اليوم، انطلاق انتخابات التجديد النصفي لنقابة أطباء الأسنان باستخدام التصويت الإلكتروني    تراجع أسهم أمريكا مع ضعف آمال اتفاق أمريكي إيراني    البيت الأبيض: الجيش الأمريكي الأقوى في العالم ومجهز بأحدث الأسلحة    حظك اليوم برج الميزان.. فرص للتوازن وتحسن في العلاقات واستقرار مالي مرتقب    مبادرة عالمية توزع 100 مليون جرعة لقاح على الأطفال منذ 2023    علماء يحذرون: ChatGPT يفقد "أعصابه"    انهيار عقار بمنطقة العطارين بالإسكندرية ووصول الحماية المدنية لموقع الحادث    روسيا.. ابتكار سيراميك فائق المتانة لمقاومة الظروف القاسية    أوروبا تبحث تفعيل «بند المساعدة المتبادلة» لمواجهة ضغوط ترامب    أهمية شرب الماء لصحة الجسم ودوره في الوقاية من الجفاف وتحسين الأداء    تقنية طبية مبتكرة تسرّع تشخيص السرطان بدقة عالية    أهمية البروتين بعد سن الخمسين ومصادره الغذائية المتنوعة للحفاظ على صحة العضلات    رعدية وبرق على هذه المحافظات، الأرصاد تكشف خريطة الأمطار اليوم الجمعة    وكيل "شباب الجيزة" يشهد احتفالية عيد تحرير سيناء ونجوى يوسف تسرد بطولات الجيش على أرض الفيروز (صور)    دعاء يوم الجمعة لنفسي وأهلي وأحبتي في ساعة الاستجابة المباركة    بعد خسائر تتجاوز 40 دولار.. أسعار الذهب اليوم الجمعة في بداية التعاملات بالبورصة    طلاب تمريض دمياط الأهلية يتألقون علميًا في مؤتمر بورسعيد الدولي التاسع    المؤبد لنجار في قضية شروع بالقتل وسرقة بالإكراه    الهيئة العامة للطرق تبدأ تطوير وصيانة كوبري 6 أكتوبر على مرحلتين    فريق بمستشفى كفر الدوار ينجح في إنقاذ 3 حالات جلطة حادة بالشرايين التاجية    اليوم.. قطع المياه لمدة 8 ساعات عن بعض مناطق الهرم والعمرانية والمنيب    روبيو: تمديد وقف إطلاق النار في لبنان فرصة لتحقيق سلام دائم    حقيقة الحالة الصحية ل هاني شاكر.. الجالية المصرية في فرنسا تكشف التفاصيل    «ترامب»: مقترح صيني لحل أزمة إيران.. لكن التفاصيل سرية    ليلة من ألف ليلة وليلة.. زفاف المستشار أنس علي الغريب وداليا عزت    محافظ شمال سيناء: لدينا أكبر محطة لتحلية المياه بالعريش    الجيش الإسرائيلي ينشر فيديو لاستهداف منصة صواريخ لحزب الله    راهن على مادورو..اعتقال جندى أمريكى من القوات الخاصة بعد ربح 400 ألف دولار    «ترامب»: وجود بوتين في قمة العشرين قد يعزز الحوار العالمي    اعتراف رسمي يكشف عمق الأزمة.. "مدبولي " يقر بامتداد الأزمة بعد 13 عامًا من الإخفاق ؟    "العدلي": رابطة المرأة المصرية تمكّن سيدات الصعيد وتنمي قدراتهن بمبادرات شاملة    اتصالات النواب توصي بضرورة الإسراع في رقمنة مكاتب البريد على مستوى الجمهورية    ضربة قوية لمافيا الدعم.. ضبط 172 طن دقيق داخل مستودع بالعسيرات في سوهاج    أسماء ضحايا ومصابي حادث طريق «الإسماعيلية – السويس» بعد اشتعال سيارة.. صور    الإعلان عن موعد ومكان تشييع جنازة الدكتور ضياء العوضي    برلماني: قانون المسيحيين الجديد يعتمد الأدلة الرقمية لإثبات الزنا    مهدي سليمان يحتفل ب100 كلين شيت بعد فوز الزمالك على بيراميدز    لقب الزوجة الثانية، نرمين الفقي تكشف سبب تأخر زواجها    «فحم أبيض».. ديوان ل«عبود الجابري» في هيئة الكتاب    جاليري مصر يفتتح معرض «نبض خفي» للفنانة رانيا أبو العزم.. الأحد المقبل    احتفالا باليوم العالمي للكتاب.. انطلاق الملتقى العلمي الأول لدار الكتب والوثائق بالتعاون مع كلية دار العلوم    عمرو يوسف يحتفل بالعرض الخاص لمسلسله "الفرنساوى"    مهرجان أسوان لأفلام المرأة يناقش إنعكاس التقاليد على صورة المرأة في السينما    وليد ماهر: معتمد رجل المباراة الأول.. ونزول شيكو بانزا نقطة تحول (فيديو)    حكم دولي سابق يحسم جدل صحة هدف الزمالك أمام بيراميدز    خبر في الجول - رتوش أخيرة تفصل منتخب مصر عن مواجهة روسيا استعدادا لكأس العالم    نجم سلة الأهلي: هدفنا العبور لنهائيات بطولة ال «BAL»    رئيس الطائفة الإنجيلية يفتتح مؤتمر "الألف خادم إنجيلي" بوادي النطرون تحت عنوان: "أكمل السعي"    مصطفى بكري: المصريون عمرهم ما خذلوا دولتهم.. وعندما نصارح المواطن بالحقيقة يطمئن    أول الخيارات البديلة.. هيثم حسن يشارك في تعادل ريال أوفييدو أمام فياريال    مباريات الزمالك المتبقية في الدوري بعد تخطي بيراميدز    الزمالك يمنح لاعبيه راحة بعد الفوز على بيراميدز    جيش الاحتلال: قتلنا 3 عناصر من حزب الله بعد إطلاقهم صاروخ أرض جو    الأوقاف تختتم فعاليات المسابقة القرآنية الكبرى بمراكز إعداد محفظي القرآن الكريم    أحمد كريمة: المنتحر مسلم عاص وأمره إلى رحمة الله    خايف على أولاده من الحسد بعد استقرار حياته.. ماذا يفعل؟ أمين الفتوى يجيب    النقاب ليس فرضًا| العلماء: ضوابط فى الأماكن العامة للتحقق من هوية مرتديه    محافظ الإسكندرية يضع أكليل زهور على النصب التذكاري للشهداء بمناسبة عيد تحرير سيناء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ننشر نص كلمة شيخ الأزهر في مؤتمر مواجهة الإرهاب
نشر في مصراوي يوم 03 - 12 - 2014

عقد فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب مؤتمرا صحفيًا عالميًا اليوم الأربعاء، بمقر مشيخة الأزهر، لمواجهة الإرهاب وينشر مصراوي نص كلمة شيخ الأزهر في المؤتمر على النحو التالي:
أهلاً بحَضَراتِكم جميعًا، وبضُيوفِنا الأعزَّاءِ الذين تَكرَّمُوا بتلبيةِ الدعوةِ، وجاؤوا من بلادٍ شتَّى من أقصى الشرقِ، ومن أقصى الغربِ.. ونَشكُرُكم جميعًا، ونُرحِّبُ بحَضراتِكم في مصرَ الكنانةِ بلدِكم الثاني، وشقيقتِكم التي نَظُنُّ أنَّ لها في قلوبكم مكانةً خاصةً ومنزلةً متميزةً.. ومرحبًا بكم في الأزهرِ الشريفِ الذي يُسعِدُه لقاؤُكم، ويُفِيدُ من مُباحَثاتِكم في هذه المرحلةِ الحَرِجةِ من مَراحِلِ تاريخِ هذه الأُمَّةِ وحاضِرِها.
إنَّ هذا المؤتمرَ الجامعَ لشخصيَّاتٍ بارزةٍ مِن الشرقِ العربيِّ والإسلاميِّ، ومِن العالمِ الواسعِ الفَسِيحِ، من مُسلِمين: سُنَّة وشِيعة، ومسيحيِّين على اختلافِ طوائفِهم، ومن عقائدَ أُخرى نشَأت على أرضِ هذا الشرقِ وتَرَعرَعتْ على تُرابِه وتَربَّت على ثِمارِه وخَيْراتِه، هذا المُؤتَمرُ يأتي في وقتٍ بالغِ الدِّقَّةِ والتعقيدِ والخطَر المُطبِق على بِلادِنا وشُعوبنا وقد دهَمَها من داخِلِها وخارِجِها.. فإنَّك حيثُما قلَّبتَ النَّظَرَ في خريطةِ الشرقِ الأوسطِ فإنَّه يَرُوعُك هذا الوضعُ المَأساوي، والذي يُعييك البحثُ فيه عن سببٍ منطقيٍّ واحدٍ يُبرِّرُ هذا التدميرَ المُتعمَّدَ الذي حاقَ بالأرواحِ والدِّيارِ والإنسانِ، وراحَ يَستهدِفُ تفتيتَ أُمَّةٍ، وفناءَ حضارةٍ، وزَوالَ تاريخٍ.
وإنَّني لأُسائِلُ نفسي وزائريَّ ليلَ نهارَ عن أسبابِ هذه المِحنةِ العرَبيَّةِ، وهذه الفتنةِ العَمياءِ المَمزُوجةِ برائحةِ الدَّمِ والموتِ، والتفجيراتِ، وقطعِ رُؤوسِ البَشَرِ، والتهجيرِ بالمَلايين والتَّدميرِ للعُمران والأوطانِ في وَحشيةٍ لم يَعرِفْها التاريخُ من قَبلُ، ولَن يَعرِفَها مُستَقبَلاً لغيرِ هذه الفصائلِ الطارئةِ علينا وعلى حَضارتِنا وثقافتِنا، والتي تَجاوَزت كلَّ الحُدودِ التي رسَمَتْها الأديانُ والأخلاقُ والأعرافُ الإنسانيَّةُ، وهذه الحدودُ هي فَرقُ ما بينَ الوحشِ المُفترِسِ، وبينَ الإنسانِ العاقلِ المُفكِّرِ.
وثالثةُ الأثافي – أيُّها الإخوةُ الأفاضل – أنَّ هذه الجرائمَ البربريةَ النَّكراءَ ما لَبِثَت أن تدَثَّرت بدِثارِ هذا الدِّينِ الحَنِيفِ، وسُمِّيت الأوكارُ التي يُدبَّر فيها أمرُ هذه الجرائمِ باسمِ ''الدولة الإسلاميَّة''، أو ''دولة الخِلافة الإسلامية''، أو الدِّفاع عن المذهبِ، في مُحاولةٍ لتصديرِ صُورةٍ لإسلامِهم المَغشوشِ بحُسبانِه دينًا جاءَ للناسِ بالذبحِ وقطعِ رأسِ كلِّ مَن يُخالِفُه أو تهجيرِه من دِياره.. وهذه الصورةُ الكَرِيهةُ لدِيننا الحنيفِ أمرٌ طالَما تَمنَّاه أعداءُ الإسلامِ وانتَظَرُوه، بل طالَما دَندَنُوا حولَه ونسَجُوا – من أجلِه -أفانينَ من الأباطيلِ والمُفتَريات والأكاذيبِ، ولعلَّهم اليومَ يُواجِهوننا بهذه الصورةِ الشَّوهاء، ويَبهَتُوننا بها عَبْرَ الشاشاتِ الفضائيَّةِ ليَتِمَّ لهم ما يُريدونَه من تحذيرِ شُعوبِ العالمِ من هذا الدِّينِ الدَّمويِّ المُتوحِّشِ.
والباحثُ في أسبابِ ظُهورِ هذه التنظيماتِ المُسلَّحةِ، وتمَدُّدِها السريعِ في الدولِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ، تُطالِعُه تفسيراتٌ شَتَّى، منها: الدِّينيُّ، ومنها الاقتصاديُّ، ومنها الحضاريُّ، ومنها السياسيُّ، ومنها غيرُ ذلك ممَّا سوف يَتَّسِعُ له البحثُ في مُؤتمرِكم هذا، لكنَّني أودُّ الإشارةَ إلى سببٍ آخَر يَستَحِقُّ أن نتَأمَّلَه قليلًا وهو السببُ الذي يَرى أنَّ ما نُعانِيه إنْ هو إلَّا مُؤامرةٌ من مُؤامراتِ الأعداِء على الشرقِ العربيِّ، لصالحِ دولةِ إسرائيلَ ومَصالِحِها، وبقائِها الدولةَ الأقوى والأغنى في المنطقة، ونحن لا نستَبعِدُ ذلك؛ لأنَّ دولةَ العراقِ قد غُزِيت عام 2003م تحتَ أسبابٍ مُلفَّقةٍ، وعِلَلٍ وأكاذيبَ، فضَحَتْها الصحافةُ الدوليَّةُ، واعتَرفت بتَلفيقِها كُبرَياتُ النُّظُمِ السياسيَّةِ العالميَّةِ، وكان أوَّلُ ما حاكَه الغُزاةُ في العراقِ من خُيوطِ المُؤامَرةِ أن قاموا بتسريحِ الجيشِ العراقيِّ الذي كان من أقوى الجيوشِ العربيَّة في ذلكم الوقتِ، وتسريحِ ضُبَّاطِه وجنودِه، ثم تَركِ أسلحتِه نَهبًا لفصائلَ وميلشياتٍ يَعلَمُ الغُزاةُ جيِّدًا أنها ميلشياتٌ مُتَناحِرةٌ: مذهبًا وعقيدةً ووَلاءً، فماذا كانت النتيجةُ بعدَ إحدى عشرةَ سنةً من اجتياحِ العراقِ؟ لقد دخَل العراقُ في دوَّامةِ الاقتِتالِ، وظلَّ يسبحُ في بُحورٍ من دماء، لا تُبصَرُ شُطآنُها، ولم يخرُج منها العراقُ حتى يومِ الناسِ هذا. والشيءُ نفسُه يُقال على سوريا، وعلى اليمن، وعلى ليبيا.. حيث تَلعَبُ المُؤامرةُ على الوتَرِ نفسِه، وهو التوتُّرُ المذهبيُّ والعِرقيُّ والطائفيُّ مع إمدادِ المُتوتِّرين بالسِّلاحِ لتَندَلِعَ الحرائقُ، ويَحصدُ الموتُ أرواحَ الآلافِ من شبابِ هذه الأُمَّةِ.. واللهُ وحدَه الذي يعلمُ متى تصمُتُ آلةُ الحربِ في هذه الدولِ المَنكوبةِ، ومتى يُقدَّرُ لهذه البلادِ أن يكونَ قَرارُها من رأسِها لا بضغوطٍ ولا تدخُّلاتٍ إقليميَّةٍ أو دوليَّةٍ.
ومِن المُؤكَّد لدَيْنا أنَّ أصحابَ هذه الخططِ يَجنُونَ ثِمارًا هائلةً مِن وراءِ اقتتالِ العربِ والمُسلِمينَ فيما بينهم.. فهذا الاقتتالُ الدائمُ يُبقِي العربَ والمُسلِمين في حالةِ هُزالٍ وضَعفٍ ويأسٍ مُستمرٍّ، ولا يسمحُ لهم بأيِّ شكلٍ من أشكالِ القُوَّةِ والتطوُّرِ والتقدُّمِ، ثم هو حربٌ بالوكالةِ لا يَخسَرُ المُوقِدون للحروبِ فيها خسائرَ تُذكَر، سواءٌ في الأرواحِ أو العَتادِ. ثم إنَّ هذا الاقتتالَ العربيَّ العربيَّ يَفتَحُ أسواقًا كُبرى لمصانعِ السلاحِ وتُجَّارِ الحروبِ وسَماسِرةِ الموتِ والخَرابِ.. ويَكفِي دليلًا على ذلك أنَّ المسرحَ السوريَّ -بات على مَدَى سنواتٍ – ساحةً مفتوحةً لحربٍ يَصطَرِعُ فيها السلاحُ من الغربِ ومن الشرقِ علَى حَدٍّ سَواء.
ولكَم أتمنى -والأمانيُّ حيلةُ المَغلوبِ-على مصانعِ الأسلحةِ أن تَبحَثَ لها عن صحراءَ أو بيداءَ لتُجرِّبَ فيها أسلحتَها وتختَبِرَ قوَّتَها وطاقتَها بدلاً من صُدور العرَبِ ودِيارِهم ومُنشآتِهم.
إنَّ نظريَّةَ المُؤامَرةِ ليست هي كلَّ ما هنالك، فهناك سَببٌ أعمَقُ يَذهبُ بَعيدًا في أطواءِ تاريخِنا العربيِّ والإسلاميِّ، ويَكادُ يَكونُ مَنهجًا ثابتاً في علاقاتِنا الداخليَّةِ، ذلكم هو مَنهجُ الفِرقةِ والتنازُعِ والاختلافِ، ولا أُريدُ أن أتوَقَّفَ قليلاً ولا كثيرًا عند هذه الآفةِ التي حذَّرَنا القُرآنُ الكريمُ من مَغبَّتِها المُهلِكةِ، وذلك في قولِه تعالى: ''وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ'' {الأنفال/46}... ولكن أُشِيرُ فقط إلى أنَّ أمَّتنا رغمَ ما خَصَّنا اللهُ به من بينِ سائرِ الأُمَمِ بمُقوِّماتِ الوحدةِ والاتِّحادِ، من لغةٍ وجنسٍ وعِرقٍ ودِينٍ وتاريخٍ وجُغرافيا أيضًا، وبرغم جامعتِنا العربيَّةِ ومُنظَّمةِ التعاوُنِ الإسلاميِّ، وقد مضى على إنشائِهما أكثرُ من نصف قرنٍ، فلا نزالُ نفتقرُ إلى اتِّحادٍ يُشبه الاتحادَ الأوربيَّ، وهو أمرٌ مُمكِن، وليس من عِدادِ المُستَحِيلاتِ، ولا يَحتاجُ إلَّا إلى صِدقِ النَّوايا والنَّظرةِ البَعِيدةِ واستِبعادِ الخِلافاتِ البَيْنيَّةِ، والعربُ لا شَكَّ مُؤهَّلون، بل قادِرون على صُنع هذا الاتِّحادِ إن أرادوا. وبهذه المُناسبةِ فإنَّ الأزهرَ الشريفَ يُقدِّرُ حَقَّ التقديرِ جُهودَ خادمِ الحَرَمَيْنِ الشريفينِ في سعيِه الدَّؤُوبِ لجَمعِ الشَّملِ العربيِّ في مُواجهةِ التحدِّياتِ والأخطاِر التي تُحدِقُ بالأُمَّةِ.
على أنَّنا لا ينبغي أن نَغُضَّ الطرفَ عن أفكارِ الغُلوِّ والتَّطرُّفِ التي تسَرَّبت إلى عُقولِ بعضٍ من شَبابِنا ودفعت بهم دَفعًا إلى تَبنِّي الفكرِ التكفيريِّ واعتِناقِ التفسيراتِ المُتطرِّفةِ والعَنِيفةِ مثل تَنظيمِ القاعدةِ والحركاتِ المُسلَّحةِ، التي خرَجت من عَباءتِها وتَعمَلُ ليلَ نهارَ على مُهاجمةِ الأوطان وزَعزعةِ الاستقرارِ، وقد ظهَر مُؤخَّرًا على الساحةِ تنظيمُ داعش الذي نادَى بالخلافةِ الإسلاميَّةِ، وقبلَه وبعدَه ميليشيات طائفيَّة أخرى قاتلة، تملكُ قوَّةً دِعائيَّةً هائلةً، عادت – للأسَف– بأسوأ العَواقِبِ على الإسلامِ والمُسلِمين في العالمِ كُلِّه.
وليست داعش هي الفصيلَ المُسلَّحَ الوحيدَ على الساحةِ، بل هناك ميليشيات أخرى طائفيَّة تَذبحُ وتُهجِّرُ قَسرًا في العِراقِ وسوريا واليمن، وهناك طوائفُ مَذهبيَّةٌ تُحاوِلُ جرَّ الأوطانِ إلى ولاءاتٍ إقليميَّةٍ خارجيَّةٍ باسم الديموقراطيَّة وحُقوقِ الإنسان، كما يَحدُث في البحرين مثلًا، ولهم شيوخٌ ومُفتون يُحلِّلُون لهم هذه الجَرائم، ويَدفَعُونهم دفعًا إلى اقتِرافِها. وفي الفَمِ ماءٌ كثيرٌ يَحُولُ دون الاسترسالِ في الحديثِ عن هذه المَأساة اللاإنسانيَّة؛ حِرصًا على وحدةِ المسلمين التي هي الهدفُ الأسمى للأزهرِ الشريفِ منذُ قامت مُؤسَّسته وانتشَرت دعوتُها في الآفاقِ على مدى أكثرَ من ألفِ عام.
والذي يجمعُ هؤلاء جميعًا قاسمٌ مُشتَرَك يَتمسَّكون به، يَحكُم كلَّ جَرائِمهم هو: تكفيرُ المسلمين بالذنبِ ثم استحلال دِمائِهم بعدَ ذلك، وهو يُعيد إلى الأذهانِ مذاهبَ قديمةً طَواها التاريخُ، قتَلت المسلمين بعدَ أن رمَتْهم بالكُفرِ والخُروج من الإسلامِ استنادًا إلى فَهمٍ خاطئٍ ومُنحرِفٍ لنصوصِ الكتاب والسُّنَّة.. وهؤلاء الغُلاةُ الجُدُد ينطَلِقون من هذا المُعتقَدِ نفسِه، بعد تحريفِهم مفهوم ''الكفر'' والانحرافِ به عن مَعناه الصحيحِ الذي حدَّدَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في حديثِ جبريل - عليه السلامُ - وسارَ عليه المسلمون، وهو عدمُ تكفيرِ المسلمِ بالذنوبِ حتى لو كانت من الكبائرِ، ما لم يستَحِلَّها، وإنما الكفرُ هو إنكارُ القلبِ وجحدُه وخلوُّه من التصديقِ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورُسلِه واليومِ الآخِر... والقدرِ: خيرِه وشرِّه، أمَّا مَن آمَن بكلِّ ذلك وصَدَّق به فهو مُؤمنٌ وليسَ بكافرٍ.
ولقد حُرِّفَ مفهومُ الجهادِ عند هذه التنظيماتِ المُسلَّحةِ المُتطرِّفةِ والطائفيَّةِ، وراحوا يَقتُلون مَن يشاؤون زعمًا منهم بأنَّه جهاد، وأنهم إن قُتِلوا فهم شُهَداءُ في الجنةِ... وهذا من أشنَعِ الأخطاءِ في فهم شريعةِ الإسلامِ؛ فأولاً: لم يُشرَع الجهادُ في الإسلامِ إلا للدِّفاعِ عن النفسِ والدِّينِ والوطَنِ، ونحن نحفظُ عن شُيوخِنا في الأزهر: أنَّ علةَ القتالِ العدوانُ لا الكُفرُ.. وثانيًا: إعلانُ الجهادِ ومُباشرتُه لا يجوزُ أن يتَولَّاه أحدٌ إلا وليّ الأمرِ، ولا يَجوزُ لأفرادٍ أو جماعاتٍ أن تتَولَّى هذا الأمرَ بمُفردِها مهما كانت الأحوالُ والظروفُ، وإلَّا كانت النتيجةُ دخولَ المجتمعِ في مضطربِ الفوضى وهدرِ الدماء وهَتكِ الأعراضِ واستحلالِ الأموالِ، وهو ما نُعانِيه اليومَ من جَرَّاءِ هذا الفهمِ الخاطئِ المَغلُوطِ لهذه الأحكامِ الشرعيَّةِ.
ومن هنا فإنَّ الاعتداءَ على النفسِ الإنسانيَّةِ أيًّا كانت دِيانتُها أو اعتقادُها، أمرٌ يُحرِّمُه الإسلامُ ويَرفُضه. وكيف وقد انفَتَح الإسلامُ على أبناءِ الأديانِ الأخرى، ولدرَجةِ الاختلاطِ بالزواجِ والعيشِ المُشترَكِ في بيتٍ واحدٍ، وتحت سَقفٍ واحدٍ. وفي هذا إقرارٌ من الإسلامِ بالعيشِ الواحدِ والتداخُلِ الأُسري. نحن نقولُ بالمُواطَنة الكامِلةِ، والعيشِ الواحدِ في الأوطانِ.
ومن هنا فإنَّ الاعتداءَ أو التهجيرَ القَسريَّ أو التمييزَ، هي أمورٌ تتَنافَى وصحيحَ الدِّينِ، وإجماعَ المُسلِمين.
أمَّا الفهمُ الخاطئُ لموضوعِ الخِلافة، أو الإمامةِ عند المسلمين، فمن المُقرِّر عند علماء أصول الدِّين أنَّ الإمامةَ من مَسائلِ الفُروعِ وليست من مَسائلِ الأصولِ، ومن هنا احتَملت الرأيَ والرأيَ الآخَر، وأصغَرُ طالبٍ في كُليَّةِ أصولِ الدِّينِ في جامعةِ الأزهرِ يَحفَظُ من كتاب شرح المواقف المُقرَّر في علمِ العقيدةِ وهو أحدُ أعمدةِ كتبِ المذهب الأشعري، يقولُ فيه المؤلفُ: الإمامة ''ليست من أصول الدِّياناتِ والعقائدِ عندنا، بل هي عندنا من الفُروع''([1]).
وكذلك كتاب شرح المقاصد المُقرَّر أيضًا في علمِ العقيدةِ يقول فيه السعد التفتازاني: (من أئمَّة أهل السُّنَّةِ والجماعة): ''لا نزاعَ في أنَّ مباحثَ الإمامةِ بعلمِ الفُروع أليَقُ''، وهذا الحُكم ثابتٌ ومُقرَّرٌ في كلِّ كتبِ عقائدِ أهلِ السُّنَّةِ، فكيف صارت هذه المسألةُ التي ليست من أُصولِ الدِّينِ عند أهل السُّنَّةِ والجماعةِ فاصِلاً عند هذا الشبابِ بين الكُفرِ والإيمانِ، وفتنةً سُفِكت فيها الدماءُ، وخُرِّبَ العمرانُ، وشُوِّهت بها صورةُ هذا الدِّين الحنيف ؟!
ويَطولُ بنا المقامُ لو رُحتُ أُعدِّدُ المفاهيمَ الشرعيَّةَ التي تَحكَّمت فيها أَمزِجةُ هذه الجماعاتِ وأخرَجَتْها عن سِياقاتِها الصحيحةِ، وراحت تُبرِّرُ بها إراقةَ الدماءِ.. ولكن أتركُ لعلماءِ هذا المؤتمرِ مُهمَّةَ تصحيحِ هذه المفاهيمِ وإعادتِها إلى وضعِها الصحيحِ في تُراثِنا المَنقُولِ والمَعقُولِ.. ثم إذاعتِها في البيانِ الخِتاميِّ على العالم كُلِّه؛ إعذارًا للحقِّ، وإبراءً للذمَّة.
أيها الإخوة وأيها الأصدقاء الأفاضل:
نحن في أشدِّ الحاجةِ إلى أن يَتَّجِهَ جهدُ شَبابِنا لتحقيقِ التَّقدُّمِ العلميِّ والتِّقنيِّ والحضاريِّ؛ حتى نَلحَقَ برَكبِ الأُمَمِ التي سبَقتنا إلى قيادةِ العالمِ والتأثيرِ في مصائرِ الإنسانيَّةِ، وتوجيهِ مسيرتِها وتحديدِ وجهتِها، وإنَّ هذه المسيرةَ لفي أشدِّ الحاجةِ إلى الانضِباطِ بضَوابطِ الدِّين والأخلاقِ ونورِ الوحيِ وهَديِ السماء، وحتى تَخِفَّ عذاباتُ الناسِ وآلامِهم التي سبَّبَتها السياساتُ العالميَّةُ التي تعملُ في غيبةٍ عن قيمِ الأنبياءِ والمُرسَلين، والذين ما بعَثَهم اللهُ إلا لهِدايةِ الإنسان وإسعادِه في الدُّنيا والآخِرة.
أيها الإخوة:
إنَّ الأزهرَ الشريفَ بذَل – ولا يزالُ يبذلُ – جُهدًا مُتواصِلًا في سبيلِ صِياغةِ خِطابٍ دِينيٍّ واعٍ رشيدٍ يتَأسَّسُ بُنيانُه على القُرآن الكريمِ والسُّنَّةِ النبويَّةِ الشريفةِ والاجتهاداتِ التي تلقَّتها الأُمَّةُ بالقبولِ.
هذا.. وأتوجَّهُ للمُسلِمين كافَّةً طالباً منهم أن يَثِقوا ثقةً مُطلَقةً في أزهرِهم الشريفِ جامعًا وجامعةً، فهو الأمينُ على تلقينِكم أمورَ دِينِكم: عقيدةً وشريعةً خالصةً كما أرادَها الله وبلَّغَها رسولُه الكريمُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وبعيدةً عن تحريفِ الغالين وانتحالِ المُبطِلين وتأويلِ الجاهِلين.
وأخيرًا، ونحن نتَصدَّى للإرهابِ والغُلوِّ والتطرُّفِ، فإنَّ هذه التَّحدِّيات التي تَشغَلُنا ليلَ نهارَ لا يُمكن أن تَأخُذَنا بعيدًا عن قضيَّةِ العرَبِ والمسلمين الأولى، وهي قضيَّةُ المسجدِ الأقصى أُولَى القِبلتين وثالثِ الحرمين.. والقضيَّةُ الفلسطينيَّةُ التي لا سلامَ للعالمِ إلا بحلِّ مُشكلتِها حلًّا جذريًّا وعادلًا.
وقد عزَم الأزهرُ الشريفُ على تخصيصِ مُؤتمرِه الخامس عشر والذي سيُعقَد قريبًا -إن شاء الله -لنُصرة الأقصى والقضيَّةِ الفلسطينيَّة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.