دعيت يوم الأحد لحضور ندوة ينظمها المكتب الثقافي المصري في مونتريال بالتعاون مع "الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد" للتعريف بأنشطة الهيئة واللقاء برئيسها، الدكتور مجدي قاسم. لم أسمع بتلك الهيئة من قبل، وعلمت من اللقاء أنها مؤسسة حديثة في مصر، لم يمض علي انشائها سوي عامين. الهيئة مستقلة كما أشار د. قاسم في كلمته، لا تتبع وزارة ولا وزيراً، لكنها تتعاون مع رئيس الوزراء مباشرة، وتعتمد ميزانيتها بالكامل علي الدعم الحكومي. حضر اللقاء نحو أربعين أستاذاً مصرياً كندياً، معظمهم من كليات الهندسة بفروعها المختلفة وقليلون من كليات الطب وإدارة الأعمال والزراعة وندرة نادرة من كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية. العرض الذي قدمه د. قاسم لمختلف أنشطة الهيئة ومطبوعاتها وآليات العمل بها كان مبهرًا بكل المقاييس، لم يكن أحد من الحضور يتوقع أن تكون في مصر هيئة استشارية بهذا الحجم وبهذه الكفاءة لضمان جودة التعليم، فكل ما نعرفه ونسمع به ويشاهده بعضنا في زياراته مؤشر انهيار كامل للسياسات والمؤسسات التعليمية المصرية علي عمومها، من المدرسة إلي الجامعة. المتوقع والحال هذه أن ينحصر دور هيئة استشارية كهذه في كتابة التقارير ورفع رايات الخطر فيما تكتفي الإدارة السياسية بسد خانة البحث في الأسباب والتعلل بضيق اليد والركون لمنطقة الأمان، بحجة أن أي تعديل جذري في مجتمعاتنا يخل بها ويثير قلق الجماهير. لكن الهيئة في غضون سنتين استطاعت، كما هو واضح من المنشورات التي تسلمناها ومن الموقع الالكتروني الذي زرناه ومن حديث رئيسها النشط ووعيه الكامل بأهمية ضبط المعايير والمراقبة والإصلاح، أن تقدم تصوراً - لن نقول إنه مكتمل لكنه دقيق ذ عن السياسات التي ينبغي أن تتبع لكي تنهض المؤسسات التعليمية ذاتياً. ليس مطلوبا من الهيئة أن تشرف علي تنفيذ الاجراءات التي تنصح باتباعها... المطلوب منها اصدار شهادات الجودة والاعتماد للجامعات والكليات والمدارس ببرامجها المختلفة وفقا لمعايير هي التي تحددها وتتيحها للمؤسسات التي تتقدم للحصول علي الشهادات. المعايير متاحة بأشكال متعددة، منها المطبوع ومنها الالكتروني، تم تحديدها بالتعاون مع مؤسسات دولية لها خبرة وباع طويل في النهوض بالعملية التعليمية. علي كل مؤسسة مصرية أن تراجع أنشطتها وهيكلها ونتائجها وفقًا لتلك المعايير وأن تحدد استراتيجيات تخصها لتجنب أوجه القصور وتعديل مسار التعليم. فهل هذه الشهادات ملزمة للمدرسة أو للكلية أو للجامعة؟ وكم مدرسة أو كلية أو جامعة حاصلة فعليا علي تلك الشهادة؟ وماذا يعني حصولها عليها أو عدمه؟ وما هي اجراءات اصدار هذه الشهادة؟ وهل يتم تجديدها دوريا بحيث تستطيع الهيئة سحبها أو عدم السماح بتجديدها في حالة تراجع المؤسسة عن الإصلاح؟ الإجابات موجودة بوفرة وبكافة التفاصيل علي موقع الهيئة www.naqaae.org يقول رئيس الهيئة إن التنفيذ ليس من اختصاصه ولا من اختصاص مجلس الإدارة المكون من خمسة عشر عضواً (وعضوة)، ويضيف أن حصر وتغطية المؤسسات التعليمية وتحديد معايير لجودة التعليم فيها ليس أمراً سهلا خاصة لو عرفنا أن في مصر ما يقارب 44 ألف مدرسة و34 جامعة منها 17 جامعة حكومية و16 جامعة خاصة بالإضافة للأزهر و600 كلية وآلاف البرامج الجامعية. نسبة ضئيلة من المدارس التي تمثل عينة الفحص الأولي حاصلة علي شهادة الجودة ونحو 67٪ من العينة (ضمن ألف مدرسة خضعت للتقييم) رسبت في الاختبار بجدارة. عقب التقديم المكثف والمبهر لآليات عمل الهيئة وأنشطتها علي مدار عامين، أشار د. مجدي قاسم لأهمية الاستعانة بخبرات الأساتذة المصريين المقيمين بالخارج وتعاونهم في مختلف مراحل عمل الهيئة سواء في اعداد الأبحاث والتقارير أو التوعية بنظم وأصول التعليم في الخارج ونقل هذه الخبرة للجامعات المصرية أو وضع أسس ومعايير لبرامج التعليم والبحث العلمي. لا أدري لماذا يبدو هذا الحديث مكررًا، منفصلا عن الواقع، جافا كنصوص التقارير التي لا يقرأها أحد، كأننا تعودنا أن ينفصل السياسيون بخطابهم ووعودهم عن أحلام الناس ومطالبهم البسيطة، التعليم، الصحة، العمل. ورغم ذلك أصابني حماس حقيقي وأنا أستمع لهذا الرجل الحكيم وهو يتحدث بشكل عملي ومحدد عن امكانية التغيير والنهوض والإصلاح، وعن الحركة التي بدأت تدب في جسد البلد الخامل، وعن استقلال المؤسسة التي يرأسها وانفرادها بكثير من القرارات الهامة وكأن هناك فرصة حقيقية للاستقلال بالرأي والمشورة في بلد فقد أهله القدرة علي الحلم أصلا. كان معظم الحضور كما أشرت في البداية من أساتذة الهندسة المصريين الكنديين. بسرعة تحولت مناقشة الجودة والاعتماد لمناقشة ميكانيكية، كأن باستطاعتنا أن نكتفي بعدد من الآليات والتقنيات والقوانين الهندسية لإصلاح التعليم في مصر. مهم جدا أن نذكر بأهم مشروعين من مشروعات الإصلاح في تاريخ مصر الحديث، مشروع رفاعة رافع الطهطاوي في القرن التاسع عشر، ومشروع طه حسين في القرن العشرين. لم يكن أي منهما مهندسا أو طبيبا أو عالما في العلوم الطبيعية، لكن رؤيتهما للإصلاح كانت ثاقبة ومبنية علي أسس فلسفية واجتماعية جديدة وواضحة. خطر من نوع آخر يتهدد مثل تلك المؤسسات النشطة في مصر، علي الرغم من طموحها الهائل ورغبتها الصادقة في النهوض. هذا الخطر هو تراجع الرؤية، غياب الجوهر، بحيث يتحول المشروع التعليمي برمته لمجرد مشروع اقتصادي. مثل تصوير التعليم كسلعة واعتبار الطالب عميلاً من حقه أن يحصل علي منتج عالي الجودة. لم تنهض الدول الأوروبية بهذا المنطق، علي عكس اعتقاد الكثيرين، نهضت لأنها اعتبرت التعليم أداة لخلق انسان حر جديد، يفكر ويناقش ويعرف ويبني ويتقدم قبل أن يصبح التعليم سلعة. نهضت لأنها استخدمت العلمانية أولا والاقتصاد الليبرالي ثانيا لتطوير أدوات التعلم والتفكير والبحث. ما لم نتمكن من صياغة رؤية مماثلة، لا أعتقد أن النهوض بالعملية التعليمية سيكون مثمراً، مهما كانت المعايير مضبوطة والقوانين ملزمة.