أسعار الخضروات واللحوم والدواجن في الأسواق اليوم    إزالة 37 حالة تعدٍ تمهيدًا لتحويل محيط «اللجنة الطبية» بساقية شبين إلى ساحة انتظار    دوي انفجارات في الكويت جراء اعتراض أهداف جوية    وفاة طفلة وإصابة 4 آخرين بتسمم غذائي في الوادي الجديد    خنااقة الأحذية.. فيديو صادم لمشاجرة طالبات داخل مسجد    محافظ المنوفية يجري زيارة مفاجئة لمستشفى الحميات بشبين الكوم    بروتوكول تعاون بين جامعة الأزهر ومديرية الصحة بمطروح لتطوير الخدمات الطبية    عميد طب جامعة طنطا يتفقد مستشفى سرطان الأطفال الجامعي    30 دقيقة تأخر في حركة القطارات على خط «القاهرة - الإسكندرية».. الثلاثاء 3 مارس 2026    توقعات بوصول البرميل ل 100 دولار.. حرب إيران ترفع النفط إلى أعلى مستوياته منذ عام    كردون أمني حول قرية طوخ الخيل بالمنيا بعد مقتل شاب في مشاجرة عائلية    نيقولا معوض: صوت الألعاب النارية يُذكرني بالحرب في لبنان.. ولا أفهم كيف نحتفل بها    ماجد المصري: كل مشهد في «أولاد الراعي» وراءه لغز.. و«راغب» من أصعب الشخصيات التي قدمتها    د. جمال شعبان: ربنا نجاني من الموت بأزمة قلبية    بينهم مصر| الخارجية الأمريكية تدعو رعاياها لمغادرة أكثر من 12 دولة    غزل المحلة يصدر بيانا رسميا بسبب الأخطاء التحكيمية    نتنياهو: إذا أنتظرنا شهرا كان سيصبح برنامج إيران النووى عصيا على القصف    تنظيم الاتصالات: دقائق دولية مجانية لمدة 3 أيام للاطمئنان على المصريين في 6 دول عربية    مجلس الزمالك يقرر منح ممدوح عباس الرئاسة الشرفية للنادي    مصرع شخصين وإصابة 10 آخرين بطريق عبد القادر غرب الإسكندرية    الحرس الثوري: عدد قتلى وجرحى العسكريين الأمريكيين بلغ 650    هشام نصر: تصدر الزمالك ثمرة دعم الجماهير.. وتصعيد 7 ناشئين دليل على قوة النادى    تقدم في مفاوضات تجديد عقد فلاهوفيتش مع يوفنتوس    قبل أن تنفجر العبوة.. انفجرت القيادة في «رأس الأفعى»    سؤال برلماني عن حصيلة رسوم النظافة المحصلة عبر فواتير الكهرباء وأثرها على كفاءة إدارة المخلفات    النواب الأمريكي: نعمل من أجل إسقاط النظام الإيراني الحالي    ترامب: الديمقراطيون سينتقدون حتى لو لم نهاجم إيران    معركة الأحذية، القبض على طالبتين تشاجرتا داخل مسجد بالبحيرة أثناء الصلاة    رئيس الوفد يشكل لجنة لتحويل الصحيفة والبوابة إلى مؤسسة متكاملة    ننشر حركة تنقلات رؤساء الأحياء في بورسعيد    ألفت إمام: ابتعادي عن الفن 6 سنوات كان اختياريا.. وربنا بيعوض في النهاية    صدام الأختين.. مواجهة نارية بين سينتيا خليفة وياسمين عبد العزيز في "وننسى اللي كان"    محمد سامي: الست موناليزا لمي عمر رقم 1 وإن شاء الله هيقفل كده    خسوف كلي للقمر تزامنًا مع بدر رمضان.. تعرف على المدة وكيفية أداء الصلاة    دعاء الليلة الثالثة عشر من شهر رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    أحمد موسى: ليس لدينا أزمة في أي سلعة.. ونحمد ربنا على النعم اللي إحنا فيها الأمن والأمان لا يُقدر بمال    مدرب منتخب مصر للكرة النسائية: مكاسب عديدة من مباراتي الجزائر الوديتين    تعرف على نتائج اليوم الثانى من دورة المتحدة الرمضانية    أودينيزي يشعل صراع البقاء في إيطاليا بالفوز على فيورنتينا    بعد تناول مسلسل حد أقصى للابتزاز الإلكترونى.. اعرف مخاطر الابتزاز    النيابة العامة تكثف حملات التفتيش على مراكز الإصلاح وأقسام الشرطة    نجوم دولة التلاوة يواصلون إحياء الليلة ال13 من رمضان بتلاوات ندية    رمضان.. مرآةُ النفسِ والوجدان    محافظ الوادى الجديد تعقد لقاءً جماهيريًا مع أهالى بلاط    علي كلاي الحلقة ال13.. ميادة تعرض على كلاي العودة له واللجوء للرحم البديل    الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل قائد حركة الجهاد الفلسطينية في غارة على بيروت    العراق يؤكد حظر استخدام أراضيه فى استهداف دول الجوار أو جهات خارجية    أحمد موسى يناشد مدبولي بتوضيح تأثيرات الحرب الإيرانية على المصريين: الرأي العام يتحمل أي إجراء عندما نصارحه    باحث بجامعة بني سويف يشارك في تطوير أصعب اختبارات الذكاء الاصطناعي عالميًا    كهرباء الإسماعيلية يقطع صيام ال39 يومًا بثنائية في شباك فاركو    مسلسل حد أقصى ينوه عن خطورة جرائم الابتزاز الإلكترونى    نوستالجيا ميدو عادل: " طفولتي في المسرح شكلت وعيي و ثقافتي "|فيديو    رئيس حزب الوفد يعين ثروت الخرباوي مستشارًا قانونيًا للحزب ومؤسسته الإعلامية    بدون حرمان من الحلويات في رمضان، نظام منخفض السكر لتقليل ارتفاع الأنسولين    القومي للبحوث يكشف 5 فوائد صحية للصيام    شراكة استراتيجية بين "الصحة" و"جامعة عين شمس" لدعم الاستثمار الطبي والبحث العلمي    المستشار هشام بدوي يرفع جلسة النواب، وعودة الانعقاد عقب إجازة عيد الفطر    محافظ أسوان: دخول 35 مدرسة جديدة للخدمة بالفصلين الأول والثاني الدراسي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فاروق جويدة شاعر الحب والوطن
نشر في مصر الجديدة يوم 25 - 11 - 2010

سنعرض اليوم قراءة نقدية في أشعار شاعرنا الكبير فاروق جويدة وسنبحر على أجنحة موسيقاه الشاعرة ، ومن أهم مظاهر تلك الموسيقى التنوع مابين الموسيقى الداخلية والخارجية،لأنه _ ومن خلال النصوص_ يهتم بتجاور الحروف المتماثلة منها والمتنافرة تبعاً للمعنى المقصود في النص
يقول "فاروق جويده" في قصيدته بعنوان " هذي بلادٌ لمْ تعدْ كبلادي " :-
" في كلِّ ركْنٍ من ربوعِ الوادي
تبدوأمامي صورةُ الجلاَّدِ "
ومن الواضح سيطرة الموسيقى، فلقد أختار شاعرنا بحر الكامل، وتفعيلته هي (مُتفاعلنْ)، وأختار أن يكون عنوان القصيدة شطراً منها، وهو هنا آخر شطرٍ في القصيدة، كما أنه أختار الشكل العمودي للقصيدة وليس الشكل الحر، ومن بين إختياراته كان الرويُّ حرف الدال مكسورة الحركة، وأختار كذلك ضمن موسقته لفظة " صورة " للتعبير عن الجلاد مع أنه أستخدم أداة التشبيه ( حرف الكاف ) في تصوير العنوان المُمَوْسق، وأكد رؤيته بأنها " في كل ركن من ربوع الوادي " ، ورغم أن القصيدة مُهداه إلى الذين أبتلعتهم أمواج الهجرة غير الشرعية بعدما ضاقت عليهم أرض بلدهم، تلك البلد الأم التي ترى مُجريات أمور أبنائها من خلال قميص الرؤية لدى يعقوب قبل أن يراه الأبناء ذاتهم،وفي مثل هذه القصيدة يُعلن الشاعر الرمز أنه لا ينفصل عن قضايا عصره بنفس القدر الذي يستدعي فيه التراث، ويُبصر المستقبل، وتلعب الموسيقى دورها ليس فقط في أذن السامع أو وجدانه، بل في الصورة أيضاً، فهولم يقل " هذي بلادٌ لم تعد بلادي "، وكما الشائع " أن هذا الشيء لم يعد هو"، وإنما " هذا الشيء لم يعد كهو"، وهنا موسيقى البحر جعلته يأتي بصورة أبلغ، وهذه الصورة تمنع حتى مُجرد التشبيه بما سبق وليس العودة لما سبق، ثم إن كسر الرويِّ يعبر عن الإنكسار في هذا الحدث الجلل، والذي يستثمره شاعرنا - رغم الفجيعة والإنكسار - للتذكير بالتراث العريق والتوعية بما يجب أن يكون والإستفادة من الدروس الناجمة عن التجارب والخبرات المُختزنة، ويُبرهن إيمانه بهذا التراث وعدم إهمال قواعدنا بإستخدام الشكل الُمقفَّى والعمودي في ذات الوقت للقصيدة العربية رغم الدعاوى للشكل النثري،
ولأن " فاروق جويدة" خبير باللغة وأسرار الموسيقى يختار حرف الرويَّ والحركة المؤثرة لهذا الرويِّ تبعا للموضوع والقصد المطلوب في رسالة القصيد، ويعلن شاعرنا عشقه لهذه اللغة مُتَّخذاً صوفية النص مركبةً له بين العاشق والمعشوقة، فيقول :-
إني تعلَّمْتُ الهوى وعشقْتُهُ منذ الصغرْ
وجعلتهُ حلم العُمُرْ
وكتبتُ للأزهار .. للدنيا .. إلى كل البشرْ
وهنا يأتي حرف الراء بما يحمل من تطريب وامتيازات عربية خاصة ليعلن أنه رويٌّ ساكنٌ في عالمية الكتابة التي تمس كل المخلوقات، ولم يأْتِ التسكين لمجرد الوزن الشعري في تفعيلة (متفاعلن) أوكان عشوائياً " وكتبْتُ للأزهار .. للدنيا .. إلى كل البشر"، وهنا كذلك الفعل (كتب) يأخذ بعده حرف جر "اللام" للقريب و"إلى" للبعيد، وهكذا، فإن شاعرنا كتب للأزهار وللدنيا، ثم يأتي دور كل البشر مع مراعاة الترتيب والفترة الزمنية والمجهود الواجب أن يبذله الشاعر حتى تصل رسالته بهذه الصورة، وقد تجري بين أوصال هذه السطور قول الشاعر القديم حين كان يتكلم عن نفسه شاعراً ليُبينَ قيمته وقامته حتى وصل إلى قوله " وأسْمعت كلماتي مَنْ به صممُ"، ومع إختلاف البحر هنا إذْ بينما أستخدم الشاعر القديم بحر البسيط، فلقد أستخدم " جويدة" تفعيلة الكامل
ولا ينفصل الإيقاع الشعري عند جويدة عن الإيقاعات الحياتية وهمومها وأفراحها، فيعزف بالحب، ولطالما عرفه في مواطن كثيرة ليقول لنا :-
الحب يا دنياي أن نجد الرغيف مع الصغارْ
أنْ نغرس الأحلام في أيدي النهارْ
ولعلَّهُ هنا قصد بكلمة " يا دنياي" كلمة أُخرى هي "ليلاي"، فإذا كانت "ليلى" صارتْ رمزاً عالمياً للحب – وترجع عالميتها إلى عالمية التراث العربي-، فإن الدنيا لا تكون محبوبة إلا إذا عرفنا الحب معرفةً حقيقية ومن أهل الحب أنفسهم (ليلى بأوجاعها وعشقها ومعاناتها حتى الموت) ..، وتلك المعرفة التي تعني سدَّ الجوع لدى الصغار وترسم لهم الأمل في الغد وتعتني برعايتهم حتى أننا " نغرس الأحلام في أيدي النهار"، ويا لها من صورة تربط بين الغرس واليد، وتربط بين الأحلام والوضوح، ويا له من بارع هذا المصور والاقتصادي والمربي السياسي والمُحنَّك من الشخصيات التي يتضمنها ضمير الشاعر الحقيقي ..،
وتلتقي هذه الأبيات مع سابقتها في التفعيلة والرويِّ على أن زادت هذه الأبيات بألف التأسيس، وما يحمله من المدِّ وإتاحة الفرصة للنفس الطويل، وكذلك كأن الشاعر أراد أن يُعبر بألف الإسناد هذه عن ضرورة جوهرية في الحب ..، وهي أن نستند على اللغة وهويتنا في صنع الرغيف وغرس الأحلام بأيدينا الصادقة صدق النهار الطاهر لأن هذه الأيدي لم ترتكب ما تضطر أن تخفيه
وبالإنتقال السريع إلى ما يُعرف بهاء السكت في الشعر العربي، وما يتميز به العرب من شجاعة في الحق نجد شاعرنا يستدعي صهيل "الخيل" وجسارة " النسر " لمحو الأمية التاريخية التي تتسبب في الخلط بين البكاء والصهيل وكان هذا البكاء من نصيبنا وليس من نصيب الأعداء، مما يجعل "النسر" يُحلق في سماء العلا ليضع التقويم والتقييم ويعمل كي يضع كل ما يدور مواضعه الحقيقية ..،
ولأن الشاعر ضمير الأمة وعين المستقبل، ولأن الشعراء قد يتسامحون لكنهم أبداً لا يفقدون الذاكرة
ولأن البعض قد حاول الفصل بين الشعر العمودي والشعر المُقفى، وأشتعلتْ المهاترات لتفرض النثر على الشعر تحت أيِّ مُسمى – وإن كان للعرب تراثهم النثري العريق- فقد تنبه الشاعر من خلال الأحداث أوالبوح السري لبعض الأصدقاء إلى أن محاولات فرض النثر على الشعر ليس بغرض الحرية وإنما لإلغاء هوية الشعر العربي، وتدريجياً التخلص من الهوية العربية وما لها مِن تداعيات، فقرر شاعرنا "فاروق جويدة" إعلان رفضه لهذه المحاولات – أحسبه كذلك - ومن خلال بحر المتقارب وبالشكل العمودي في الشعر العربي - والذي يظل رابطاً بين الأمس والغد، وإن ظهر النباح في كل مكان لفترةٍ موقوتة – كتب شاعرنا قصيدة " الخيول لا تعرف النباح " وأهداها إلى عبد الوهاب البياتي عند رحيله –وكان "البياتي" شاعراً عمودياً ورائداً للشعر الحر في العراق، بينما كان رائده في مصر عبد المنعم عواد يوسف وسبقهما توفيق الحكيم قبل أن يتجه بكتاباته إلى المسرح، وقد تزامن رحيل " البياتي " مع قرار عدد من المبدعين الشبان بتأسيس جمعية أدبية تحمل اسم "النسر" أملاً في النهوض من هذه الكبوة وتفاؤلاً بنسر أكتوبر في انتصاراته العربية وتوافقاً مع شعار جمهورية مصر العربية .. يقول فاروق جويدة :-
هنا كان بالأمس صوتُ الخيولِ
على كل باغٍ له جلْجلةْ
فكم أسقط الحق عرش الطغاة
وكم واجه الزيف كم زلزلهْ
فكيف انتهى المجد للباكيات
ومَنْ أخرس الحقَّ .. مَنْ ضللهْ؟
ومن قال أن البكا كالصهيل
وعدو الفوارس كالهرولةْ؟!
سلامٌ على كل نسرٍ جسورٍ
يرى في سماء العلا منزلهْ .
وأحسبُ أن الرويِّ الساكن عند فاروق جويدة ظاهرة تُستخدم عند القضايا الهامة، فهناك قصيدته التي واجه بها الردة عند سلمان رشدي،وأما الحركات لها ما تعني كل حركة ولو على سبيل الإشتقاق من اسم الحركة، فالكسر يعني الفجيعة والإنكسار، والرفع يعني الرفعة والمقام العالي، أما الفتح يعني الإنطلاقة نحو عالم الفكر والخيال ، وتختلف التفعيلات والبحور بينما تتفق هذه المعاني في التشكيل اللغوي للرويِّ، فمثلاً يقول على البحر البسيط والرويِّ المشبع بالكسر في فجيعة رحيل نزار قباني تحت عنوان " وسافر فارس العشق ":-
تبكي القلوب التي أهديتها زمناً
من الجمال ببحر الشعر والأدبِ
تبكي الحروف التي سطرتها نغماً
كانتْ ترفُّ على عينيكَ كالهدبِ
ويستمرُّ القصيد مُتدفِّقاً حتى يصل جويدة إلى قوله :-
يا درة الشام .. يا أغلى قلائدها
أبياتُ شعركَ تيجانٌ من الذهبِ
ورغم أن قصيدة " الخيول لا تعرف النباح " أهداها إلى "البياتي" عند رحيله، وكذلك قصيدة " وسافر فارس العشق" أهداها إلى "نزار" عند رحيله أيضاً إلا أننا نلاحظ أن القصيدة المُهداة إلى نزار بها حرفية لتصف الوضع الشكلي فقط الناجم عن رحيل شاعر كبير في حجم "نزار قباني"، أما في القصيدة التي أهداها إلى " البياتي" كان الجوهر مفتاحاً للقضية العربية كلها، ولم يأخذ الوصف في شخص "البياتي" أو النتيجة من رحيله حيزاً رئيسياً، ورغم توافق المناسبتين وتشابه كلاهما في الإغتراب عند موته، والتشابه أيضاً في القامة الشعرية العربية .. !
ومن ناحيةٍ أُخرى .. يأخذ الحكي في كتابات شاعرنا " فاروق جويدة" مساحةً كبيرة، فيكتب الشعر القصصي على هيئة حلمٍ عربيٍّ يتحركُ فيه الحوار واصفاً حالةٍ ما أو حدثٍ ما ومُمَوسقاً لولا التسكين في مواضع كثيرة من النص، والإحتفاء بالبديع وتحديد مجال التصوير لخدمة هدفٍ واحد هو ما تصبو إليه القصيدة، لولا هذا بالإضافة إلى غياب بعض عناصر السرد لأقتربتْ نصوص الشاعر الكبير مع "القصص الشاعرة" ذلك الجنس الأدبي الجديد، والذي يعني بالتفعيلة والدوران الشعري مع الرمزية التي تجعل محتوى النص يحمل أكثر من رؤية لاعتبار أن كل لفظ يستدعي ما وراءه من جمل وتواريخ إنسانية حياتية، ويستبدل هذا الجنس إيقاعات الرويِّ والجناس بالموسيقى الداخلية للحروف وتجاور الأحداث المتعاقبة في ألفاظ، ليكون الشكل العام قصة، والتفعيلة قصيدة، بينما الوضع الحقيقي له خصائصه التي تُميزه عن كلا الجنسين .
أقول هذا لما لأشعار فاروق جويدة من تماس حقيقي مع الدراما، وخصوصاً في المسرحيات الشعرية "العاشق " و"دماء على أستار الكعبة"، ولم تكن هذه الإنطلاقة مفاجئة، وإنما ظهرت جذورها في الشعر القصصي عند شاعرنا، ونراه واصفاً بالسرد دعاوى إحتلال العراق وعلى شكل الحكي للأطفال يقول :-
طفلٌ صغير .. ذاب عشقاً في العراقْ
كراسة بيضاء يحضنها، وبعض الفل .. بعض الشعر والأوراقْ
حصالة فيها قروشٌ .. من بقايا العيد، دمعٌ جامدٌ يُخفيه في الأحداقْ
عن صورة الأب الذي قد غاب يوماً، لم يعدْ، وانساب مثل الضوءِ في الأعماقْ
يتعانق الطفل الصغير مع الترابِ، يطولُ بينهما العناقْ
خيطٌ من الدم الغزير يسيل من فمهِ، يذوب الصوتُ في دمه المُراقْ
وهكذا يكون الشعر القصصي والذي يسير على إيقاع التفعيلة، وليس كما يدَّعي البعض أنه نثرٌ راقي،
التفعيلة هنا هي (متفاعلن) ويعرف ذلك الشعراء الحقيقيون،
وما بال الحوار والحجة في نص " رسالة إلى بوش من طفلة مسلمة"
وعلى لسان هذه الطفلة يقول :- " يا سيدي بوش العظيم / حاربْت يا مولاي يوماً في الكويتْ
وجنيتَ منها ما جنيتْ / هل شعب بوسنة لا يساوي في ضميركَ بئر زيتْ؟ " (والتفعيلة أيضاً متفاعلن) ، ويتخذ الوصف للحالة فيما يُقرأُ خلف النص أيضاً موقعه من أشعار " فاروق جويده " ولاسيما عندما يستخدم أسرار اللغة العربية وموسيقى الكلم في القضايا الجوهرية،يقول ُواصفاً في عنوان قصيدته المُتسائل والداعي متى يفيقُ النائمون؟:
شهداؤنا فوق المنابر يخطبونْ
قاموا إلى لبنان صلُّوا في كنائسهم، وزاروا المسجد الأقصى، وطافوا في رحاب القدسِ واقتحموا السجونِ في كل شبرٍ من ثرى الوطن المُكبَّلِ ينبتونْ
ويتضح من عدد التفعيلات في كلا السطرين الشاعرين السابقين أن الشعر الحر لا يعني غير المُمَوسق، وإنما الحرية تكون في عدد التفعيلات تبعاً للدفقة الشعورية،
فالسطر الأول يتكون من ثلاث تفعيلات فقط تنتهي عند قوله يخطبونْ ( النون ساكنة)، أما السطر الثاني يبدأُ من كلمة "قاموا" وينتهي عند " ينبتونْ"، والنون سكنةٌ أيضاً كرويِّ مع التفعيلة المكررة (متفاعلن)
وإذا اتجهنا لتفعيلات أخرى نجد شاعرنا يُكثر من تفعيلة البحر المتدارك (فعلن)، أو يكون الإيقاع على الخبب، أوما يعتمد فقط على تكرار السبب فقط وكذلك تكرار الوتد مع الالتزام، فهويقول عن الشهيدة "سناء المحيدلي" في قصيدته (بعض العشق يكون الموت) :-
كانت تعلم أن الموت ضريبة عشق للأوطانْ / أن الحب سيصبح يوماً أجمل وشمٍ للأكفانْ /
أن الموت سيصبح عُرساً يُنسينا كل الأحزانْ / لكن سناء اختارت كيف تموتُ ..لتبكيها كل الأشجار .. اختارت أين تموتُ لتُصبح عطراً للأزهارْ / اختارتْ أن تبقى رسماً فوق الطرقات .. على الأنهارْ .
ونلاحظ هنا تفعيلة ( فعلن المتدارك)، والرويّ في السطر الثاني والثالث عبارة عن (النون الساكنة)، أما في الرابع والخامس (الراء الساكنة أيضاً)
إن موسيقى الشعر عند فاروق جويدة لا تعتمد فقط على إختيار التفعيلةِ أوالرويِّ ، وإنما على تتابع دفقات الإيقاع والفونيمات الصوتية وتجاور الكلمات ذات الحروف المتشابهة أوالمتنافرة تبعاً للإيقاع الناجم عن طبيعة الحالة الشعورية لخدمة المعنى المراد توصيله عبر الرسالة الأصلية للنص وتلك الدفقات المتتابعة لا إرادياً بناءً على حركة الرويّ أو الوقف ، ويكثر عند أشعار " فاروق جويدة" الجناس في مكونات البيت أو السطر الشعري فضلاً عن الرويِّ الذي يتم إختياره أيضاً من خلال الوعي الشعري وما يترك أثراً مقصودا في الأذن والنفس ..، يقول شاعرنا:-
حملناكِ يا مصر بين الحنايا
وبين الضلوع وفوق الجبين
عشقناكِ صدراً دعانا بدفءٍ
وإن طال فينا زمان الحنين
سيبقى نشيدكِ .. ..
يضئ الطريق على الحائرين
سيبقى عبيركِ بيتَ الغريب
وسيف الضعيف وحلم الحزين
سيبقى شبابكِ رغم الليالي
ضياءً يشعُّ على العالمين
في الأبيات السابقة تعتمد الموسيقى على تفعيلة بحر المتقارب (فعولن) مع تسكين حرف الرويِّ ( النون )، والتسكين هنا له غرضه للتأثير على حاسة السمع بنفس القدر الذي يؤثر به اختيار حرف النون على النفس – نسبة كبيره من أشعار جويده تتخذ ال ( نون ) روياً -، ومع ذلك نجد أن هناك الموسيقى الداخلية، وقد يمثلها الجناس في (حملناكِ / عشقناكِ ) وفي ( نشيدكِ / عبيركِ )، وكذا ما يُمثِّله كسر كاف التأنيث والتخصيص لمكانة مصر وخصوصيتها التي تشعُّ " على العالمين"..،
وإذْ تتجلى الموسيقى الداخلية في الضمير العائد على مصر (حملناكِ، عشقناكِ)، يتجاور ظرفا المكان (بين، فوق)، هذا، وتتكرر بعض الكلمات في أشعار "جويده" ليس فقط للتوكيد اللفظي، وإنما لانسيابية الجرس الموسيقي، ومثل ذلك في البيتين السابقين تكرار الظرف (بين)، وفي قصيدة أخرى نجد التضاد يلعب دوره، فمثلاً يقول
كل العصافير الجريحة في بلادي .. تلعن الزمن القبيح
ماتت على الأغصان .. كم كانت تغني كل صبح هل ترى
يبكيك عصفور جريح؟ ... ودمي يسيل على ثيابي هل ترى
يبكيك إنسان ذبيح؟
التضاد في ماتت، تغني
مع تكرار الإستفهام " هل ترى يبكيك ...؟"الستم معنا فى أن فاروق جويدة شاعر الحب والوطن .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.