زراعة الإسماعيلية تواصل جهودها لمتابعة المحاصيل الزراعية بالقصاصين    فيديو| لماذا لجأت مصر ودول أخرى لترشيد استهلاك الطاقة؟    بعد إسقاط مقاتلته.. إيران تعرض مكافأة لمن يلقي القبض على الطيار الأمريكي    السيسي: مصر تدعم كافة المساعي الرامية لتسوية الأزمة بين روسيا وأوكرانيا    منظمة الطيران المدني: الهجمات الإيرانية في الخليج تهديد خطير لسلامة الطيران بالشرق الأوسط    سي إن إن: نصف منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية سليمة    الأهلي يهزم الزمالك بثلاثية في قمة دوري كرة القدم النسائية    انطلاق مباراة إنبي وبيراميدز في كأس مصر    أتمنى حصده لقبين إضافيين| سلوت يشيد بمسيرة محمد صلاح مع ليفربول    فليك عن واقعة مباراة مصر: حان الوقت لتغيير هذه العقلية    لعبة طفولية تتحول إلى خطر.. طالب يثير الذعر أعلى شرفة مدرسة بالقليوبية    تفاصيل ضبط تشكيل للنصب والاحتيال بزعم استرداد الحقوق    عمرو صالح: التوترات الجيوسياسية ترفع أسعار الطاقة والغذاء وتضغط على الاقتصاد العالمي    تأهب دفاعي كويتي: اعتراض صواريخ ومسيرات "معادية" في أجواء البلاد    هنا جودة تكتب التاريخ.. أول مصرية وأفريقية تبلغ ربع نهائي كأس العالم لتنس الطاولة    سعر الدولار مساء اليوم 3 إبريل 2026    قطع المياه عن 8 قرى بالسنبلاوين الأحد المقبل لمدة 9 ساعات    السيطرة على حريق مفاجئ بمنطقة ألعاب أطفال بجوار مستشفى الأحرار في الزقازيق (صور)    الداخلية تضبط صانعة محتوى لنشرها فيديوهات خادشة للحياء بالجيزة    أوقاف الأقصر تنظّم قافلة واعظات بعنوان "اليتامى العظماء في الإسلام"    افتتاح مسجد الرحمن بقرية زاوية الناوية بمركز ببا في بني سويف    طلب إحاطة لمراجعة اتساق الاستراتيجية الصناعية مع أزمة الطاقة    بحضور رئيس الاتحاد الدولي.. وزير الشباب يفتتح بطولة كأس العالم للجمباز الفني    مؤتمر أرتيتا: انسحاب 11 لاعبا من منتخباتهم؟ نحن صادقون بشأن حالة كل لاعب    إعلام الوزراء: لا صحة لرفض شحنات فراولة مصرية مصدرة للخارج لاحتوائها على مواد مسرطنة    السيسي يؤكد ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لوقف الحرب بالمنطقة    إسرائيل تعلن استئناف تشغيل حقل ليفياثان للغاز الطبيعي بعد توقفه لأكثر من شهر    انقطاع مياه الشرب لمدة 5 ساعات عن عدد من المناطق بالفيوم مساء اليوم    هل أثرت العاصفة الرملية بليبيا على مصر؟ الأرصاد تجيب    إصابة 10 أشخاص فى حادث مروري بالإسماعيلية    محافظ الدقهلية: تحرير 141 مخالفة تموينية خلال يوم واحد    القبض على المتهم بسرقة خلاط مياه من مسجد في الشرقية    عروض المهرجان المسرحي الدولي لشباب الجنوب تنير قرى قنا    عرض فيلم "إشعار بالموت" في دور السينما 8 أبريل    احتفالات يوم اليتيم في البحيرة، كرنفالات ووجبات وعروض للأطفال (فيديو)    دار الإفتاء: الشريعة الإسلامية تضع الأيتام في مكانة ومنزلة خاصة    إنجاز غير مسبوق.. تعليم الأقصر يحصد مراكز متقدمة في مسابقة الإذاعة المدرسية بجميع المراحل التعليمية    التلفزيون الإيراني يعلن مكافأة لمن يقبضون على طياري المقاتلة الأمريكية    انطلاق النسخة 14 من مؤتمر "الجامعات قاطرات التنمية الوطنية" 19 أبريل    بسام راضي يستقبل وفد الكنيسة المصرية بروما    مكتبة الإسكندرية تناقش "المعرفة البريطانية في تاريخ عُمان والمشرق العربي"    وزارة الأوقاف تُحيي ذكرى رحيل القارئ الشيخ محمد أحمد شبيب..قارئ العبور والنصر    توفير 3 وظائف لذوي الهمم ضمن خطة «العمل» لتطبيق نسبة ال 5    الصحة: افتتاح وحدة تطعيمات بمركز الخدمات الطبية للجهات القضائية في منطقة التوفيقية بالقاهرة    الصحة تطلق عددا من الفعاليات احتفالا باليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد    وزير الصحة الفلسطيني: غزة على حافة تفشي الأوبئة مع تصاعد خطر القوارض    رفع 80 طن مخلفات خلال حملات النظافة بقرى مركز البداري بأسيوط    المركز القومي للسينما يقيم فعاليات نادي سينما الإسماعيلية    خطر انهيار لبنان.. العدوان الإسرائيلي يدفع الدولة إلى حافة الهاوية    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    فضل عظيم وسنة نبوية..... فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    أفضل أدعية الرزق والسكينة فى يوم الجمعة...فرصة عظيمة لا تُعوّض    حملات مكثفة لضبط مواعيد الغلق وتحرير 984 مخالفة خلال 24 ساعة    أوقاف جنوب سيناء تطلق حملة شاملة لنظافة المساجد وإزالة مياه الأمطار من الأسطح    أشرف قاسم: جماهير الزمالك كلمة السر.. والفريق مطالب بالعلامة الكاملة لحسم لقب الدوري    إبراهيم عبد المجيد ينتقد انتخابات اتحاد الكتاب: لماذا يضم المجلس 30 عضوًا؟    دياب يشعل الإشادات: مصطفى غريب مفاجأة "هي كيميا" وموهبته تخطف الأنظار بين الضحك والدراما    «الشيوخ» يبحث دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل وتحويلهم إلى قوة إنتاجية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فاروق جويدة شاعر الحب والوطن
نشر في مصر الجديدة يوم 25 - 11 - 2010

سنعرض اليوم قراءة نقدية في أشعار شاعرنا الكبير فاروق جويدة وسنبحر على أجنحة موسيقاه الشاعرة ، ومن أهم مظاهر تلك الموسيقى التنوع مابين الموسيقى الداخلية والخارجية،لأنه _ ومن خلال النصوص_ يهتم بتجاور الحروف المتماثلة منها والمتنافرة تبعاً للمعنى المقصود في النص
يقول "فاروق جويده" في قصيدته بعنوان " هذي بلادٌ لمْ تعدْ كبلادي " :-
" في كلِّ ركْنٍ من ربوعِ الوادي
تبدوأمامي صورةُ الجلاَّدِ "
ومن الواضح سيطرة الموسيقى، فلقد أختار شاعرنا بحر الكامل، وتفعيلته هي (مُتفاعلنْ)، وأختار أن يكون عنوان القصيدة شطراً منها، وهو هنا آخر شطرٍ في القصيدة، كما أنه أختار الشكل العمودي للقصيدة وليس الشكل الحر، ومن بين إختياراته كان الرويُّ حرف الدال مكسورة الحركة، وأختار كذلك ضمن موسقته لفظة " صورة " للتعبير عن الجلاد مع أنه أستخدم أداة التشبيه ( حرف الكاف ) في تصوير العنوان المُمَوْسق، وأكد رؤيته بأنها " في كل ركن من ربوع الوادي " ، ورغم أن القصيدة مُهداه إلى الذين أبتلعتهم أمواج الهجرة غير الشرعية بعدما ضاقت عليهم أرض بلدهم، تلك البلد الأم التي ترى مُجريات أمور أبنائها من خلال قميص الرؤية لدى يعقوب قبل أن يراه الأبناء ذاتهم،وفي مثل هذه القصيدة يُعلن الشاعر الرمز أنه لا ينفصل عن قضايا عصره بنفس القدر الذي يستدعي فيه التراث، ويُبصر المستقبل، وتلعب الموسيقى دورها ليس فقط في أذن السامع أو وجدانه، بل في الصورة أيضاً، فهولم يقل " هذي بلادٌ لم تعد بلادي "، وكما الشائع " أن هذا الشيء لم يعد هو"، وإنما " هذا الشيء لم يعد كهو"، وهنا موسيقى البحر جعلته يأتي بصورة أبلغ، وهذه الصورة تمنع حتى مُجرد التشبيه بما سبق وليس العودة لما سبق، ثم إن كسر الرويِّ يعبر عن الإنكسار في هذا الحدث الجلل، والذي يستثمره شاعرنا - رغم الفجيعة والإنكسار - للتذكير بالتراث العريق والتوعية بما يجب أن يكون والإستفادة من الدروس الناجمة عن التجارب والخبرات المُختزنة، ويُبرهن إيمانه بهذا التراث وعدم إهمال قواعدنا بإستخدام الشكل الُمقفَّى والعمودي في ذات الوقت للقصيدة العربية رغم الدعاوى للشكل النثري،
ولأن " فاروق جويدة" خبير باللغة وأسرار الموسيقى يختار حرف الرويَّ والحركة المؤثرة لهذا الرويِّ تبعا للموضوع والقصد المطلوب في رسالة القصيد، ويعلن شاعرنا عشقه لهذه اللغة مُتَّخذاً صوفية النص مركبةً له بين العاشق والمعشوقة، فيقول :-
إني تعلَّمْتُ الهوى وعشقْتُهُ منذ الصغرْ
وجعلتهُ حلم العُمُرْ
وكتبتُ للأزهار .. للدنيا .. إلى كل البشرْ
وهنا يأتي حرف الراء بما يحمل من تطريب وامتيازات عربية خاصة ليعلن أنه رويٌّ ساكنٌ في عالمية الكتابة التي تمس كل المخلوقات، ولم يأْتِ التسكين لمجرد الوزن الشعري في تفعيلة (متفاعلن) أوكان عشوائياً " وكتبْتُ للأزهار .. للدنيا .. إلى كل البشر"، وهنا كذلك الفعل (كتب) يأخذ بعده حرف جر "اللام" للقريب و"إلى" للبعيد، وهكذا، فإن شاعرنا كتب للأزهار وللدنيا، ثم يأتي دور كل البشر مع مراعاة الترتيب والفترة الزمنية والمجهود الواجب أن يبذله الشاعر حتى تصل رسالته بهذه الصورة، وقد تجري بين أوصال هذه السطور قول الشاعر القديم حين كان يتكلم عن نفسه شاعراً ليُبينَ قيمته وقامته حتى وصل إلى قوله " وأسْمعت كلماتي مَنْ به صممُ"، ومع إختلاف البحر هنا إذْ بينما أستخدم الشاعر القديم بحر البسيط، فلقد أستخدم " جويدة" تفعيلة الكامل
ولا ينفصل الإيقاع الشعري عند جويدة عن الإيقاعات الحياتية وهمومها وأفراحها، فيعزف بالحب، ولطالما عرفه في مواطن كثيرة ليقول لنا :-
الحب يا دنياي أن نجد الرغيف مع الصغارْ
أنْ نغرس الأحلام في أيدي النهارْ
ولعلَّهُ هنا قصد بكلمة " يا دنياي" كلمة أُخرى هي "ليلاي"، فإذا كانت "ليلى" صارتْ رمزاً عالمياً للحب – وترجع عالميتها إلى عالمية التراث العربي-، فإن الدنيا لا تكون محبوبة إلا إذا عرفنا الحب معرفةً حقيقية ومن أهل الحب أنفسهم (ليلى بأوجاعها وعشقها ومعاناتها حتى الموت) ..، وتلك المعرفة التي تعني سدَّ الجوع لدى الصغار وترسم لهم الأمل في الغد وتعتني برعايتهم حتى أننا " نغرس الأحلام في أيدي النهار"، ويا لها من صورة تربط بين الغرس واليد، وتربط بين الأحلام والوضوح، ويا له من بارع هذا المصور والاقتصادي والمربي السياسي والمُحنَّك من الشخصيات التي يتضمنها ضمير الشاعر الحقيقي ..،
وتلتقي هذه الأبيات مع سابقتها في التفعيلة والرويِّ على أن زادت هذه الأبيات بألف التأسيس، وما يحمله من المدِّ وإتاحة الفرصة للنفس الطويل، وكذلك كأن الشاعر أراد أن يُعبر بألف الإسناد هذه عن ضرورة جوهرية في الحب ..، وهي أن نستند على اللغة وهويتنا في صنع الرغيف وغرس الأحلام بأيدينا الصادقة صدق النهار الطاهر لأن هذه الأيدي لم ترتكب ما تضطر أن تخفيه
وبالإنتقال السريع إلى ما يُعرف بهاء السكت في الشعر العربي، وما يتميز به العرب من شجاعة في الحق نجد شاعرنا يستدعي صهيل "الخيل" وجسارة " النسر " لمحو الأمية التاريخية التي تتسبب في الخلط بين البكاء والصهيل وكان هذا البكاء من نصيبنا وليس من نصيب الأعداء، مما يجعل "النسر" يُحلق في سماء العلا ليضع التقويم والتقييم ويعمل كي يضع كل ما يدور مواضعه الحقيقية ..،
ولأن الشاعر ضمير الأمة وعين المستقبل، ولأن الشعراء قد يتسامحون لكنهم أبداً لا يفقدون الذاكرة
ولأن البعض قد حاول الفصل بين الشعر العمودي والشعر المُقفى، وأشتعلتْ المهاترات لتفرض النثر على الشعر تحت أيِّ مُسمى – وإن كان للعرب تراثهم النثري العريق- فقد تنبه الشاعر من خلال الأحداث أوالبوح السري لبعض الأصدقاء إلى أن محاولات فرض النثر على الشعر ليس بغرض الحرية وإنما لإلغاء هوية الشعر العربي، وتدريجياً التخلص من الهوية العربية وما لها مِن تداعيات، فقرر شاعرنا "فاروق جويدة" إعلان رفضه لهذه المحاولات – أحسبه كذلك - ومن خلال بحر المتقارب وبالشكل العمودي في الشعر العربي - والذي يظل رابطاً بين الأمس والغد، وإن ظهر النباح في كل مكان لفترةٍ موقوتة – كتب شاعرنا قصيدة " الخيول لا تعرف النباح " وأهداها إلى عبد الوهاب البياتي عند رحيله –وكان "البياتي" شاعراً عمودياً ورائداً للشعر الحر في العراق، بينما كان رائده في مصر عبد المنعم عواد يوسف وسبقهما توفيق الحكيم قبل أن يتجه بكتاباته إلى المسرح، وقد تزامن رحيل " البياتي " مع قرار عدد من المبدعين الشبان بتأسيس جمعية أدبية تحمل اسم "النسر" أملاً في النهوض من هذه الكبوة وتفاؤلاً بنسر أكتوبر في انتصاراته العربية وتوافقاً مع شعار جمهورية مصر العربية .. يقول فاروق جويدة :-
هنا كان بالأمس صوتُ الخيولِ
على كل باغٍ له جلْجلةْ
فكم أسقط الحق عرش الطغاة
وكم واجه الزيف كم زلزلهْ
فكيف انتهى المجد للباكيات
ومَنْ أخرس الحقَّ .. مَنْ ضللهْ؟
ومن قال أن البكا كالصهيل
وعدو الفوارس كالهرولةْ؟!
سلامٌ على كل نسرٍ جسورٍ
يرى في سماء العلا منزلهْ .
وأحسبُ أن الرويِّ الساكن عند فاروق جويدة ظاهرة تُستخدم عند القضايا الهامة، فهناك قصيدته التي واجه بها الردة عند سلمان رشدي،وأما الحركات لها ما تعني كل حركة ولو على سبيل الإشتقاق من اسم الحركة، فالكسر يعني الفجيعة والإنكسار، والرفع يعني الرفعة والمقام العالي، أما الفتح يعني الإنطلاقة نحو عالم الفكر والخيال ، وتختلف التفعيلات والبحور بينما تتفق هذه المعاني في التشكيل اللغوي للرويِّ، فمثلاً يقول على البحر البسيط والرويِّ المشبع بالكسر في فجيعة رحيل نزار قباني تحت عنوان " وسافر فارس العشق ":-
تبكي القلوب التي أهديتها زمناً
من الجمال ببحر الشعر والأدبِ
تبكي الحروف التي سطرتها نغماً
كانتْ ترفُّ على عينيكَ كالهدبِ
ويستمرُّ القصيد مُتدفِّقاً حتى يصل جويدة إلى قوله :-
يا درة الشام .. يا أغلى قلائدها
أبياتُ شعركَ تيجانٌ من الذهبِ
ورغم أن قصيدة " الخيول لا تعرف النباح " أهداها إلى "البياتي" عند رحيله، وكذلك قصيدة " وسافر فارس العشق" أهداها إلى "نزار" عند رحيله أيضاً إلا أننا نلاحظ أن القصيدة المُهداة إلى نزار بها حرفية لتصف الوضع الشكلي فقط الناجم عن رحيل شاعر كبير في حجم "نزار قباني"، أما في القصيدة التي أهداها إلى " البياتي" كان الجوهر مفتاحاً للقضية العربية كلها، ولم يأخذ الوصف في شخص "البياتي" أو النتيجة من رحيله حيزاً رئيسياً، ورغم توافق المناسبتين وتشابه كلاهما في الإغتراب عند موته، والتشابه أيضاً في القامة الشعرية العربية .. !
ومن ناحيةٍ أُخرى .. يأخذ الحكي في كتابات شاعرنا " فاروق جويدة" مساحةً كبيرة، فيكتب الشعر القصصي على هيئة حلمٍ عربيٍّ يتحركُ فيه الحوار واصفاً حالةٍ ما أو حدثٍ ما ومُمَوسقاً لولا التسكين في مواضع كثيرة من النص، والإحتفاء بالبديع وتحديد مجال التصوير لخدمة هدفٍ واحد هو ما تصبو إليه القصيدة، لولا هذا بالإضافة إلى غياب بعض عناصر السرد لأقتربتْ نصوص الشاعر الكبير مع "القصص الشاعرة" ذلك الجنس الأدبي الجديد، والذي يعني بالتفعيلة والدوران الشعري مع الرمزية التي تجعل محتوى النص يحمل أكثر من رؤية لاعتبار أن كل لفظ يستدعي ما وراءه من جمل وتواريخ إنسانية حياتية، ويستبدل هذا الجنس إيقاعات الرويِّ والجناس بالموسيقى الداخلية للحروف وتجاور الأحداث المتعاقبة في ألفاظ، ليكون الشكل العام قصة، والتفعيلة قصيدة، بينما الوضع الحقيقي له خصائصه التي تُميزه عن كلا الجنسين .
أقول هذا لما لأشعار فاروق جويدة من تماس حقيقي مع الدراما، وخصوصاً في المسرحيات الشعرية "العاشق " و"دماء على أستار الكعبة"، ولم تكن هذه الإنطلاقة مفاجئة، وإنما ظهرت جذورها في الشعر القصصي عند شاعرنا، ونراه واصفاً بالسرد دعاوى إحتلال العراق وعلى شكل الحكي للأطفال يقول :-
طفلٌ صغير .. ذاب عشقاً في العراقْ
كراسة بيضاء يحضنها، وبعض الفل .. بعض الشعر والأوراقْ
حصالة فيها قروشٌ .. من بقايا العيد، دمعٌ جامدٌ يُخفيه في الأحداقْ
عن صورة الأب الذي قد غاب يوماً، لم يعدْ، وانساب مثل الضوءِ في الأعماقْ
يتعانق الطفل الصغير مع الترابِ، يطولُ بينهما العناقْ
خيطٌ من الدم الغزير يسيل من فمهِ، يذوب الصوتُ في دمه المُراقْ
وهكذا يكون الشعر القصصي والذي يسير على إيقاع التفعيلة، وليس كما يدَّعي البعض أنه نثرٌ راقي،
التفعيلة هنا هي (متفاعلن) ويعرف ذلك الشعراء الحقيقيون،
وما بال الحوار والحجة في نص " رسالة إلى بوش من طفلة مسلمة"
وعلى لسان هذه الطفلة يقول :- " يا سيدي بوش العظيم / حاربْت يا مولاي يوماً في الكويتْ
وجنيتَ منها ما جنيتْ / هل شعب بوسنة لا يساوي في ضميركَ بئر زيتْ؟ " (والتفعيلة أيضاً متفاعلن) ، ويتخذ الوصف للحالة فيما يُقرأُ خلف النص أيضاً موقعه من أشعار " فاروق جويده " ولاسيما عندما يستخدم أسرار اللغة العربية وموسيقى الكلم في القضايا الجوهرية،يقول ُواصفاً في عنوان قصيدته المُتسائل والداعي متى يفيقُ النائمون؟:
شهداؤنا فوق المنابر يخطبونْ
قاموا إلى لبنان صلُّوا في كنائسهم، وزاروا المسجد الأقصى، وطافوا في رحاب القدسِ واقتحموا السجونِ في كل شبرٍ من ثرى الوطن المُكبَّلِ ينبتونْ
ويتضح من عدد التفعيلات في كلا السطرين الشاعرين السابقين أن الشعر الحر لا يعني غير المُمَوسق، وإنما الحرية تكون في عدد التفعيلات تبعاً للدفقة الشعورية،
فالسطر الأول يتكون من ثلاث تفعيلات فقط تنتهي عند قوله يخطبونْ ( النون ساكنة)، أما السطر الثاني يبدأُ من كلمة "قاموا" وينتهي عند " ينبتونْ"، والنون سكنةٌ أيضاً كرويِّ مع التفعيلة المكررة (متفاعلن)
وإذا اتجهنا لتفعيلات أخرى نجد شاعرنا يُكثر من تفعيلة البحر المتدارك (فعلن)، أو يكون الإيقاع على الخبب، أوما يعتمد فقط على تكرار السبب فقط وكذلك تكرار الوتد مع الالتزام، فهويقول عن الشهيدة "سناء المحيدلي" في قصيدته (بعض العشق يكون الموت) :-
كانت تعلم أن الموت ضريبة عشق للأوطانْ / أن الحب سيصبح يوماً أجمل وشمٍ للأكفانْ /
أن الموت سيصبح عُرساً يُنسينا كل الأحزانْ / لكن سناء اختارت كيف تموتُ ..لتبكيها كل الأشجار .. اختارت أين تموتُ لتُصبح عطراً للأزهارْ / اختارتْ أن تبقى رسماً فوق الطرقات .. على الأنهارْ .
ونلاحظ هنا تفعيلة ( فعلن المتدارك)، والرويّ في السطر الثاني والثالث عبارة عن (النون الساكنة)، أما في الرابع والخامس (الراء الساكنة أيضاً)
إن موسيقى الشعر عند فاروق جويدة لا تعتمد فقط على إختيار التفعيلةِ أوالرويِّ ، وإنما على تتابع دفقات الإيقاع والفونيمات الصوتية وتجاور الكلمات ذات الحروف المتشابهة أوالمتنافرة تبعاً للإيقاع الناجم عن طبيعة الحالة الشعورية لخدمة المعنى المراد توصيله عبر الرسالة الأصلية للنص وتلك الدفقات المتتابعة لا إرادياً بناءً على حركة الرويّ أو الوقف ، ويكثر عند أشعار " فاروق جويدة" الجناس في مكونات البيت أو السطر الشعري فضلاً عن الرويِّ الذي يتم إختياره أيضاً من خلال الوعي الشعري وما يترك أثراً مقصودا في الأذن والنفس ..، يقول شاعرنا:-
حملناكِ يا مصر بين الحنايا
وبين الضلوع وفوق الجبين
عشقناكِ صدراً دعانا بدفءٍ
وإن طال فينا زمان الحنين
سيبقى نشيدكِ .. ..
يضئ الطريق على الحائرين
سيبقى عبيركِ بيتَ الغريب
وسيف الضعيف وحلم الحزين
سيبقى شبابكِ رغم الليالي
ضياءً يشعُّ على العالمين
في الأبيات السابقة تعتمد الموسيقى على تفعيلة بحر المتقارب (فعولن) مع تسكين حرف الرويِّ ( النون )، والتسكين هنا له غرضه للتأثير على حاسة السمع بنفس القدر الذي يؤثر به اختيار حرف النون على النفس – نسبة كبيره من أشعار جويده تتخذ ال ( نون ) روياً -، ومع ذلك نجد أن هناك الموسيقى الداخلية، وقد يمثلها الجناس في (حملناكِ / عشقناكِ ) وفي ( نشيدكِ / عبيركِ )، وكذا ما يُمثِّله كسر كاف التأنيث والتخصيص لمكانة مصر وخصوصيتها التي تشعُّ " على العالمين"..،
وإذْ تتجلى الموسيقى الداخلية في الضمير العائد على مصر (حملناكِ، عشقناكِ)، يتجاور ظرفا المكان (بين، فوق)، هذا، وتتكرر بعض الكلمات في أشعار "جويده" ليس فقط للتوكيد اللفظي، وإنما لانسيابية الجرس الموسيقي، ومثل ذلك في البيتين السابقين تكرار الظرف (بين)، وفي قصيدة أخرى نجد التضاد يلعب دوره، فمثلاً يقول
كل العصافير الجريحة في بلادي .. تلعن الزمن القبيح
ماتت على الأغصان .. كم كانت تغني كل صبح هل ترى
يبكيك عصفور جريح؟ ... ودمي يسيل على ثيابي هل ترى
يبكيك إنسان ذبيح؟
التضاد في ماتت، تغني
مع تكرار الإستفهام " هل ترى يبكيك ...؟"الستم معنا فى أن فاروق جويدة شاعر الحب والوطن .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.