بينى وبين الواحد من يونيو قصة مكتوبة فى كل ثنايا الروح، ففى هذا اليوم جاءت إلى الدنيا امرأة صارت هى الممتلئة ببركة عطائى لمعنى وجودى ككائن وإنسان.. وعندما عرفت أن بريق عيونها كان يحمل لى كل أحلام التواجد معها فوق سحابة ترتفع على مياه الميناء الشرقى بالإسكندرية، وعندما رأينا عيون كل البشر تحيط بنا كأنها تندهش من ميلاد قصة حب، لذلك أمرت الحبيبة السحابة التى نتواجد فوقها لتصبح قاربا يشق أمواج البحر لنصل إلى مرسى مطروح. عادل نصيف
فى الطريق اندهشت من أزهار «الجهنمية الملونة» بالأزرق الفاتح والأحمر القانى، وأتوقف عند مرسم «جميل شفيق» هذا الفنان الذى أتعبد شكرا للسماء أن أوجدت قدر التوازن المذهل فى خطوطه السوداء على أى صفحة بيضاء، فأنت عندما ترى لوحات جميل شفيق يمكنك التيقن والتأكد أن سنوات عمره كانت استعدادا لحفر نهر يخصه وحده، لتتعانق الموسيقى برقتها مع عنوان الواقع الذى نعيش، فتخرج لنا لوحات شديدة الحيوية، عميقة الإيحاء.
جورج البهجورى
أسأله وأنا أمسك بيد الحبيبة: من ترسم ياجميل؟ يجيبنى: أرسم ما أراه بعيون الخيال عن رحلة مريم العذراء مع ابنها يسوع المسيح إلى أرض مصر. ولا يحتاج جميل أن يكمل لى بالكلمات ما يوقظ فى ضميرى صفاء المحبة التى تملأ القلب عندما تأتى سيرة مريم عليها السلام وابنها الممتلئ بنور البركة «يسوع عليه السلام».
ويستمر قارب الخيال الذى صنعته الحبيبة من سحابات السماء فى الرحيل نحو الغرب، حيث مرسى مطروح، أنظر يمينى لأجد بعيون الخيال جزيرة كريت، تلك التى وهبتنا اثنين من أقرب البشر إلى قلبى «ألجركو» الرسام المصور الذى أضاء بألوانه خيال أيامنا الشابة، وبجانبه «كازينتزكاس» الروائى ابن كريت الذى أحب صفاء المسيح وروى تاريخ حياته عبر عدد من الروايات، لعل أهمها «الإغواء الأخير للسيد المسيح»، وفيها يروى معاناة السيد المسيح أثناء رحلة الحياة التى بشر فيها بالمحبة وحدها كجسر لبناء الإنسان الذى لا يتنازل عن آدميته بأى ثمن مهما كان، وها هى اللوحة التى رسمها حلمى التونى، هذا المصرى الذى يصنع من أرق الأدوات إبداعا يضىء ردهات الأعماق فلا تصبح ظلاما.
أما السيد الذى عشق المسيح فشاء أن يكون مع يوسف كامل نموذجا إنسانيا مبدعا، حيث اقتسم الاثنان مرتبيهما ليسافر أحدهما إلى إيطاليا ثم يحل محله زميله، وهكذا سافر يوسف كامل أولا، ثم يسافر راغب عياد ليقضى عشر سنين فى روما دارسا ومكتشفا لصفاء أعماق المصريين المتواصل مع كلمة المسيح «الله محبة».
وتبدو لوحاته بضوئها الباهر من البساطة والخصوصية هى من أوائل اللوحات التى تبشر بميلاد فن تصوير مصرى خاص، فلا تقليد لما رآه فى روما، ولكن رحلة الأعماق هى الضوء المكتشف لحنايا الخصوصية.
ويأتى جورج البهجورى ليجعل من الحمار الذى امتطته مريم البتول حاملة مسيحنا الحبيب، فيبدو الحمار وقد تحول إلى حصان شديد الفرح الصاخب.
إن ابن بهجورة الذى عاصرت عشقه المشتعل إلى باريس لم يفقد أبدا ألوانه المصرية المأخوذة من الشفق والأفق والطين وصفاء الشمس وغيوم الشتاء.
جميل شفيق
ولا نطيل كثيراً فلوحة جورج البهجورى تبدو كابتهال تزدحم فيه الطفولة التى لم يفقدها جورج أبدا، وتشاركه رحلة إيمان بحق الفرح، وعلى قدر صهد وتعب ما كانت عليه رحلة العذراء وابنها وراعيها يوسف النجار إلى مصر، بقدر ما أبدع جورج فى تحويل هذا الألم إلى موسيقى لونية لا حدود لثرائها.
وتأتى لوحة جمال لمعى لتروى لنا عبر الألوان، بل تعطى العين فرصة لترى الحركة متجسدة فى اللوحة، وكأنه يرصد بقاء تلك الرحلة الأخاذة فى الضمير المصرى.
ولا تتوانى اللوحات عن تقديم هذا الاحتفال تلك الرحلة المباركة على أرض مصر، ويمكن لى أن أترك القلم الآن لأواصل مع الحبيبة رحلاتنا الخيالية على ظهر القارب المصنوع من السحاب، لنصل إلى مرسى مطروح لأجد ديراً جديداً قد انبثق، ولا أدق باب الدير، لأنى لا أعرف من فيه، وأدقق النظر فى عيون الحبيبة لأقرأ تفاصيل رحلة العذراء إلى المحروسة التى قال عنها السيد المسيح: مبارك شعبى مصر، وكأنه أطل بعيون الروح ليرى أن أحوالنا فى أيامنا المرتبكة التى نعيشها تحتاج إلى تذكر هذا الأمان الذى دعا لنا به.
وأكاد أن أحدث المسيح فى خيالى قائلا: «هل صار مفهوم البركة هو المرور بأتون ننصهر فيه من التعب؟ لقد كانت بشارة الملاك بك لأمك البتول بأنها ستمتلئ بالبركة، بركة الحمل بك ثم ميلادك.
ونالها من الهول ما يفوق الخيال، بل ونالك أنت ويوسف النجار متاعب هائلة فى رحلة مجىء الرسالة إليك كرحمة لهذا العالم، فقد كان يوسف النجار مكلفا من قبل الرومان _ كما كتب كازينتزاكس _ بتصنيع الصلبان التى يتم صلب المعارضين لهم عليها، وقد جربت أنت ثقل الصليب أثناء صناعة يوسف النجار له، ثم تركت كل شىء لتدعو الناس إلى الحب وحده. وعندما تتبعك يهوذا من البداية حقداً عليك، ثم ادعاؤه بأنه من أتباعك، كنت ترقب كيف ترصدك أكثر من مرة كى يغمد خنجر الخيانة فى ظهرك، وكانت مريم المجدلية تقف على البعد عشقا لك ورغبة فى أن تكون لك وحدك، بينما أنت تعلم أنك لست لامرأة واحدة، بل أنت لكل البشر
عمر الفيومى
. أسأل الحبيبة أثناء الرحلة فى قارب مصنوع من قطرات السحاب، متنقلا مع اللوحات من الذى حمل تفاصيل رحلة العائلة المقدسة إلى مصر؟ تجيبنى الحبيبة بأن الرؤيا التى جاءت لواحد من الرهبان، هى التى حددت تفاصيل الرحلة وآلامها وفرحة المصريين بها.
يأتى الأول من يونيو بعد ثلاثة أيام لنرى من جديد خطوات العائلة المقدسة فى خيال الرسامين المصورين الذين جمعهم إبراهيم بيكاسو ليقدموا هذا الاحتفال المصرى شديد البساطة عميق المعنى، وها أنا ذا أصحب الحبيبة من قاربها السحابى، وأعود بها إلى القاهرة كى أشهد هذا الاحتفال بعيد علينا كمصريين ألا ننساه، وأن نتمنى ألا يكون التواجد فى أتون أيامنا طويلا فقد تطهرنا أيتها السماء، وتعبنا.. تعبنا.. تعبنا، ونريد أن نعيش بهدوء ونقاء. الأول من يونيو بالنسبة لى هو بدء موسم التذكار لرحلة عشق لم تنته، فهل تساعدنى بركات العائلة المقدسة على مداواة جروح الروح؟ أحلم وأتمنى. وبين الحلم والأمانى يعود لى القارب المصنوع من قطرات السحاب لأجد الحبيبة تقول لى الكلمة التى تحول روحى إلى طفولة تزدهر بموسيقى من براءة ورغبة، فأذوب فى عيون الحبيبة أثناء سفرى إلى اللانهاية.
خالداً هو الحب، بشر به أوزوريس ورعته إيزيس، وتناوله الأنبياء تباعا، فتحول عبر تاريخ الوجدان البشرى إلى مواسم وأعياد، ومن بين تلك الأعياد، يأتى عيد زيارة العائلة المقدسة إلى مصر، فلتمتلئ مصر بالنعمة دون كروب.
ولكل الفنانين الذين شاركوا فى هذا المعرض عميق التحية مع الاعتذار أن الصفحات لم يتسع إبداعتهم التى تشدو بالنقاء والعشق .