورا تقف عند جروبى مرتدية فستانًا أحمر ضيق محلى بقطع كبيرة من الإكسسوارات النحاسى اللون وشعرها المخضب بالحناء يظهر من أسفل طرحتها الخفيفة والتى غالباً ما فكرت أن تلقى بها بعيداً عن رأسها لكن كان خوفها من كلام أهل الحى يجعلها تفضل أن تتوارى وراء الطرحة التى لا توارى شعيرات رأسها بقدر ما توارى كلام الناس عنها.
والحذاء العالى يجعلها كتكوت صغير يسر على منقاره بابتسام؛ عريضة تكشف أسنانه الصفراء المتكسرة كان يرتدى بدلته الكاكى بنصف الكم وممشطا شعره المجعد من المنتصف والعرق يتفصد من جبينه ووجهه.
حسين لم يكن بالرجل القبيح كان فى منتصف الأربعينات ممتلئًا إلى حد ما ملامحه دقيقة غير جميلة مد يديه ليصافحها وبحركة مرتبكة لمس نهدها دون قصد، كانت ترتدى حماله صدر صلبة تظهر ثديها ككتلتين من الأسمنت الحجرى فذاب بين صلابتهما.
تمشيا معًا فى شوارع وسط البلد وخرجا حتى ميدان التحرير ومنها تمشيا على الكورنيش حتى وصلا للفورسيزون.. لم يتبادلا خلال الطريق سوى بضع كلمات عن المنطقة التى يسكنان فيها وعن أهلها وأهله والجيران ومضايقات صاحب العمل لها فى المحل الذى تعمل فيه.
وعلى باب قاعة الفندق ترك اسمه واسمها على أنها سكرتيرة فى شركة الأغذية التى يعمل بها.. دخلا القاعة لم يجدا أماكن للجلوس كان الكل واقفاً فاعتقد أنهم فى انتظار (الأوبن بوفيه) فمال على أذنيها قائلاً أحنا جينا بدرى بس كده أحسن.. لو تحبى أنا هبدأ من أول البوفيه وانتى من آخرة عشان نلم كل الأصناف.
تلفتت نورا حولها فلم تجد أى أثر للبوفيه.. الجرسونات يحملون صوانى وأكواب ويلفون حول الموجودين اقترب أحدهم وقال لها تذوقى الأيس نسكافيه.
فهزت نورا رأسها بالموافقة فصنع لها كوب نسكافيه مثلج فشربت منه وشرب حسين ثم ابتعد الرجل، وظلا لمدة ساعة كاملة لا يجدون سوى الجرسونات تلف بالأكواب والألبان المثلجة والجميع يتناولون.. وبعد ساعه جاء صوت من الميكرفون يرحب بالموجودين فالتفتوا جميعاً لمكان الصوت كان شاباً أنيقا عرف نفسه بأنه رئيس مجلس إدارة شركه أيس مود وإنه دعاهم اليوم لتذوق النوع الجديد المبتكر من نسكافيه مود والذى يذوب فى المياه الباردة واللبن المثلج وصفق الحاضرون وأعلن رئيس مجلس الإدارة عن طرح العبوات خلال الشهر القادم وتكلفة خط الإنتاج الجديد وحجم العمالة فى الشركة ثم أعلن أن 01 ٪ من أرباح المنتج الجديد سوف تذهب لدعم الاقتصاد.. وبعد دقائق بدأ المدعوون فى الانصراف وانفض الحاضرون بينما ظلا حسين ونورا فى منتصف القاعة كلاهما متشبث بيد الآخر أعينهم تبحث عن البوفيه أدركت نورا الموقف بعد لحظات من خلو القاعة بينما ظل حسين يطمح فى حدوث معجزة متذكراً جلال وعظمة الله حتى استسلم بعد ربع ساعة وخرج من الفندق تحسس جيوبه فلم يجد بها سوى بضعة جنيهات قد تكفى بالكاد لرجوع نورا فى تاكسى.. لا يستطيع حتى أن يعزمها على الغداء.
ربما يستطيعان أن يجلسا فى أى مطعم فى وسط البلد ويتناولان ساندوتش شاورما عرض الفكرة على نورا لكنها رفضت بشدة وصممت على الرجوع فأركبها تاكسى ودفع الحساب مقدما ولمحها وهى تبتسم لرجل كان يقف فى الجهة المقابلة للفندق على الكورنيش ولمحه أيضا يستقل تاكسى ليلحقها.
عاد حسين للبيت مهموما حزيناً فقد ضاعت نورا للأبد ألقى ببدلته على السرير ناظراً لها فى حسرة لقد كان وسيما اليوم هكذا كان يقول لنفسه لكن جيبه هو ما أفسد الليلة وشرد بذهنه فى الصباح الكل ينتظره لسماع الحكاية.. فابتسم فى فخر مستدعياً خياله وفى الصباح كان جميع الموظفين يلتفون حوله ليحكى لهم عن أصناف المأكولات فأخبرهم عن حلاوة طاجن الحمام المحشو بالفريك والجمبرى الجامبو مقسماً بأنه لم ير حجمًا يشبهه هذا الحجم فى حياته وعن ورق العنب الغارق فى شوربة الكوارع بينما أخد الرجال فى الحجرة المغلقة التى يضعون فيها أرشيف المتعاملين مع الشركة ليحكى لهم عن نهدا نورا المتحجران الذى لمسهما فذابا بين يديه وعن ضحكتها المتقطعة وهى فى حضنه على الكورنيش بعد أن امتلأت معدتهما..