لا أدعى أننى فوجئت بتواجد هذا الكم الكبير من الشباب المصرى- خاصة الأقباط منهم- فى جميع ضواحى العاصمة الجورجية، فقد بات واضحا هذا الإقبال بداية من مقر السفارة بالقاهرة والتى تحولت- حسبما فهمت- خلال عام 2102 إلى خلية نحل لم تشهدها سفارة هذه الجمهورية الوليدة منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتى السابق.. طوابير الشباب والعائلات التى توافدت على السفارة أعطتنى انطباعا- بل وتأكيدا- أننى سألتقى المزيد والمزيد من هؤلاء.. وهذا ما حدث بالفعل. سنحت لى الصدفة أن ألتقى أثناء الجلوس على أحد المقاهى بميدان (ليبرتى) أو الحرية - أحد أشهر ميادين تبليسى - مجموعة من المصريين الأقباط ومن خلالهم تعرفنا على مجموعة أخرى من الشباب، والذين ما أن اكتشفوا أننا مصريون حتى بدا وكأنهم وجدوا منقذا، فقد كانت قصتهم تدعو للاسى والحزن والغيظ فى نفس الوقت، فقد كانت المجموعة عبارة عن أسرة مكونة من الزوج عاطف (صاحب محل إصلاح أحذية بحلوان) وزوجته الشابة وابنهما كيفن ومعهما شاب من أسوان، جاءوا جميعا ضمن مجموعة مصريين عن طريق مكتب سفريات بمدينة 6 أكتوبر أخذ منهم 2000 دولار أمريكى عن كل فرد وذلك لتسفيرهم إلى موسكو ومنها إلى بولندا عبر الطريق البرى والهدف هو دخولهم إحدى دول الاتحاد الأوروبى، وعند وصولهم روسيا تبين لهم أن وقعوا ضحية مافيا مصرية متكاملة، واضطروا لفكرة الاستسلام بأنهم يمكنهم دخول جورجيا بتأشيرة من المطار ومحاولة الاستقرار بها بعمل مشروع صغير بدلا من العودة لمصر خشية المعايرة بالفشل !!
وعن طبيعة المشروعات الصغيرة المتاحة، كانت رحلتنا لزيارة أحد المصريين الذين جاءوا لجورجيا منذ عام تقريباً واستطاع تأسيس شركة (سانت ماريا للخدمات) مهمتها استقبال المصريين الوافدين بحجز تاكسى للانتقال من المطار إلى الفندق مقابل 20 لارى - حوالى 80 جنيها - وحجز فندق أو شقة للإقامة وأيضا تجهيز الأوراق الخاصة بالمشروع ثم تقديم طلب الإقامة نظير 200 لارى .
وبسؤال صفوت حنا -مدير الشركة - عن تطورات الأحوال بعد زيادة أعداد الأقباط الوافدين لجورجيا، قال:« زيادة أعداد المصريين فى تبليسى دفعت بالحكومة الجورجية أخيرا إلى تعليق حصول الوافدين على الإقامة لمدة عام بعد أن كان الأمر يسيرا فى الماضى، فكان بمجرد تقديم ما يفيد عمل مشروع ما .. مقابل إيداع مبلغ 2500 دولار أمريكى كتأمين يتم بموجبه الحصول على الإقامة لسنة تجدد كل عام، وكان المصريون يقومون بسحب مبلغ التأمين بعد يوم واحد من الإيداع وهو ما فطنت إليه الحكومة فى نوفمبر الماضى من عدم جدية المشروعات وأنها مجرد حبر على الورق للحصول على الإقامة، وقامت بتضييق الخناق برفض الإقامات المقدمة واشترطت تشغيل المشروع لفترة ووجود مقر وعنوان ثابت والحصول على ماكينة الضرائب والتى تحصى كل لارى كدخل للمشروع ».
وأضاف صفوت: «أنه بدأ أخيرا فى تنظيم رحلات داخلية للوافدين كل يوم سبت لزيارة أحد معالم المدينة وقام بتوظيف فتاتين من جورجيا تتقاضى كل منهما مابين 250 إلى 300 لارى، وعموما فإن المرأة الجورجية تشكل قوة لا يستهان بها فى سوق العمل (تتميز بالجمال الطبيعى شأنها شأن الأوكرانيات بدون مساحيق أو أدوات تجميل وإن كانت تتميز بهدوء وأدب، فمن الصعب جدا أن تجد فتاة يعلو صوتها فى الشارع وهن بسطاء فى ملابسهن لكنها على الموضة والكعب العالى سمة غالبة لكل الفتيات)، ويتميز الجيل الجديد من الشباب والفتيات بإلمامه بالإنجليزية بعكس الأجيال الماضية الذين لا يعرفون إلا اللغة الجورجية، أما الحياة هنا فهى مريحة ومستقرة وقد بدأت أشعر بأننى أحقق ذاتى وهو مالم أستطع تحقيقه فى مصر ولا أشعر بأى غربة هنا».
أما ميلاد فؤاد توفيق فهو شابخريج كلية الإعلام وعمل فى مصر فى إحدى وكالات الإعلان كمصمم، وعندما سمع عن جورجيا من أحد أصدقائه وفرص العمل والاستقرار بها، قرر السفر خاصة أنه لم يحقق نجاحاً فى مصر فى مجال أحبه، إلا أنه حتى الآن لم يستطع التأقلم مع الحياة بجورجيا حتى بعد أن شارك أحد الأصدقاء فى كافيتريا بأحد أحياء العاصمة وكثيراً ما يفكر جديا فى العودة لمصر، إلا أنه يتراجع كلما عرف بأخبار حالة التردى فى الأوضاع الداخلية بمصر، وإن كان ينصح الشباب الذى ينوى المجىء لجورجيا بعدم التسرع خاصة أن الأمور تحتاج لوقت ومال لتحقيق نجاح ربما يكون صعب المنال.
∎مشروعات
أما عن أبرز المشروعات فى جورجيا، فإن التركيز من المصريين - خاصة الشباب - على تأجير المقاهى مع الحرص على تواجد (الشيشة) نظرا لتوافد العرب فى الصيف وزيادة أعداد المصريين أخيراً وهى بالمناسبة محل منافسة من جانب الإيرانيين والأتراك الذين ينافسون المصريين فى عالم المقاهى و تتراوح أسعارها مابين 10 و15 لارى، أما تأجير المكان فيتراوح السعر بين 800 دولار على أطراف المدينة ويصل إلى 2500 دولار بوسط المدينة، وقد علمت أنه يشترط توظيف مواطن جورجى فى أى مشروع لتشغيل العمالة الوطنية لمواجهة البطالة، ثم يأتى شراء الأراضى الزراعية فى المرتبة الثانية وهى تحتاج لرأس مال كبير مقارنة بالمحلات، وأيضا هناك تأجير العقارات كغرف فندقية وخلافه، إضافة إلى الاستثمار بشراء تاكسى فى حدود 5000 دولار ويتم تشغيل سائق جورجى عليه لمدة عامين مقابل الحصول على عائد يومى يصبح بعدها التاكسى من حق السائق، وإن كان لم يتسن لى التأكد من تفاصيل مشروع التاكسى ومدى دقة المعلومات.
والأكيد أن فرص رجال الأعمال بصفة عامة ستكون أفضل فى الاستفادة من دخول السوق الجورجى، إذا ما أخذنا فى الاعتبار أن الحكومة هناك تسير بخطى سريعة نحو التنمية والتقدمبهدف دخول منطقة اليورو والاتحاد الأوروبى خلال عشر سنوات، لذا فهى تفتح ذراعيها للاستثمار بإذابة جميع العراقيل أمام المستثمر الوافد .
∎الريال القطرى!
وعلى سيرة اليورو، فإن العملة الوطنية أو اللارى ذات قوة شرائية كبيرة وبالتالى فالحياة رخيصة أسوة بمصر حتى أواخر السبعينيات من القرن الماضى والأجور للشباب حدها الأدنى حوالى 300 لارى أى 1200 جنيه، وهم فى جورجيا لا يعرفون إلا خمس او ست عملات فقط أبرزها الدولار واليورو والروبل الروسى والليرة التركية، ولا توجد مشكلة فى التحويل من وإلى أى من هذه العملات فى مكاتب الصرافة المنتشرة فى العاصمة، والطريف أن بعض المكاتب تقوم بتحويل الريال القطرى فى أحد الأحياء التى تشهد تواجدا خليجيا فى الصيف، ومن جانبى فقد حملت معى 500 ريال سعودى كمبلغ احتياطى وقد دخلت إلى أحد مكاتب الصرافة التى تغير الريال القطرى وسألت الموظف عن سعرالريال السعودى، فطلب منى رؤية شكل العملات، وهنا استدعى المدير المسئول الذى طلب منى الانتظار قليلاً، وبعد دقائق قال لى «سعرهم كذا وهذا لمساعدتك» !!.. وحقيقة فان السعر لم يكن مجحفاً، إلا أنه رفض أن يعطينى إيصالا بالتغيير متعللا بأنه لم يغير هذه العملة من قبل وأنه فعل ذلك لمساعدتى! وفى واقع الأمر فإننى تعودت على استخدام كروت الفيزا فى الشراء أو سحب ما احتاجه من مبالغ مالية من ماكينات ATMخاصة فى الدول التى لا تتوافر عملاتها الوطنية فى شركات الصرافة أو البنوك المصرية، أما غير ذلك فاننى لا أقم بتحويل ما معى من دولارات أو يوروهات إلا للضرورة القصوى .
يبقى فى النهاية إنه إذا كانت شركة السياحة التابعة للسفارة الجورجية بالقاهرة قد أعلنت عن طرح برنامج زيارات دينية خلال هذا الأسبوع بمناسبة أسبوع الآلام وعيد القيامة، فان الثابت أن هذه السياحة لن تكون هى الهدف الرئيسىمن جانب الراغبين للسفر خاصة مع ارتفاع وتيرة الأحداث الطائفية الأخيرة وإحساس جيل من الشباب أن أولئك الموجودين على قمة السلطة فى مصر لا يعنيهم الاستفادة من طاقات واستثمارات بشرية بل هى تدفعهم ليكونوا وسيلة لنهضة دول أخرى من أجل مشروعهم لل (خلافة) والذى لا يقبل الآخر ولا يعترف بقيمة المواطنة والمساواة والتعايش !.