** عرفنا أيام دراستنا في الخمسينيات والستينيات مادة الملاحظة والسلوك.. لم تكن تضاف درجاتها للمجموع الكلي.. ولكننا وإدارة المدرسة جمعنا الحرص المشترك الحصول علي أعلي الدرجات لدافع أخلاقي أولا.. هو السلوك الطيب المترجم لدور المدرسة في التربية.. ثم الملاحظة إلي حصر الغياب والحماية من التسرب.. باعتبارها مسئولية الإدارة الناجحة في اجتذاب الطلاب للأنشطة الثقافية والرياضية داخل أسوار المدرسة.. ونستطيع هنا تسجيل نشاطات المكتبة والمناظرات والألعاب الرياضية المختلفة "أذكر ان مدرستنا كان بها ملعب قانوني للتنس والمدارس العملاقة مثل الخديوية والسعيدية والمساعي المشكورة.. إلخ" ونجاحها في صناعة الأبطال بحنكة واقتدار تحاول بعض الإدارات الحالية استعادتها ونتمني لها التوفيق.. وتحت راية السلوك والانضباط كان مسجد المدرسة مليئا بالمصلين في أوقات الصلاة خلال شهر رمضان المبارك.. وكانت قاعات الاحتفالات بها مضيئة تستضيف علماء الدين وكبار الشخصيات والدعاة في محاضرات وندوات مفتوحة.. كان أهالي المنطقة يطلبون بأنفسهم تشغيل مكبرات الصوت الخارجية لتصل الفائدة إلي سكان البيوت.. لعلهم يلقون جذوة مضيئة تساعدهم في جهاد النفس الرمضاني ومسيرة الامتناع عن الشهوات. ** وتمضي السنون والعقود والقرون علي المسلمين في أنحاء العالم ينتظرون مقدم شهر رمضان المبارك في هجير الصيف أو زمهرير الشتاء أو ربيع النسيم وتتقدم المعطيات الحضارية لتغير في شكل الاستطاعة وقدرة العبد الضعيف علي الالتزام بالإمساك بأهداب الدين وتطفو المادة علي السطح بالاغراءات والمبتكرات ووسائل الاتصال والالهاء عن التبحر في النوافل والواجبات ليجد قلب المسلم ذاته ونفسه وما يضخه من خير.. ويتحمل من معاناة في اختبارات صعبة مع ما يحدث حوله من أحداث وما يحيط به من سلوكيات.. أو تخترق جدار منزله من إغراءات ووساوس تحاول الانتفاضة والانقضاض عليه رغم علمه بنعمة الله سبحانه وتعالي تقييد الشياطين بالسلاسل في رمضان. ** هذه الغزوة التي محلها غالبا الجهل أو الاستهانة تسعي لنزع الخيرات المرتقبة والحسنات المنتظرة من الصائم.. بإلهائه بالمسلسلات والفوازير واستضافة الفنانين وبرامج المقالب.. والاستعراضات الساخنة.. في بث لا يتوقف علي مدي الأربع والعشرين ساعة ويجعل الصائم في مواجهة الاختبار الصعب الأول.. اهمال الصلاة والنوافل وخفوت الحماس لختم القرآن الكريم أكثر من مرة.. وقبلها أن ينهل من النفحات الربانية وقطوف الجنة التي وعد بها الله سبحانه وتعالي عباده المؤمنين والفضل المنفرد للصوم ثالث أركان الاسلام.. وكما في الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به". ** يتعجب المرء من اقبال الناس وتدافعهم لدي محال السوبر ماركت والأسواق التجارية تلبية لإعلاناتها وعروض التخفيضات التي تقدمها لسلع ومكسرات رمضان وأذكركم فقط بما تشهده الشوارع من زحام خانق وتكدس بعد ثبوت الرؤية واندفاع الفقير قبل الغني علي الشراء ويتصل بذلك تفكيره في سهرات الشهر في أي الفنادق والكازينوهات ستكون.. وموائد الافطار التي تنظمها العائلات أو الشركات.. أين ستستقر وهل ستكون الخدمة علي المائدة أو في البوفيه المفتوح ويدقق جيدا في مكان السحور والغناء والرقص وتسالي مرور الوقت حتي تقدم مائدة السحور والنشاطات الشاطئية وداخل المصايف والقري السياحية "خاصة مع وقوع الشهر الكريم داخل حزام الانقلاب الصيف في هذا العام" ومن هم رعاتها.. وكم هي النبرة عالية للدعوات والمشاركة ولكن لأن الاسلام بخير.. مبادئه محفوظة بعلم الله سبحانه وتعالي وفضله فإن النشاط الأهم والأفضل والأصلح داخل المساجد وبيوت الله والمراكز الاسلامية راجح الكفة دائما بدليل هذه الأعداد الضخمة الزاحفة لأداء صلاة الفجر وقبلها التراويح والتهجد وتزايد اعداد المعتكفين في الأيام العشرة الأخيرة من رمضان.. ناهيك عن أولئك الشباب المفرح الذين ينتشرون قبل الافطار بلحظات يقابلون الصائمين في الطريق بالتمر واللبن والماء لجرح صيامهم وأحيانا بوجبات جافة سريعة.. ناهيك عن الذين يسعون لشرف خدمة الصائمين علي موائد الرحمن التي ينظمها القادرون ورجال الأعمال والمساجد والجمعيات الخيرية ويتنافسون علي ذلك ولا يتناولون افطارهم إلا بعد أداء الصلاة والاطمئنان علي راحة ضيوفهم من أبناء السبيل وهو الأمر الذي يتوج بما تحتفظ به قرانا العريقة من تناول الافطار علي مدخل بيوتهم.. بينما يقف شباب الأسرة يتدربون علي فضيلة الكرم ويتمسكون بالضيف ليشاركهم خيرات وكرم الصوم. ** ومن الاختبارات المهمة للصائمين اللحمة الاجتماعية "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص" وذلك بالاطمئنان علي ذويهم وأفراد عائلتهم.. ليس فقط لإيصال الرحم.. والافطار المشترك معاً.. بل بالاطمئنان علي توفر الاستعدادات لديهم دون الحاف أو اجحاف وجعل الشهر الكريم مناسبة سعيدة للجميع كما يستحق.. ثم استثمار القوة الروحية والنفحات التي يلمسونها من خلال أداء مناسك وواجبات الشهر الكريم.. فيما بين الافطار وصلاة الفجر.. ليس فقط لاكتساب القدرة والمعونة علي مشقة الصوم لساعات طويلة من بعد الفجر حتي صلاة المغرب مع توقعات قسوة الصيف والحر ولكن أيضا اكتمال هذا الاختبار .. بالذهاب إلي العمل بنفس راضية مطمئنة.. الخير كل الخير في البكور يذهبون لأعمالهم مسلحين بالسماحة والطيبة وحسن التعامل مع الآخرين والرغبة في مساعدة من يحتاج دون انانية أو تجهم في الوجه والقول.. عليهم أن يفطنوا إلي الأهمية والمكانة التي وضعها الاسلام لقيمة العمل.. والاجتهاد فيه والإخلاص له وانه ليس مقبولا اتخاذ الصيام حجة للتكاسل أو الخطأ.. بل علي العكس ما أحوج مجتمعنا ونحن نعيد البناء بعد خطايا السنوات العجاف وسلبية مقصودة لابعاد المواطن عن شئون وطنه واقناعه الاكتفاء بتدبير لقمة العيش لأسرته.. ما أحوجنا لنستثمر سلاح الصوم في إماطة الأذي عن الطريق.. وحسن التعامل مع الآخرين.. وحسم التفكير في ان الأخطاء المجتمعية والإساءة للمتلكات العامة واعتماد سلوكيات البلطجة الشاذة أن يصيب رذاذها الشخص نفسه الذي يلجأ اليها متصورا ألا أحد يراقبه أو يقدر عليه.. نحن فقط نذكره بقدرة الله سبحانه وتعالي ونتمني له النجاح في اختبارات رمضان السلوكية .. والفلاح والنجاح هنا قد لا يؤدي للتعليم العالي وكليات القمة ولكن للجنة أمل الجميع وجائزة من الله سبحانه وتعالي للعاملين المخلصين.