قفزة في أسعار الذهب بعد تراجع النفط عقب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران    برلماني: تحرك الحكومة لإرجاء بعض المشروعات يؤكد حرصها على تحقيق التوازن بين مسيرة التنمية والحفاظ على الموارد    هيئة بحرية بريطانية: جميع أفراد الطاقم بخير عقب الهجوم البحري    متخففوش.. تنبيه هام من الأرصاد بشأن طقس اليوم الأربعاء    نجوم الفن يختتمون حفلهم على هامش مهرجان سينما المرأة بالرقص على "إيه اليوم الحلو دا" (فيديو)    سهلة التحضير ومن مطبخك، طريقة عمل أكلات تساعد على الاسترخاء وتقلل التوتر    إصابة 14 شخصًا في انقلاب سيارة ميكروباص بقنا    تكريم منى ربيع وحسن جاد في النسخة ال 12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    أسعار الخضراوات واللحوم والدواجن.. الأربعاء 22 أبريل    موعد اعتماد جدول امتحانات الدبلومات الفنية 2026    بين الحذر من إعادة إشعال فتيل الأعمال العسكرية وإطالة صراع لا يحظى بشعبية في أمريكا.. كواليس الساعات الأخيرة قبل تمديد وقف إطلاق النار مع طهران    محافظ الأقصر يشهد احتفالية تجهيز 50 عروسًا من الأيتام ويعقد مؤتمرًا شعبيًا للاستماع لمطالب أهالي القبلي قامولا    30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الأربعاء 22 آبريل    «ترامب»: لا اتفاق مع إيران إذا فُتح مضيق هرمز    ماكرون يلوح بمراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل    محمد علي السيد يكتب: ناصر وإسرائيل.. حرب بالعسكرية والصحافة    مجلس الوزراء السعودي: الموافقة على مذكرة تفاهم مع مصر للتعاون في مجال الطرق    "الصيادلة" تلزم خريجي الجامعات الخاصة والأجنبية برسوم قيد تصل إلى 23 ألف جنيه    شروط إيران للجوء لطاولة المفاوضات مع أمريكا    إبراهيم عادل: الأهلي تفاوض معي في يناير عن طريق النني    ضبط 231 مخالفة متنوعة بمدن ومراكز الدقهلية في 3 أيام    قصور الثقافة: تسجيلات صوتية نادرة لحليم وفريد الأطرش بمركز الطفل للحضارة الأحد المقبل    واشنطن تفرض عقوبات على شبكة تزود إيران ببرامج الصواريخ والطائرات المسيرة    .. إجراءات حاسمة من محافظ سوهاج لفرض الانضباط داخل المستشفيات    محمود بسيوني حكما لمباراة المصري وإنبي في الدوري    إبراهيم عادل: أبو تريكة مثلي الأعلى منذ الطفولة.. وأسرتي سر رحلتي    نابولي يطالب لوكاكو بالبحث عن فريق جديد    بيتيس يصالح جماهيره بفوز ثمين في معقل جيرونا بالدوري الإسباني    القرار في الدرج، والد زيزو يهاجم اتحاد الكرة بعد تأخر إعلان الحكم في أزمة نجله مع الزمالك    احتفالية نادي السعادة لكبار السن بتكريم الأمهات المثاليات من أعضاء النادي بالدقهلية    شركات تفقد أفضل عقولها... وأخرى تجذبهم دون إعلان: أين يكمن الفرق؟    محافظ الغربية يواصل متابعته اليومية لانتظام حملات النظافة وتطبيق مواعيد غلق المحال    في نقاط، وزارة العدل تسرد منظومة تعليق الخدمات للممتنعين عن سداد النفقة (إنفوجراف)    السيطرة على حريق ضخم داخل مصنع أثاث بقرية شطا في دمياط    الهند: مقتل رجل في انفجار بمحل للخردة في شمالي الهند    ضبط شخص لاتهامه بالتحرش بفتاة فى مصر القديمة    ضبط المتهم بالتعدى على سائق فى حلوان    سوريا تدين مخططا إرهابيا كان يستهدف أمن الإمارات    شهباز شريف: سنواصل جهودنا للتوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران    وزير التعليم العالي يهنئ أشرف حاتم لفوزه بعضوية لجنة الصحة بالاتحاد البرلماني الدولي    عنكبوت في القلب لمحمد أبو زيد.. حينما يتمرد الشاعر على سياق الرواية    بحضور شخصيات عامة.. الفنانة التشكيلية نازلي مدكور تفتتح معرضها الاستعادي أنشودة الأرض    طلاق إيسو وويسو في الحلقة 9 من مسلسل اللعبة    تطورات إيجابية في حالة هاني شاكر.. تقليل الاعتماد على أجهزة التنفس داخل مستشفى بفرنسا    محامي هاني شاكر يطالب بالدعاء ويحذر من الشائعات حول حالته الصحية    إنتر ميلان يقلب تأخره إلى فوز ويخطف بطاقة التأهل إلى نهائي كأس إيطاليا من كومو    تعرف على تفاصيل جلسة وزير الرياضة مع لجنة الشباب بمجلس النواب    الصحة: حريصون على توفير أحدث أنواع بروتوكولات العلاج العالمية داخل مصر    نجاح جراحة نادرة بمستشفى الزهراء الجامعي، علاج "متلازمة برادر ويلي" بالمنظار    أسرة الشاب أحمد في البحيرة: مصاب ب كانسر ويحتاج حقن مناعية ب ميلون ونص سنويًا    إخوتي يؤذونني فهل يجوز قطع صلة الرحم بهم؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    فرص عمل جديدة برواتب تصل ل11 ألف جنيه في القطاع السياحي بشرم الشيخ    نسي رمي الجمرات لنفسه وزوجته.. ماذا عليه؟    سمير صبري: مثول مدبولي أمام البرلمان خطوة مشرفة تؤكد احترام الحكومة للمؤسسات الدستورية    أمين الفتوى: الدجل والشعوذة حرام شرعا وتصديقها خطر (فيديو)    رئيس جامعة كفر الشيخ يفتتح المعارض السنويه لكلية التربية النوعية    أنغام: بحق اسمك الشافي يارب تشفي حبيبي وأستاذي هاني شاكر    مياه سوهاج تكرم حفظة القرآن الكريم والأمهات المثاليات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حين يصبح الفن حرية

حين يصبح‮ ‬الفن حرية موضوع‮ ‬معرض محترم جدً‮ ‬وتوثيقي لمرحلة بالغة الأهمية في الفن المصري والعربي،‮ ‬فهو من ناحية معرض يضم أعمالا معروفة للمهتمين بالفن في مصر خصوصاً‮ ‬تم انتاجها منذ اربعينيات القرن الماضي لفنانين مصريين ومتمصرين،‮ ‬سرياليين وغير سرياليين ولكنهم تضامنوا بحرارة مع مؤسسي السريالية المصرية الشاعر الفرانكفوني فؤاد حنين والفنانين‮ ‬رمسيس يونان‮ (‬1913‮ - ‬1966‮) ‬وفؤاد كامل‮ ( ‬1919‮ ‬‮ ‬1973‮ ) ‬وكامل التلمساني‮ (‬1915‮ - ‬1972‮) ‬ومعهم إبراهيم مسعودة وعدد من الأجانب المقيمين في مصر هربا من أهوال الحربين الاولي والثانية‮.‬
كانت حركة السريالية في مصر وليدة عوامل جوهرية من بينها الروح الكوزموبوليتانية التي حققها تجمعات لفنانين وأدباء وشعراء ومفكرين وسياسيين اوربيين لجأوا إلي مصر واستوطنوها خاصة في القاهرة والاسكندرية،‮ ‬وكان من بينهم من يتمتعون بالموهبة والتوهج والعمق أو المكانة الدولية،‮ ‬فتعامل معهم المصريون المتحدثون بالفرنسية والإنجليزية،‮ ‬وأصبحوا وسطاء بين أولئك الأجانب وزملائهم الأقل كفاءة في تلك اللغات‮.‬
وكان العامل الثاني هو انتشار النزعة‮ "‬التروتسكية‮" ‬التي تمثل الجناح الثقافي والإنساني للشيوعية في مقابلة مع الستالينية،‮ ‬الجناح العسكري والديكتاتوري لها‮.‬
وكانت التروتسكية ذات جاذبية في الدوائر الفنية والثقافية في أوروبا وأمريكا اللاتينية ومصر‮. ‬وقد تربت عليها نزعة أممية تصور الإنسان الكوني‮ (‬الأممي‮) ‬وليس ابن وطن ما‮. ‬وتنحي ملامح البيئة والتراث الإقليمي لصالح إستخدام رموز عالمية‮. ‬ولكن تلك الأممية ليست أممية حقاً،‮ ‬وليست موضوعية فصورة الإنسان في تلك اللوحات لاتحتوي أية ملامح للعنصر الأسود أو الأصفر من الأجناس،‮ ‬وإنما يعتمد بصورة كلية علي العنصر الأبيض،‮ ‬ومن ثم فهي من هذه الزاوية أقرب إلي العولمة المعاصرة التي لاتنتمي للعالم‮ (‬كعولمة‮) ‬ولكنها تتبني بقدر كبير من العنصرية وإزاحة العديد من العوالم،‮ ‬والتكريس للعالم الغربي‮- ‬الأمريكي خاصة‮ - ‬في جهود حثيثة لفرض هذا النموذج علي كل العالم‮.‬
غير أن السرياليين المصريين كانوا وطنيين بامتياز،‮ ‬وتبنوا حقوق البسطاء وهاجموا بضراوة الاقطاع والاحتلال‮. ‬وفي سيرة بعضهم علامات مضيئة علي ذلك،‮ ‬فقد احتج سرياليو مصر علي مبادرة السريالية الأوروبية جمع تبرعات لصالح إسرائيل،‮ ‬وانسحبوا من تكتلهم تعبيرا عن هذا الاعتراض‮.‬
وتعرض رمسيس يونان الذي سجن في مصر في نهاية الخمسينيات لميوله الشيوعية وكتاباته النقدية،‮ ‬ثم سافر بعد خروجه مع زوجته وبناته إلي فرنسا حيث عمل في إذاعتها بباريس وعندما قامت حرب‮ ‬1956‮- ‬العدوان الثلاثي‮- ‬كلف يونان بقراءة بيان مهين يهاجم مصر،‮ ‬فرفض قراءته وكان جزاؤه الفصل من الإذاعة والطرد من فرنسا‮.‬
ولكن المفارقة كانت تكمن في أن السرياليين ذوي الثقافة الأوروبية والمصرية الرفيعة كانوا يدافعون عن سواد الشعب ضد أصحاب النفوذ والثروة من المصريين الاقطاعيين،‮ ‬والمحتل البريطاني بينما كانت كتاباتهم الملتهبة بالفرنسية التي لايقرأها من يدافعون عنهم وكانت رسومهم‮ ‬غربية الطابع‮ ‬غرائبية العناصر والتكوينات ولاتمت لثقافة وبيئة هؤلاء الذين يتبنون الدفاع عنهم‮.‬
غير أن للسريالية أدوارا بالغة الأهمية في الثقافة والفن في مصر فقد كانوا أول من يجهر برفض وازدراء الأكاديمية الجامدة ومقولاتها الجوفاء‮. ‬وفتحوا آفاقاً‮ ‬حقة للحداثة التي تبنت السريالية كطراز ومنهج تفكير‮. ‬ولكنهم بذلك قد بشروا بتجليات الحداثة من التكعيبية الي التجريدية والرمزية والتجريدية التعبيرية‮. ‬لأول مرة في مصر‮. ‬كما نشط السرياليون في تبني شباب الفنانين وأشركوهم فعالياتهم ومعارضهم مما ساهم في تقديم طليعة الفن وقياداته،‮ ‬المستقبلية‮. ‬في الوقت الذي جذبوا فيه فنانين كبارا وشبابا من أمثال محمود سعيد وسعد الخادم وحمدي خميس وأبوخليل لطفي وحامد ندا وسمير رافع وإنجي أفلاطون،‮ ‬إلي التضامن معهم وعرض أعمالهم في معارضهم‮.‬
كانت سنوات الحرب الثانية‮ ‬1939‮ - ‬1945،‮ ‬عاصفة ليس في أوروبا التي عانت ويلاتها فحسب‮. ‬بل عمت العالم‮ ‬بأسره،‮ ‬بارتباطاته المتشابكة ومصالحه المتداخلة،‮ ‬وأطماع المستعمرين ومآربهم،‮ ‬ومن الطبيعي أن الإبداع والتعبير الفني الطليعي يواجه مواقف متأزمة من الفاشية والنازية،‮ ‬فحاصرت ومنعت وطردت وحبست كل من أتبع طريقاً‮ ‬مخالفاً‮ ‬للتيار الإيديولوجي المهيمن،‮ ‬اضطر طلائع الفنانين إلي الفرار من مواطنهم في قلب أوروبا،‮ ‬متنقلين بين الأقطار المحايدة وبعيداً‮ ‬عن المدن والمراكز الحضارية،‮ ‬بينما هاجر العديد من أفضلهم إلي أمريكا‮.‬
أسسها الشاعر جورج حنين مع فريق من الفنانين الطليعيين المصريين والأجانب المقيمين في مصر،‮ ‬لإعلان موقفهم من الفاشية والنازية ضد الفن والفنانين،‮ ‬حين حطموا أعمالهم وطاردوهم عبر أوروبا وأطلقوا علي فنهم صفة‮ (‬الفن المنحط‮) ‬تضامناً‮ ‬مع الشاعر‮ (‬أندريه بريتون‮) ‬وبيانه الذي وقع عليه الفنان المكسيكي‮ (‬ديجوريفيرا‮) ‬بعنوان‮ (‬من أجل فن مستقل‮).‬
وقع الفنانون فؤاد كامل ورمسيس يونان وكامل التلمساني مع مجموعة من الفنانين والمثقفين المصريين والأجانب المقيمين في مصر علي بيان أعده الشاعر جورج حنين بعنوان‮ (‬يحيا الفن المنحط‮) ‬ونشره في مجلة الفن الحر في‮ ‬22‮ ‬ديسمبر‮ ‬1938‮ .‬
كان لانتشار فنانين وأدباء وشعراء ونقاد أجانب في مصر في تلك الآونة دور كبير في بعث جو من التحرر وانتشار الفكر الاشتراكي،‮ ‬وكان جورج حنين بثقافته الفرنسية الرفيعة همزة الوصل بين أولئك الأجانب المتمصرين وبين الفنانين المصريين‮.‬
وفي‮ ‬6‮ ‬يناير‮ ‬1939‮ ‬كونت هذه المجموعة جماعة الفن والحرية في مصر بشارع المدابغ‮- (‬شريف حالياً‮)- ‬للدفاع عن حرية الفن والثقافة والنشر،‮ ‬وأصدروا مجلة الخبز وكتاب‮ (‬الدفاع عن الثقافة‮).‬
1940‮ ‬أقاموا المعرض الأول للجماعة شارع فيه معهم محمود سعيد‮ -‬صادق محمد‮- ‬ماريا هاسيا‮- ‬عايدة شحاتة‮ -‬أيمي نمر ايزاك ليفي‮- ‬انجلو دي رينر‮- ‬بابا جورج‮- ‬موسكا تيلي‮- ‬جوسلزنجر‮ - ‬سيسيل بالدوك‮- ‬لويس جوليان‮- ‬ناجلو فسكا‮- ‬ماجي اكزيزا وعرض معهم فيما بعد حمدي خميس وأبوخليل لطفي وسعد الخادم وحامد ندا في معارضهم السنوية حتي عام1945م‮.‬
اتصلت هذه الجماعة بالحركة السريالية‮ ‬العالمية وزعيمها الشاعر أندريه بريتون في فرنسا،‮ ‬وما لبثت أن كونت‮ (‬جماعة الفن والحرية‮)‬،‮ ‬ثم‮ (‬جماعة جانح الرمال‮)‬،‮ ‬حيث واجهت مقاومة واضطهاداً‮ ‬من أصحاب الرأي الفاعل والنفوذ القوي في الحركة الثقافية،‮ ‬ومن ذوي الميول المحافظة،‮ ‬ولكنهم أثروا الاعتصام بالعناد والجسارة التي وصلت إلي ما نظر إليه آنذاك بالمواجهة الوقحة،‮ ‬ثاروا علي الأوضاع الفنية والاجتماعية والسياسية،‮ ‬ونادوا بالتمرد علي الأعراف الشائعة،‮ ‬وبالفردانية في مواجهة منهج الطاعة والإتباع والتأدب المبتذل‮.‬
وقد أصبح لهذه الجماعة الفضل في التمرد علي الركود الأكاديمي الذي خيم علي الحركة الفنية لسنوات طويلة،‮ ‬فنجحوا بفضل ثقافتهم الرفيعة وإيمانهم العميق وتضحياتهم البطولية،‮ ‬في جذب العديد من الفنانين الموهوبين،‮ ‬فازدهرت السريالية في معرض القاهرة‮ ‬في سنوات‮ ‬الحرب،‮ ‬وتراجعت المعايير الأكاديمية للفن أمامها،‮ ‬بل وتخطتها إلي الإتجاهات الحديثة الأخري كالتكعيبية والتعبيرية والتجريدية والتبقيعية وغيرها‮ ‬من الاتجاهات الفنية‮.‬
بيد أن النزعة السريالية لجماعة الفن والحرية والطليعية إرتبطت بقدر من التناقضات التي اشرنا إليها سلفا‮ ‬في هذه الدراسة،‮ ‬مثل كونهم فرانكفونيين وينشرون أساسا بالفرنسية في مجال تبني قضايا المهمشين من‮ ‬أبناء الشعب،‮ ‬وأن فنهم السريالي‮ ‬غرائبي بعيداً‮ ‬عن فن البيئة والتراث وملامح المجتمع المصري‮.‬
وقد كان ذلك دافعاً‮ ‬لتكوين جماعة الفن المصري المعاصر التي جاءت في أعقاب التفاعلات النشطة لجماعة الفن والحرية،‮ ‬لتحدث توازناً‮ ‬بين الأهداف التي لم تحقق لجماعة الفنانين الشرقيين الجدد،‮ ‬ومباديء الحرية والتمرد التي أرستها جماعة الفن والحرية معاً،‮ ‬فتبنت السعي لإرساء فن مصري معاصر يتفاعل مع التيارات الفنية الحديثة بما فيها التعبيرية والسريالية ويعبر عن واقع الإنسان المصري وتراثه الشعبي والأسطوري بصفة خاصة وبذلك خرجت من النزعة الأممية للسرياليين واهتموا بالموضوع المحلي والوطني المصري‮.‬
وفي عام‮ ‬1946‮ ‬أسس المربي حسين يوسف أمين‮ (‬جماعة الفن المصري المعاصر‮) ‬من بين تلاميذه في المدارس الثانوية وأهمهم عبدالهادي الجزار وحامد ندا وسمير رافع وأحمد ماهر رائف‮. ‬وأقاموا خمسة معارض هامة بالقاهرة والإسكندرية،‮ ‬وباريس ضمن معرض مصر فرنسا الذي أقيم بمتحف اللوفر،‮ ‬وأقامت الجماعة معرضها الأخير في متحف الفن الحديث بالقاهرة بإشراف الباحث الفني إيميه ازار‮.‬
واصل أعضاء الجماعة إصدار بيانات نظرية‮ "‬مانيفستو‮" ‬توضح إتصال تجربتهم وأهدافهم بتلك التي أرساها السرياليون جورج حنين ورمسيس ويونان وكامل التلمساني،‮ ‬تتضمن الكثير مما يدور حول وعي الفنان وتمرده،‮ ‬وعن منابع القلق الجديدة التي تستند إلي مصدرين،‮ ‬الحياة اليومية،‮ ‬والنزعة الخيالية للأساطير،‮ ‬حيث يبدأ التفتح للحياة والتوازن العقلي الحساس بين‮ ‬عوالم تغرب وأخري تشرق‮ ‬من الأساطير،‮ ‬حيث يقتحم الفنان المصري عالم الأسرار والشعر والحياة‮.‬
كان الحال في حاجة إلي وعي وخبرة تأخذ الرسالة عي عاتقها وتجسد ذلك في شخصية المربي والفنان حسين يوسف أمين الذي حرر فناني الجماعة تدريجياً‮ ‬من التقاليد الأكاديمية بحثاً‮ ‬عن شخصية مصرية في الفن من خلال الموروثات التراثية،‮ ‬وكان حسين أمين ثورياً‮ ‬سافر إلي البرازيل والمكسيك بعد ان انهي دراسته في روما،‮ ‬وتشبع هناك‮ ‬بالأفكار الشيوعية التروتسكية وعاد إلي مصر ليعمل معلما للرسم في المدارس المصرية بالقاهرة حيث كون جماعة الموهوبين واكتشف فريق متميزا من الشباب كون منهم فيما بعد جماعة الفن المصري المعاصر،‮ ‬وكرس اهتمامه علي عالم الأساطير والخرافات الشعبية المصرية ورموزها السحرية ذات الدلالات التراثية،‮ ‬فجاءت أعمال تلاميذه بمثابة كشف عن تلك الطبقة المطحونة بوقعها المزري،‮ ‬بخشونته وجفائه وضياعه في‮ ‬غياب الخرافة والشعوذة‮.‬
استهدفت الجماعة استعادة حقائق الفن الأولي لمعايشة تجارب الشعب وأسطورته التي هي أسطورة الإنسان،‮ ‬دون التقيد بأسلوب مذهبي فالأساليب فيما يرونه‮- ‬مولودات ميتة لاتلزم أحدا‮ - ‬ويلخص إيميه آزار،‮ ‬هدفهم في‮ ‬،‮ ‬البحث عن الجمال‮ ‬المستقيم‮ ‬،‮ ‬ويلح حسن يوسف أمين‮- ‬مؤسسة الجماعة‮- ‬علي أهمية الحرص علي مواكبة الفكر الحديث،‮ ‬بوصفه أداة للغزو المعرفي والارتباط بالحياة وابتكر مصطلح‮ "‬العواطف المثقفة‮" ‬وهي المعارف اللازمة لفهم الفن الحديث‮ ‬غير أنه بمراجعة أعمال أولئك الفنانين المكونين للجماعة وزملاءهم من أمثال إبراهيم مسعود وكمال يوسف وسالم الحبشي ومحمود خليل‮ - ‬الذي مات مبكراً‮ ‬وهو في الخامسة والعشرين من عمره‮ - ‬والذي كان يقول‮.. ‬الفن هو تعاستي،‮ ‬نجد أنه باستثناء الفنانين الجزار وندا ورائف ورافع الذين أبحروا في عالمهم السريالي الميتافيزيقي بالنزعة الأممية التي ميزت كل من جورج حنين وكامل التلمساني‮ -‬فالتعبير عندهم‮ ‬من مآسي الإنسان وطقوسه بمعزل عن بينته وتراثه وثقافته الوطنية‮ . ‬خلفيات تصور مشاهد الرياح والضباب والجبال والهضاب وحقول الشوك،‮ ‬وشخوص النموذج الإنساني العالمي‮ ‬،‮ ‬ومن ثم فإن أولئك الفنانين هم امتداد لتجربة السريالية المصرية،‮ ‬ولكنهم نشطوا تحت رأية جديدة وبيانات تعميمية جديدة‮.‬
إن السريالية المصرية كحركة فكرية ثورية راديكالية تنويرية تواصلت مع مجريات الفن في العالم الغربي بصورة متزامنة فأصبحت تتحدث لغة زمانها العالمي وليس فقط الإقليمي والتي فتحت آفاق التجديد والحداثة فيما وراء مذهبها السريالي حتي أن روادها مثل رمسيس يونان وفؤاد كامل قد تحولا الي التجريدية التعبيرية والفن الحركي الفوري،‮ ‬وتحول كامل التلمساني إلي السينما كوسيط أكثر فعالية في نشر أفكاره الاشتراكية والتحليقية‮.‬
ولذلك جاء الاحتفاء في هذه الجماعة وأفكارها وكتاباتها ومعارضها وفنها بدءا مما صاحب المعرض القومي السنوي العام الماضي بجهد متميز من الفنان محمد طلعت‮ ‬وقومسير المعرض،‮ ‬ثم هذا المعرض المتميز بقصر الفنون بالجزيرة بما يعكسه من جهد وعناية من قطاع الفنون في مصر ودائرة الثقافة بإمارة الشارقة‮ -‬الإمارات العربية،‮ ‬برعاية الشيخة حور القاسمي رئيسة مؤسسة الشارقة للفنون‮.‬
ويتم في ذات الوقت الإعداد الكبير لعمل معرض وفعاليات مهمة جدا حول هذا الموضوع في قاعات‮ "‬بومبيدو سنتر‮" ‬مركز بومبيدو بالعاصمة الفرنسية يتم الاعداد له منذ سنوات طويلة من ثقاة ومحركين عرب ودوليين‮.‬
وهو الأمر الذي تستحقه تلك الجماعة وذلك التوجه التحويلي الهام في بنية الثقافة والفكر والفن المصري والعربي منذ ثلاثينيات القرن الماضي‮.. ‬والتي ساندها مفكرون وشعراء وصحفيون،‮ ‬وقد قدم الناقد الفني سمير‮ ‬غريب عددا مهما من المؤلفات البحثية العميقة عن السريالية العالمية والمصرية وعدد من فنانيها المصريين من بينها كتاب راية الخيال‮ ‬1992،‮ ‬دار الشروق‮ ‬1992‮ ‬القاهرة،‮ ‬وصفحات من تاريخ السريالية في مصر في فنون عربية‮ -‬العدد الخامس المجلد الثاني،‮ ‬دار واسطة للنشر،‮ ‬المملكة المتحدة‮ ‬1982،‮ ‬وكتاب الهجرة المستحيلة‮ -‬سمير رافع من‮ ‬درب اللبانة إلي باريس،‮ ‬الهيئة المصرية العامة للكتاب‮ ‬1999‮ .‬
كما أن كتابات سعد الخادم ورمسيس يونان وفؤاد وابراهيم كامل ومحمد راتب صديق في كتابي تجربتي في الفن والحياة الجزء الأول‮ ‬1989‮ ‬والجزء الثاني‮ ‬1994‮ ‬نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة‮. ‬وكتاب محمد صدقي الجباخنجي،‮ ‬تاريخ الحركة الفنية في مصر عام‮ ‬1945‮ ‬نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب مصر‮.‬
وكتابي عبدالرازق عكاشة ومصطفي الرزاز عن حياة وفن سمير رافع‮- ‬وكتاب احمد فؤاد سليم‮- ‬سبع مقالات في الفن‮ - ‬آفاق الفن التشكيلي،‮ ‬الهيئة العامة لقصور الثقافة‮ - ‬1998‮ .‬
تحية لمنظمي هذا المعرض المحترم ودعوة لزيارته ودراسته بكل عمق وتأمل فهو درس عميق ونادر في مجاله للمهتم حقا‮.‬
وقد أسعدني في كثيراً‮ ‬أن قدم المعرض أسماء لم نحتسبها سريالية من أمثال يوسف العفيفي ومنير كنعان وصلاح طاهر ضمن آخرين كما كان متميزاً‮ ‬وجود بعض المعروضات‮ ‬غير المألوفة في الوسط الفني مثل الرسوم الرائعة لانجي افلاطون بالحبر الشيني ذات المساحات الصغيرة،‮ ‬والعميق والتمكن‮. ‬ومجموعة المطبوعات باللينوليوم والتي لونت بعضها يدويا تمثل حنكة وعمق الفنان منير كنعان‮. ‬وهي ملمح لم نعرفه عنه قبل ذلك‮.‬
وتقديم أعمال عديدة من التصوير والرسم لإبراهيم مسعودة وعرض لوحات لبعض المتمصرين من الأجانب بالرغم من أن بعضها لايمت بصلة للسريالية مثل أعمال باياجورج،‮ ‬ومدام نمر،‮ ‬ومدام باروخ،‮ ‬بينما لم تعرض‮ ‬أعمال لمدام بهمان وهي سريالية قديرة‮.‬
‮ ‬لم أدرك مغزي منع التصوير في هذا المعرض الذي تعتمد قيمته علي الجانب التعليمي والتنويري للخبراء والدارسين والذواقة؟
‮ ‬وقد لاحظت عدم تواجد أعمال فنانين سرياليين بصورة كاملة أو مرحلية‮.. ‬أو جزئية ونشير من بينهم إلي حسين يوسف أمين،‮ ‬مصطفي الأرنقوطي‮ ‬1920‮-‬1976‮ ‬،‮ ‬أبوخليل لطفي‮ ‬1920‮- ‬1993‮ ‬،‮ ‬حامد عبدالله‮ ‬1917‮- ‬1977،‮ ‬سعيد العدوي‮ ‬1938‮-‬1973،‮ ‬عصمت داوستاشي‮ ‬1943‮ ‬،‮ ‬أحمد نوار‮ ‬1943‮- ‬1945،‮ ‬مصطفي أحمد‮ ‬1930‮-‬1999،‮ ‬أحمد كمال حجاب‮ ‬1942،‮ ‬صبري منصور‮ ‬1943،‮ ‬إيفيلين عشم الله‮ ‬1948‮ ‬،‮ ‬حمدي عبدالله‮ ‬1944،‮ ‬السيد القماشي‮ ‬1951‮ ‬،‮ ‬عوض الله الشيمي‮ ‬1949‮ ‬وغيرهم كثيرون‮.‬
والجدير بالإشارة أن الغالبية العظمي من مصوري مصر‮ ‬خصوصاً‮ ‬قدمهم التعبير السريالي كل في مراحل معينة أو يعاود ذلك من وقت لآخر‮.‬
ولكن الأسماء التي تمت الإشارة إليها كانت ذات بصمة أكثر وضوحاً‮ ‬في مسار السريالية في مصر‮.‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.