يبدو أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ليس وحده الذي يريد أن يترك السلطة الفلسطينية ويجلس في بيته.. هناك فلسطينيون وإسرائيليون يريدون له ذلك.. الفلسطينيون الذين يريدون ذلك معظمهم من أهل حماس وربما يكون بينهم من أهل فتح أيضا، منظمته التي ينتمي إليها هؤلاء لا يطيقون أبو مازن ويتمنون أن ينفذ قراره بعدم الترشح لانتخابات الرئاسة الفلسطينية الجديدة التي لا يعرفون متي ستتم.. أما الإسرائيليون فقد برز منهم مؤخرا الرئيس السابق للموساد افراهام هاليفي الذي يعتقد - كما قال في حديث له - أن أبومازن بات يشكل عبئا علي إسرائيل يقتضي التخلص منه وإسقاطه.. فهو وسلطته مجموعة من الأشخاص بلا قدرة علي الفعل، وهم في أحسن الأحوال طلاب للمساعدات الأمريكية والإسرائيلية، ولو توقفت إسرائيل وأمريكا عن تقديم المساعدات لهذه السلطة لانهارت في الحال. وهكذا لم يعد هناك بين الفلسطينيين من يفكر في إنهاء السلطة الفلسطينية وفكها، إنما يشاركهم اسرائيليون أيضا في ذلك لأنهم لا يرون جدوي من بقاء واستمرار هذه السلطة. يحدث ذلك في وقت يسعي فيه إسرائيليون آخرون إلي استئناف المفاوضات مع أبومازن للوصول إلي تسوية ولو مؤقتة تمنح إسرائيل الوقت الكافي لإتمام تنفيذ خططها الخاصة بالاستيطان في الضفة الغربية وتهويد القدس وتبريد قضية اللاجئين. ويحدث ذلك أيضا في وقت يري فيه الأمريكان أن أي تحرك لإطلاق عملية مفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين يحتاج إلي بقاء بل دعم ومساندة أبو مازن، لدرجة أنهم يطرحون- ضمن أفكارهم الجديدة أن تأتي هذه المساندة من الجامعة العربية التي تدعو الرئيس الفلسطيني الي استئناف التفاوض مع اسرائيل، بعد أن تتقدم واشنطن بمقترحاتها الجديدة، التي تقضي بأن تبدأ بترسيم حدود الدولة الفلسطينية ثم تنتقل إلي باقي قضايا الحل النهائي خاصة القدس واللاجئين، وتضع سقفاً زمنياً لهذه المفاوضات لا يتجاوز العامين. فهل يعني ذلك أن ما قال به رئيس الموساد السابق هاليفي هو مجرد شطحة من مسئول اسرائيلي ترك منصبه؟ أم أنه يدخل في باب التهديدات وممارسة الضغط علي أبومازن لكي يقبل باستئناف المفاوضات مع الإسرائيليين بدون تجميد للاستيطان أو بدون تحديد المرجعيات التي ستدور في اطارها أو علي أساسها هذه المفاوضات؟ طبعا تهديد أبو مازن اسرائيلياً وممارسة الضغوط عليه أمر غير مستبعد، خاصة أنه حتي الآن لم يقبل بأي استئناف للمفاوضات مع الاسرائيليين، وعلق موافقته علي أي لقاء مع الإسرائيليين علي نتائج الزيارة التي يقوم بها لواشنطن كل من الوزير احمد ابوالغيط والوزير عمر سليمان لاستجلاء الموقف الأمريكي وتفاصيل المقترحات الأمريكيةالجديدة وموقف الإسرائيليين منها. لكننا في ذات الوقت لا نستطيع أن نستبعد وجود تفكير داخل إسرائيل لاستبدال سلطة أبو مازن بحماس.. وهذا ما تحدث عنه بوضوح هاليفي أيضا حينما قال: "بكل تأكيد حماس أفضل من السلطة ورئيسها ووزاراتها وأجهزتها الأمنية التي يجب أن ننهيها".. وحتي يقنع بقية الإسرائيليين بذلك قال: "ألا نجري اتصالات معها بشكل غير مباشر كما هو الحال في قضية الجندي الأسير جلعاد شاليط؟". أما ما لم يقله هاليفي فهو ثمة تقارب بين ما يطرحه نتانياهو وشيمون بيريز وموفاز وبين ما يطرحه قادة حماس.. القادة الإسرائيليون يطرحون حلاً مؤقتاً، وقادة حماس يطرحون هدنة طويلة لا تقل عن عشر سنوات مع إسرائيل.. هنا يصبح التفاهم سهلاً ويسيراً وليس صعباً مثلما قد يحدث مع أبومازن إذا تم التفاوض حول قضايا الحل النهائي الصعبة.