«مصر احتلت المركز الأخير فى جودة التعليم الأساسى» هكذا فوجئنا بالتقرير الذى نشر فى الصحف خلال الأيام الماضية.. حيث أثبتت الدراسة التى قام بها المنتدى الاقتصادى العالمى لعام «2013- 2014» تراجع مصر إلى المركز الأخير فى التعليم!! فأصبنا بخيبة أمل.. حيث أطاح هذا المركز المُتدنى بأى بارقة أمل تلوح فى الأفق لرفع جودة التعليم خاصة فى مرحلة التعليم الأساسى.. فعلى الرغم من معاناتنا والمشاكل المزمنة فى التعليم، إلا أن الأمل كان يداعب البعض منا، بعد ثورات سنشهد نهضة تعليمية تدفع بترتيبنا إلى مرحلة متقدمة بين دول العالم على مستوى التعليم، فإذا بالأمر يزداد تراجعًا، فما سبب تراجع ترتيب التعليم المصرى على مستوى العالم خاصة فى مجال التعليم الابتدائى؟!.. وهل هذا التراجع مرتبط بالأحداث السياسية التى تعيشها البلد الآن؟! وكيف نواجه هذا المأزق؟! طرحنا هذه التساؤلات على الخبراء التربويين لنتلمس خارطة طريق لإنقاذ التعليم فى مصر؟
تقول الدكتورة أمنية حلمى- أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة والمدير التنفيذى للمركز المصرى للدراسات الاقتصادية-:
تدهورت دولة التعليم فى مصر فى المرحلة الابتدائية .. وذلك أدى إلى تراجع مصر للمركز الأخير بالنسبة لنوعية التعليم فى هذه المرحلة.. ففى سنة «2009- 2010» كان ترتيب مصر «126من 131'' دولة.. وفى «2010- 2011» تراجعت مصر إلى «131 بالنسبة ل139» دولة.. وذلك نتيجة لزيادة عدد الدول فى كل سنة. أما «2012- 2013» تراجعت إلى 137 من 142 دولة.. وفى هذه السنة أصبحنا 148 من 148دولة.. وذلك يعنى أننا أصبحنا آخر دولة فى نوعية التعليم الابتدائى!!.. أما بالنسبة لبيانات معدل الالتحاق فى المدارس الابتدائية فتقول: كان ترتيب مصر منذ أربع سنوات «73 على 131» دولة.. وفى السنة التى تليها أصبحنا «66 على 139» دولة.. وفى «2012- 2013» تراجعنا إلى «95 على 142» دولة.. أما الآن «2013- 2014» فقد أصبحنا «58 على 148».. وهذه البيانات قادمة من استبيان يقوم به المنتدى الاقتصادىالعالمى .. يأخذ فيه نوعية من آراء رجال الأعمال العباقرة.. وخلال هذا الاستبيان يتم طرح 3 أسئلة محددة عليهم.. الأول «كيف تقيم التعليم الابتدائى من حيث تلبيته لمتطلبات الاقتصاد التنافسى''؟!.. الثانى «كيف تقيم جودة مدارس التعليم الأساسى فى بلدك»؟!.. الثالث «كيف تقيم دولة تعليم الرياضيات والعلوم فى مدارس بلدك»؟!.. وأضحت آراء هذه العينة من رجال الأعمال أن مصر غير جيدة على الإطلاق ومنخفضه الجودة!!.. أما عن أسباب التدهور فتقول أمنية: أولا: نوعية المدارس فى مصر سيئة جدا، فالمدارس قليلة وكثافة الفصل مرتفعة للغاية.. ثانيا: المقارنة بين مدارس العالم من حيث التهوية والإضاءة، ففى مصر المدارس بلا إضاءة جيدة تؤثر على نظر الطالب!!.. أيضا الفناء إما أنه غير موجود أو مساحته صغيرة جدا لا تسع عدد الطلاب.. ثالثا: المدارس التى تفتقر إلى تعليم الأنشطة مثل وجود المسرح المدرسى أو ملاعب للطلاب، فنحن لا نجد هذا فى معظم المدارس الحكومية والمدارس الخاصة الضعيفة، وإذا وجدت تكون متدهورة الحال.. أيضا عدم الاهتمام بدروس الموسيقى والألعاب الرياضية ودروس الرسم، فإذا لم يتواجد مدرس لهذه الأنشطة تلغى على الفور!!.. ومن ضمن الأشياء التى يشكو منها رجال الأعمال هى سوء الخط، وذلك طبعا نتيجة طبيعية لإلغاء دروس الخط فى المدرسة.. ثم توضح قائلة: أن نوعية المناهج التى تتعلق بالرياضة والعلوم ضعيفة جدا فى المدارس.. نظرا لعدم توفر المعامل فى بعض المدارس، مما يؤدى إلى ممارسة الطالب التجارب العلمية بطريقة نظرية فقط وليس بطريقة عملية.. أما بالنسبة للرياضيات، فالطالب الآن يعتمد على الآلة الحاسبة وليس على الملكات الفكرية والعقلية.. وهذا يؤثر عليه ويجعله غير مؤهل للتنافس مع القوى العاملة.. فالقوى العاملة الآن قائمة على المهارات والذكاء والتعليم.. ثم تضيف قائلة: إن تدهور التعليم فى مصر يعتبر من الأشياء المتراكمة.. وللأسف أنه مستمر معنا حتى الآن .. لكننا لدينا أمل خاصة بعد أن قال رئيس الجمهورية المؤقت «عدلى منصور» أن من أولويات مصر الآن هو الاهتمام بالتعليم.. لذلك يجب أن نقوى أنفسنا علميا حتى نستطيع منافسة الدول الأخرى.. فالتعليم فى الصغر مثل النقش على الحجر..
يقول الدكتور حسنى السيد أستاذ المناهج وطرق التدريس:
التعليم المصرى يعانى مشكلات متعددة منذ سنوات طويلة.. وبالنسبة لمسألة الجودة بالتحديد، فمنذ حوالى ست أو سبع سنوات على الأقل.. قامت الوزارة بعمل مشروع هيئة الجودة التعليمية وصرف عليه مليارات الجنيهات وكان هذا الكلام «فض مجالس»!! .. مشكلات التعليم فى مصر كثيرة ومتعاقبة ومتزامنة مع وزراء التعليم السابقين جميعا ابتداء من فتحى سرور وحتى الآن.. ولكن المشكلة الأكبر من كل هذا هى أن كل وزير يأتى يبدأ بمرحلة الثانوية العامة وأنها هى المشكلة الأساسية ويتغاضون عن المشاكل المتواجدة فى الحضانة حتى الجامعة.. كل هذه مشاكل كبيرة جدا.. وكنا نستخدم فيها أساليب الكذب والادعاءات والخداع.
يضيف السيد قائلا: لدينا 450 ألف تلميذ لم يجدوا مكانا فى أولى ابتدائى فى السنة الماضية وهذه مشكلة خطيرة جدا.. فلدينا العديد من المشكلات لم نجد لها حلا.. ورغم ذلك نطرح العديد من مؤتمرات وندوات التى بلا جدوى.. والمشكلة الأخرى أن وزراء التعليم لم يأخذوا بالبحوث العلمية.. وكأن المراكز البحثية فى واد وهم فى واد آخر.. فالمركز الأخير التى احتلته مصر يعتبر نتيجة طبيعية لما نحن فيه.. فنحن نريد الآن على الأقل 10 آلاف مدرسة والدولة ليس لديها هذه الإمكانيات فقبل أن نحارب الإرهاب علينا أن نحارب الجهل.. فنحن نعيش فى أمة يسودها الجهل!! فعلى الرغم من وجود الاستراتيجيات إلا أننا نريد الإدارة ولا أقصد بها وزارة التربية والتعليم وحدها بل الوزارة ككل .. يؤمن بأن التعليم أمن قومى ليس شعارا أطلقه الامريكان ثم أخذه حسين كامل بهاء الدين.. ولكن شعار يكون على وجه الواقع ينفذه ويؤمن به.. فالسؤال الذى أطرحه عليهم الآن، ماذا قدم وزراء التعليم منذ أربعين عاما للتعليم فى مصر؟!!..لا شىء!!..
بينما الدكتوره نادية جمال الدين أستاذ أصول التربية بمعهد الدراسات التربوية جامعة القاهرة- فتقول: طالما أن الاقتصاد متدهور ولم يكن به نمو لا نتوقع نموا فى التعليم.. فنحن الآن فى حاجة إلى بناء العديد من المدارس حتى تسع كل الطلاب.. أما عن كلام الوزير فهو ليس بجديد لأنه يقال منذ سنة 92 ولم يتغير شىء.. وكان وقتها معروفا أن المدارس فى مصر قليلة جدا والزيادة السكانية أسرع من بناء المدارس.. حتى لو وفرت الفلوس الآن لن يستطيع البناء.. لأنه لاتوجد مساحات أرضية لبناء المدارس.. فالمشكلة فى مصر معقدة نتيجة لعدم التخطيط العمرانى وذلك أدى إلى عدم توفر لبناء المدارس بجوار السكن!!.. فالتعليم فى السنوات السابقة لم يكن محل أولويات وكانت الوزارة عبارة عن وزارة خدمات.. وإذا نظرنا الى وزارة التعليم على إنها وزارة خدمات فهذه هى النهاية!!.. فهى تعتبر وزارة استثمار فى أرقى أنواع الثروة وهى الثروة البشرية .. ولا تقدم أبدا بدون تخصيص على الأقل من الميزانية 20٪ للتعليم.. وإذا أردنا تغيير الواقع إلى الأفضل سيكون خلال 5 سنوات أو 10 سنوات.. لكن التعليم الآن يأخذ أقل من 6٪ من الناتج القومى.. فلا يوجد اهتمام من الدولة بالتعليم.. لذلك أقول إذا لم يعامل التعليم فى مصر معاملة القوات المسلحة فى الاهتمام فعلى مصر السلام!!..
أما عن الدكتور كمال مغيث خبير تربوى والباحث فى المركز القومى للبحوث التربوية فيقول: ليس مفاجأة على الإطلاق أن تحصل مصر على المركز الأخير فى جودة التعليم الابتدائى وربما فى جودة التعليم.. كما لم يكن مفاجأة مطلقا أن تخرج الجامعات المصرية من قوائم أحسن 500 جامعة على مدى سنوات طويلة.. التعليم فى مصر منذ حسنى مبارك وهو فى أسفل سافلين فى حقيقة الأمر.. لكن حسنى مبارك نجح فى أنه يقضى على التعليم المصرى إلى حد كبير.. وأصبح الواحد يستطيع كباحث تربوى أن يقول إنه فى زمن حسنى مبارك لم يكن هناك تعليم غير ل10٪ فقط من أبناء المجتمع .. هؤلاء هم من علموا أبناءهم جيدا لأنهم لديهم رأس مال يستطيعون أن يورثوا السلطة والثروة لأبنائهم.. أما ال90٪ من طبقة الشعب الوسطى والفقراء فلم يكن لهم تعليم حقيقى بأى حال من الأحوال.. تدهورت ميزانية التعليم وتدهورت أجهزة التعليم وتدهورت المناهج والامتحانات وأصبح التعليم فى الحقيقة فى حاله يرثى لها.. حتى إن بعض أولادنا الذين فى المرحلة الإعدادية لايجيدون قراءة وكتابة أسمائهم على سبيل المثال.. وللأسف الشديدفإننا بعد زوال نظام الفاسد الطاغية مبارك دخلنا فى مؤامرات من أجل السيطرة على الحكم والسيطرة على السلطة والسيطرة على الثروة، وبالتالى ظل التعليم بعيدا عن اهتمام الحكام والآن نحن على أبواب عصر جديد بعد ثورة 30 يونيو .. لذا أرجو من الحكومة أن تحاول وضع التعليم على رأس أولوياتها.. لذلك لا ألوم الحكومة الموجودة الآن لأنها فى الحقيقة هى ورثت هذا الوضع منذ أيام الإخوان والمجلس العسكرى وأيام مبارك.. وبالتالى أتمنى أن يحاول الوزير أن يستفيد من الفرصة الممنوحة له وعدم وجود ضغوط ملحة عليه فى أن يضع خطة للتعليم نحو المستقبل