ثورة الوعي الرقمي: كيف سيفكك "الذكاء القابل للفهم" شفرة المستقبل؟    السودان بعد 1000 يوم من الحرب: أسوأ أزمة صحية وإنسانية في العالم    برزاني وباراك يبحثان تداعيات الأوضاع في حلب السورية    بيريز يغلق باب يناير.. ريال مدريد يتمسك بالاستقرار ويرفض تدعيم الصفوف    أسفر عن 11 وفاة و10 مصابين، نائب محافظ المنيا يتابع حادث كمين الصفا    حكاية جريمة بهتيم.. غدر الصحاب «صميده» يقتل زميله وسط الشارع بشبرا الخيمة    مي عمر تتورط في جريمة قتل صديقتها إنجي المقدم في "الست موناليزا"    أنغام تطرح أول أغانيها في 2026.. «الحب حالة» | فيديو    كمال أبو رية وأحمد بدير وهدى الإتربى فى دراما رمضان على قنوات المتحدة    استئناف الملاحة النيلية والجوية بأسوان بعد استقرار الطقس    نتائج مثيرة في الجولة الأخيرة من ذهاب الدور التمهيدي لدوري السلة    وزير الخارجية ونظيره المالي يبحثان هاتفيا تعزيز التعاون الثنائي وجهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل    استمرار العمل بميناء مطار القاهرة خلال العطلات الرسمية لتسريع الإفراج الجمركي (صور)    فاروق حسني: دراسة جدوى المتحف المصري الكبير استغرقت 4 سنوات من العمل المُضني قبل البناء    الثقافة: تكريم المبدعين يعكس التفوق الثقافي ويضمن استمرارية الإبداع الفني في مصر    إصابة شخص في حادث انقلاب سيارة ملاكي بقنا    الهيئة الوطنية للانتخابات تعلن نتائج جولة الإعادة للمرحلة الأولى غدًا السبت    النقل: انطلاقة كبيرة وقفزات هائلة يشهدها أسطول نقل الركاب والبضائع بالشركات التابعة للشركة القابضة للنقل البحرى والبرى    المشاط تعلن أبرز الجهود المبذولة لتطوير منظومتي التخطيط والمتابعة وفق منهجية «البرامج والأداء»    حسن عصفور: واشنطن سعت لتنظيم موازٍ لمنظمة التحرير في التسعينات.. وحماس طالبت ب40% من مقاعدها    رئيس كولومبيا: ترامب كان يفكر في شن عملية عسكرية ضد بلادنا    الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي| دولة التلاوة يحتفي بعمدة التلاوة في مصر    لماذا غادر النور وجه سيدنا عبد الله بن عبد المطلب بعد زواجه؟.. عالم بالأوقاف يكشف كواليس انتقال سر النبوة    يايا توريه يعلق على ارتداء سيمينيو قميصه مع مانشستر سيتي    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    حسن عصفور يروي كيف غيّر عدوان 1967 وسفرية خاطئة غيرت حياته    البرلمان.. ومسئولية التشريع    دعاء لتسهيل الامتحانات.. كلمات تطمئن القلب وتفتح أبواب التوفيق    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    بعد تجاوز الأوقية 4500 دولار .. أسعار الذهب تواصل الصعود محلياً    كواليس مران الزمالك لمواجهة زد تحت قيادة معتمد جمال    تراجع العملات المشفرة مع ترقب بيانات سوق العمل الأمريكية    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    مران الزمالك - انتظام شيكو بانزا.. وتخفيف الأحمال استعدادا لمواجهة زد    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    وزارة التضامن تشارك في معرض الصناعة التقليدية بالمغرب ضمن فعاليات كأس الأمم    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    الحوافز المقدمة في إطار البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات    شريف عبد الفضيل: مستوى إبراهيم عادل مع المنتخب «متذبذب»    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    حافظوا على وحدتكم    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    إدارة ترامب تدرس دفع أموال لسكان جرينلاند لإقناعهم بالانضمام لأميركا    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حين يصبح الفن حرية

حين يصبح‮ ‬الفن حرية موضوع‮ ‬معرض محترم جدً‮ ‬وتوثيقي لمرحلة بالغة الأهمية في الفن المصري والعربي،‮ ‬فهو من ناحية معرض يضم أعمالا معروفة للمهتمين بالفن في مصر خصوصاً‮ ‬تم انتاجها منذ اربعينيات القرن الماضي لفنانين مصريين ومتمصرين،‮ ‬سرياليين وغير سرياليين ولكنهم تضامنوا بحرارة مع مؤسسي السريالية المصرية الشاعر الفرانكفوني فؤاد حنين والفنانين‮ ‬رمسيس يونان‮ (‬1913‮ - ‬1966‮) ‬وفؤاد كامل‮ ( ‬1919‮ ‬‮ ‬1973‮ ) ‬وكامل التلمساني‮ (‬1915‮ - ‬1972‮) ‬ومعهم إبراهيم مسعودة وعدد من الأجانب المقيمين في مصر هربا من أهوال الحربين الاولي والثانية‮.‬
كانت حركة السريالية في مصر وليدة عوامل جوهرية من بينها الروح الكوزموبوليتانية التي حققها تجمعات لفنانين وأدباء وشعراء ومفكرين وسياسيين اوربيين لجأوا إلي مصر واستوطنوها خاصة في القاهرة والاسكندرية،‮ ‬وكان من بينهم من يتمتعون بالموهبة والتوهج والعمق أو المكانة الدولية،‮ ‬فتعامل معهم المصريون المتحدثون بالفرنسية والإنجليزية،‮ ‬وأصبحوا وسطاء بين أولئك الأجانب وزملائهم الأقل كفاءة في تلك اللغات‮.‬
وكان العامل الثاني هو انتشار النزعة‮ "‬التروتسكية‮" ‬التي تمثل الجناح الثقافي والإنساني للشيوعية في مقابلة مع الستالينية،‮ ‬الجناح العسكري والديكتاتوري لها‮.‬
وكانت التروتسكية ذات جاذبية في الدوائر الفنية والثقافية في أوروبا وأمريكا اللاتينية ومصر‮. ‬وقد تربت عليها نزعة أممية تصور الإنسان الكوني‮ (‬الأممي‮) ‬وليس ابن وطن ما‮. ‬وتنحي ملامح البيئة والتراث الإقليمي لصالح إستخدام رموز عالمية‮. ‬ولكن تلك الأممية ليست أممية حقاً،‮ ‬وليست موضوعية فصورة الإنسان في تلك اللوحات لاتحتوي أية ملامح للعنصر الأسود أو الأصفر من الأجناس،‮ ‬وإنما يعتمد بصورة كلية علي العنصر الأبيض،‮ ‬ومن ثم فهي من هذه الزاوية أقرب إلي العولمة المعاصرة التي لاتنتمي للعالم‮ (‬كعولمة‮) ‬ولكنها تتبني بقدر كبير من العنصرية وإزاحة العديد من العوالم،‮ ‬والتكريس للعالم الغربي‮- ‬الأمريكي خاصة‮ - ‬في جهود حثيثة لفرض هذا النموذج علي كل العالم‮.‬
غير أن السرياليين المصريين كانوا وطنيين بامتياز،‮ ‬وتبنوا حقوق البسطاء وهاجموا بضراوة الاقطاع والاحتلال‮. ‬وفي سيرة بعضهم علامات مضيئة علي ذلك،‮ ‬فقد احتج سرياليو مصر علي مبادرة السريالية الأوروبية جمع تبرعات لصالح إسرائيل،‮ ‬وانسحبوا من تكتلهم تعبيرا عن هذا الاعتراض‮.‬
وتعرض رمسيس يونان الذي سجن في مصر في نهاية الخمسينيات لميوله الشيوعية وكتاباته النقدية،‮ ‬ثم سافر بعد خروجه مع زوجته وبناته إلي فرنسا حيث عمل في إذاعتها بباريس وعندما قامت حرب‮ ‬1956‮- ‬العدوان الثلاثي‮- ‬كلف يونان بقراءة بيان مهين يهاجم مصر،‮ ‬فرفض قراءته وكان جزاؤه الفصل من الإذاعة والطرد من فرنسا‮.‬
ولكن المفارقة كانت تكمن في أن السرياليين ذوي الثقافة الأوروبية والمصرية الرفيعة كانوا يدافعون عن سواد الشعب ضد أصحاب النفوذ والثروة من المصريين الاقطاعيين،‮ ‬والمحتل البريطاني بينما كانت كتاباتهم الملتهبة بالفرنسية التي لايقرأها من يدافعون عنهم وكانت رسومهم‮ ‬غربية الطابع‮ ‬غرائبية العناصر والتكوينات ولاتمت لثقافة وبيئة هؤلاء الذين يتبنون الدفاع عنهم‮.‬
غير أن للسريالية أدوارا بالغة الأهمية في الثقافة والفن في مصر فقد كانوا أول من يجهر برفض وازدراء الأكاديمية الجامدة ومقولاتها الجوفاء‮. ‬وفتحوا آفاقاً‮ ‬حقة للحداثة التي تبنت السريالية كطراز ومنهج تفكير‮. ‬ولكنهم بذلك قد بشروا بتجليات الحداثة من التكعيبية الي التجريدية والرمزية والتجريدية التعبيرية‮. ‬لأول مرة في مصر‮. ‬كما نشط السرياليون في تبني شباب الفنانين وأشركوهم فعالياتهم ومعارضهم مما ساهم في تقديم طليعة الفن وقياداته،‮ ‬المستقبلية‮. ‬في الوقت الذي جذبوا فيه فنانين كبارا وشبابا من أمثال محمود سعيد وسعد الخادم وحمدي خميس وأبوخليل لطفي وحامد ندا وسمير رافع وإنجي أفلاطون،‮ ‬إلي التضامن معهم وعرض أعمالهم في معارضهم‮.‬
كانت سنوات الحرب الثانية‮ ‬1939‮ - ‬1945،‮ ‬عاصفة ليس في أوروبا التي عانت ويلاتها فحسب‮. ‬بل عمت العالم‮ ‬بأسره،‮ ‬بارتباطاته المتشابكة ومصالحه المتداخلة،‮ ‬وأطماع المستعمرين ومآربهم،‮ ‬ومن الطبيعي أن الإبداع والتعبير الفني الطليعي يواجه مواقف متأزمة من الفاشية والنازية،‮ ‬فحاصرت ومنعت وطردت وحبست كل من أتبع طريقاً‮ ‬مخالفاً‮ ‬للتيار الإيديولوجي المهيمن،‮ ‬اضطر طلائع الفنانين إلي الفرار من مواطنهم في قلب أوروبا،‮ ‬متنقلين بين الأقطار المحايدة وبعيداً‮ ‬عن المدن والمراكز الحضارية،‮ ‬بينما هاجر العديد من أفضلهم إلي أمريكا‮.‬
أسسها الشاعر جورج حنين مع فريق من الفنانين الطليعيين المصريين والأجانب المقيمين في مصر،‮ ‬لإعلان موقفهم من الفاشية والنازية ضد الفن والفنانين،‮ ‬حين حطموا أعمالهم وطاردوهم عبر أوروبا وأطلقوا علي فنهم صفة‮ (‬الفن المنحط‮) ‬تضامناً‮ ‬مع الشاعر‮ (‬أندريه بريتون‮) ‬وبيانه الذي وقع عليه الفنان المكسيكي‮ (‬ديجوريفيرا‮) ‬بعنوان‮ (‬من أجل فن مستقل‮).‬
وقع الفنانون فؤاد كامل ورمسيس يونان وكامل التلمساني مع مجموعة من الفنانين والمثقفين المصريين والأجانب المقيمين في مصر علي بيان أعده الشاعر جورج حنين بعنوان‮ (‬يحيا الفن المنحط‮) ‬ونشره في مجلة الفن الحر في‮ ‬22‮ ‬ديسمبر‮ ‬1938‮ .‬
كان لانتشار فنانين وأدباء وشعراء ونقاد أجانب في مصر في تلك الآونة دور كبير في بعث جو من التحرر وانتشار الفكر الاشتراكي،‮ ‬وكان جورج حنين بثقافته الفرنسية الرفيعة همزة الوصل بين أولئك الأجانب المتمصرين وبين الفنانين المصريين‮.‬
وفي‮ ‬6‮ ‬يناير‮ ‬1939‮ ‬كونت هذه المجموعة جماعة الفن والحرية في مصر بشارع المدابغ‮- (‬شريف حالياً‮)- ‬للدفاع عن حرية الفن والثقافة والنشر،‮ ‬وأصدروا مجلة الخبز وكتاب‮ (‬الدفاع عن الثقافة‮).‬
1940‮ ‬أقاموا المعرض الأول للجماعة شارع فيه معهم محمود سعيد‮ -‬صادق محمد‮- ‬ماريا هاسيا‮- ‬عايدة شحاتة‮ -‬أيمي نمر ايزاك ليفي‮- ‬انجلو دي رينر‮- ‬بابا جورج‮- ‬موسكا تيلي‮- ‬جوسلزنجر‮ - ‬سيسيل بالدوك‮- ‬لويس جوليان‮- ‬ناجلو فسكا‮- ‬ماجي اكزيزا وعرض معهم فيما بعد حمدي خميس وأبوخليل لطفي وسعد الخادم وحامد ندا في معارضهم السنوية حتي عام1945م‮.‬
اتصلت هذه الجماعة بالحركة السريالية‮ ‬العالمية وزعيمها الشاعر أندريه بريتون في فرنسا،‮ ‬وما لبثت أن كونت‮ (‬جماعة الفن والحرية‮)‬،‮ ‬ثم‮ (‬جماعة جانح الرمال‮)‬،‮ ‬حيث واجهت مقاومة واضطهاداً‮ ‬من أصحاب الرأي الفاعل والنفوذ القوي في الحركة الثقافية،‮ ‬ومن ذوي الميول المحافظة،‮ ‬ولكنهم أثروا الاعتصام بالعناد والجسارة التي وصلت إلي ما نظر إليه آنذاك بالمواجهة الوقحة،‮ ‬ثاروا علي الأوضاع الفنية والاجتماعية والسياسية،‮ ‬ونادوا بالتمرد علي الأعراف الشائعة،‮ ‬وبالفردانية في مواجهة منهج الطاعة والإتباع والتأدب المبتذل‮.‬
وقد أصبح لهذه الجماعة الفضل في التمرد علي الركود الأكاديمي الذي خيم علي الحركة الفنية لسنوات طويلة،‮ ‬فنجحوا بفضل ثقافتهم الرفيعة وإيمانهم العميق وتضحياتهم البطولية،‮ ‬في جذب العديد من الفنانين الموهوبين،‮ ‬فازدهرت السريالية في معرض القاهرة‮ ‬في سنوات‮ ‬الحرب،‮ ‬وتراجعت المعايير الأكاديمية للفن أمامها،‮ ‬بل وتخطتها إلي الإتجاهات الحديثة الأخري كالتكعيبية والتعبيرية والتجريدية والتبقيعية وغيرها‮ ‬من الاتجاهات الفنية‮.‬
بيد أن النزعة السريالية لجماعة الفن والحرية والطليعية إرتبطت بقدر من التناقضات التي اشرنا إليها سلفا‮ ‬في هذه الدراسة،‮ ‬مثل كونهم فرانكفونيين وينشرون أساسا بالفرنسية في مجال تبني قضايا المهمشين من‮ ‬أبناء الشعب،‮ ‬وأن فنهم السريالي‮ ‬غرائبي بعيداً‮ ‬عن فن البيئة والتراث وملامح المجتمع المصري‮.‬
وقد كان ذلك دافعاً‮ ‬لتكوين جماعة الفن المصري المعاصر التي جاءت في أعقاب التفاعلات النشطة لجماعة الفن والحرية،‮ ‬لتحدث توازناً‮ ‬بين الأهداف التي لم تحقق لجماعة الفنانين الشرقيين الجدد،‮ ‬ومباديء الحرية والتمرد التي أرستها جماعة الفن والحرية معاً،‮ ‬فتبنت السعي لإرساء فن مصري معاصر يتفاعل مع التيارات الفنية الحديثة بما فيها التعبيرية والسريالية ويعبر عن واقع الإنسان المصري وتراثه الشعبي والأسطوري بصفة خاصة وبذلك خرجت من النزعة الأممية للسرياليين واهتموا بالموضوع المحلي والوطني المصري‮.‬
وفي عام‮ ‬1946‮ ‬أسس المربي حسين يوسف أمين‮ (‬جماعة الفن المصري المعاصر‮) ‬من بين تلاميذه في المدارس الثانوية وأهمهم عبدالهادي الجزار وحامد ندا وسمير رافع وأحمد ماهر رائف‮. ‬وأقاموا خمسة معارض هامة بالقاهرة والإسكندرية،‮ ‬وباريس ضمن معرض مصر فرنسا الذي أقيم بمتحف اللوفر،‮ ‬وأقامت الجماعة معرضها الأخير في متحف الفن الحديث بالقاهرة بإشراف الباحث الفني إيميه ازار‮.‬
واصل أعضاء الجماعة إصدار بيانات نظرية‮ "‬مانيفستو‮" ‬توضح إتصال تجربتهم وأهدافهم بتلك التي أرساها السرياليون جورج حنين ورمسيس ويونان وكامل التلمساني،‮ ‬تتضمن الكثير مما يدور حول وعي الفنان وتمرده،‮ ‬وعن منابع القلق الجديدة التي تستند إلي مصدرين،‮ ‬الحياة اليومية،‮ ‬والنزعة الخيالية للأساطير،‮ ‬حيث يبدأ التفتح للحياة والتوازن العقلي الحساس بين‮ ‬عوالم تغرب وأخري تشرق‮ ‬من الأساطير،‮ ‬حيث يقتحم الفنان المصري عالم الأسرار والشعر والحياة‮.‬
كان الحال في حاجة إلي وعي وخبرة تأخذ الرسالة عي عاتقها وتجسد ذلك في شخصية المربي والفنان حسين يوسف أمين الذي حرر فناني الجماعة تدريجياً‮ ‬من التقاليد الأكاديمية بحثاً‮ ‬عن شخصية مصرية في الفن من خلال الموروثات التراثية،‮ ‬وكان حسين أمين ثورياً‮ ‬سافر إلي البرازيل والمكسيك بعد ان انهي دراسته في روما،‮ ‬وتشبع هناك‮ ‬بالأفكار الشيوعية التروتسكية وعاد إلي مصر ليعمل معلما للرسم في المدارس المصرية بالقاهرة حيث كون جماعة الموهوبين واكتشف فريق متميزا من الشباب كون منهم فيما بعد جماعة الفن المصري المعاصر،‮ ‬وكرس اهتمامه علي عالم الأساطير والخرافات الشعبية المصرية ورموزها السحرية ذات الدلالات التراثية،‮ ‬فجاءت أعمال تلاميذه بمثابة كشف عن تلك الطبقة المطحونة بوقعها المزري،‮ ‬بخشونته وجفائه وضياعه في‮ ‬غياب الخرافة والشعوذة‮.‬
استهدفت الجماعة استعادة حقائق الفن الأولي لمعايشة تجارب الشعب وأسطورته التي هي أسطورة الإنسان،‮ ‬دون التقيد بأسلوب مذهبي فالأساليب فيما يرونه‮- ‬مولودات ميتة لاتلزم أحدا‮ - ‬ويلخص إيميه آزار،‮ ‬هدفهم في‮ ‬،‮ ‬البحث عن الجمال‮ ‬المستقيم‮ ‬،‮ ‬ويلح حسن يوسف أمين‮- ‬مؤسسة الجماعة‮- ‬علي أهمية الحرص علي مواكبة الفكر الحديث،‮ ‬بوصفه أداة للغزو المعرفي والارتباط بالحياة وابتكر مصطلح‮ "‬العواطف المثقفة‮" ‬وهي المعارف اللازمة لفهم الفن الحديث‮ ‬غير أنه بمراجعة أعمال أولئك الفنانين المكونين للجماعة وزملاءهم من أمثال إبراهيم مسعود وكمال يوسف وسالم الحبشي ومحمود خليل‮ - ‬الذي مات مبكراً‮ ‬وهو في الخامسة والعشرين من عمره‮ - ‬والذي كان يقول‮.. ‬الفن هو تعاستي،‮ ‬نجد أنه باستثناء الفنانين الجزار وندا ورائف ورافع الذين أبحروا في عالمهم السريالي الميتافيزيقي بالنزعة الأممية التي ميزت كل من جورج حنين وكامل التلمساني‮ -‬فالتعبير عندهم‮ ‬من مآسي الإنسان وطقوسه بمعزل عن بينته وتراثه وثقافته الوطنية‮ . ‬خلفيات تصور مشاهد الرياح والضباب والجبال والهضاب وحقول الشوك،‮ ‬وشخوص النموذج الإنساني العالمي‮ ‬،‮ ‬ومن ثم فإن أولئك الفنانين هم امتداد لتجربة السريالية المصرية،‮ ‬ولكنهم نشطوا تحت رأية جديدة وبيانات تعميمية جديدة‮.‬
إن السريالية المصرية كحركة فكرية ثورية راديكالية تنويرية تواصلت مع مجريات الفن في العالم الغربي بصورة متزامنة فأصبحت تتحدث لغة زمانها العالمي وليس فقط الإقليمي والتي فتحت آفاق التجديد والحداثة فيما وراء مذهبها السريالي حتي أن روادها مثل رمسيس يونان وفؤاد كامل قد تحولا الي التجريدية التعبيرية والفن الحركي الفوري،‮ ‬وتحول كامل التلمساني إلي السينما كوسيط أكثر فعالية في نشر أفكاره الاشتراكية والتحليقية‮.‬
ولذلك جاء الاحتفاء في هذه الجماعة وأفكارها وكتاباتها ومعارضها وفنها بدءا مما صاحب المعرض القومي السنوي العام الماضي بجهد متميز من الفنان محمد طلعت‮ ‬وقومسير المعرض،‮ ‬ثم هذا المعرض المتميز بقصر الفنون بالجزيرة بما يعكسه من جهد وعناية من قطاع الفنون في مصر ودائرة الثقافة بإمارة الشارقة‮ -‬الإمارات العربية،‮ ‬برعاية الشيخة حور القاسمي رئيسة مؤسسة الشارقة للفنون‮.‬
ويتم في ذات الوقت الإعداد الكبير لعمل معرض وفعاليات مهمة جدا حول هذا الموضوع في قاعات‮ "‬بومبيدو سنتر‮" ‬مركز بومبيدو بالعاصمة الفرنسية يتم الاعداد له منذ سنوات طويلة من ثقاة ومحركين عرب ودوليين‮.‬
وهو الأمر الذي تستحقه تلك الجماعة وذلك التوجه التحويلي الهام في بنية الثقافة والفكر والفن المصري والعربي منذ ثلاثينيات القرن الماضي‮.. ‬والتي ساندها مفكرون وشعراء وصحفيون،‮ ‬وقد قدم الناقد الفني سمير‮ ‬غريب عددا مهما من المؤلفات البحثية العميقة عن السريالية العالمية والمصرية وعدد من فنانيها المصريين من بينها كتاب راية الخيال‮ ‬1992،‮ ‬دار الشروق‮ ‬1992‮ ‬القاهرة،‮ ‬وصفحات من تاريخ السريالية في مصر في فنون عربية‮ -‬العدد الخامس المجلد الثاني،‮ ‬دار واسطة للنشر،‮ ‬المملكة المتحدة‮ ‬1982،‮ ‬وكتاب الهجرة المستحيلة‮ -‬سمير رافع من‮ ‬درب اللبانة إلي باريس،‮ ‬الهيئة المصرية العامة للكتاب‮ ‬1999‮ .‬
كما أن كتابات سعد الخادم ورمسيس يونان وفؤاد وابراهيم كامل ومحمد راتب صديق في كتابي تجربتي في الفن والحياة الجزء الأول‮ ‬1989‮ ‬والجزء الثاني‮ ‬1994‮ ‬نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة‮. ‬وكتاب محمد صدقي الجباخنجي،‮ ‬تاريخ الحركة الفنية في مصر عام‮ ‬1945‮ ‬نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب مصر‮.‬
وكتابي عبدالرازق عكاشة ومصطفي الرزاز عن حياة وفن سمير رافع‮- ‬وكتاب احمد فؤاد سليم‮- ‬سبع مقالات في الفن‮ - ‬آفاق الفن التشكيلي،‮ ‬الهيئة العامة لقصور الثقافة‮ - ‬1998‮ .‬
تحية لمنظمي هذا المعرض المحترم ودعوة لزيارته ودراسته بكل عمق وتأمل فهو درس عميق ونادر في مجاله للمهتم حقا‮.‬
وقد أسعدني في كثيراً‮ ‬أن قدم المعرض أسماء لم نحتسبها سريالية من أمثال يوسف العفيفي ومنير كنعان وصلاح طاهر ضمن آخرين كما كان متميزاً‮ ‬وجود بعض المعروضات‮ ‬غير المألوفة في الوسط الفني مثل الرسوم الرائعة لانجي افلاطون بالحبر الشيني ذات المساحات الصغيرة،‮ ‬والعميق والتمكن‮. ‬ومجموعة المطبوعات باللينوليوم والتي لونت بعضها يدويا تمثل حنكة وعمق الفنان منير كنعان‮. ‬وهي ملمح لم نعرفه عنه قبل ذلك‮.‬
وتقديم أعمال عديدة من التصوير والرسم لإبراهيم مسعودة وعرض لوحات لبعض المتمصرين من الأجانب بالرغم من أن بعضها لايمت بصلة للسريالية مثل أعمال باياجورج،‮ ‬ومدام نمر،‮ ‬ومدام باروخ،‮ ‬بينما لم تعرض‮ ‬أعمال لمدام بهمان وهي سريالية قديرة‮.‬
‮ ‬لم أدرك مغزي منع التصوير في هذا المعرض الذي تعتمد قيمته علي الجانب التعليمي والتنويري للخبراء والدارسين والذواقة؟
‮ ‬وقد لاحظت عدم تواجد أعمال فنانين سرياليين بصورة كاملة أو مرحلية‮.. ‬أو جزئية ونشير من بينهم إلي حسين يوسف أمين،‮ ‬مصطفي الأرنقوطي‮ ‬1920‮-‬1976‮ ‬،‮ ‬أبوخليل لطفي‮ ‬1920‮- ‬1993‮ ‬،‮ ‬حامد عبدالله‮ ‬1917‮- ‬1977،‮ ‬سعيد العدوي‮ ‬1938‮-‬1973،‮ ‬عصمت داوستاشي‮ ‬1943‮ ‬،‮ ‬أحمد نوار‮ ‬1943‮- ‬1945،‮ ‬مصطفي أحمد‮ ‬1930‮-‬1999،‮ ‬أحمد كمال حجاب‮ ‬1942،‮ ‬صبري منصور‮ ‬1943،‮ ‬إيفيلين عشم الله‮ ‬1948‮ ‬،‮ ‬حمدي عبدالله‮ ‬1944،‮ ‬السيد القماشي‮ ‬1951‮ ‬،‮ ‬عوض الله الشيمي‮ ‬1949‮ ‬وغيرهم كثيرون‮.‬
والجدير بالإشارة أن الغالبية العظمي من مصوري مصر‮ ‬خصوصاً‮ ‬قدمهم التعبير السريالي كل في مراحل معينة أو يعاود ذلك من وقت لآخر‮.‬
ولكن الأسماء التي تمت الإشارة إليها كانت ذات بصمة أكثر وضوحاً‮ ‬في مسار السريالية في مصر‮.‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.