نحن منتشرون في كل مكان، ثق في هذا تماما، لكل واحد مثلك، معلم مثلي، إن المعلم الأول، لا يموت، ولن يموت، روحه العظمى حاضرة في كل القلوب، حتى تتوحد فيه من جديد، تتمثل فيه من جديد، والآن بعد أن أتقنت الحفظ، وامتلكت كل التعاليم، عليك أن تنتظر، ولا تمل من الانتظار، مهما طال الوقت، عليك أن تعرف، أنك في خضم مهمة مقدسة، يهون من أجلها كل الوقت، وكل المال، إنها مهمة من أجل البشرية، من أجل الإنسانية، من أجل أن يسود العدل، ويعم الرخاء، ويعيش الناس في سلام، على أرض طاهرة، وتحت سماء صافية، إننا لسنا جماعة واحدة، لكننا أفراد على عهد واحد، وما عليك فقط سوى الانتظار، ومتابعة البرنامج بشكل صارم، مهما حدث، إياك أن تفوت حلقة واحدة، إنه تلك الحمامة التي ستحمل على جناحيها نداء السلام، تلك العربة الذهبية التي ستحمل المعلم إلينا من جديد، عليك أن تقرأ التعاليم في كل يوم، مرة في الصباح، ومرة في المساء، وعليك أن تتابع البرنامج بكل حرص، وبكل اهتمام، إياك أن تفوت حرفا واحدا، همسة، جملة، إياك أن تفوت شيئا من ذلك، وإياك أن تمل من الانتظار، فسوف ننتصر حتما، ونسود العالم، وننشر الخير، ونحمل الخير للجميع، ربما غدا، بعد غد، سنة، أو أكثر، فقط حينما تسمع الشفرة عبر المذياع، وعبر ذلك البرنامج المعين، حينما تسمع عبارة "انظر إلى الأمام، ولكن تذكر أن الضربة تأتيك من الخلف دائما"، حينها فقط ارتدِ ملابسا بيضاء، وأحمل العلم الذي أعطيتك إياه، وارفع شعارنا، وانزل إلى الشارع، إلى الميدان، فنحن منتشرون جدا، ومثلنا الكثيرين، وينضم إلينا آلاف في كل لحظة، نصفنا مثلك، والنصف الآخر مثلي، إننا جيش المعلم، سوف ننزل جميعا في تلك اللحظة الموعودة، وحينها ستكتشف أن العالم كله أصبح عضوا منا، وعضوا فينا، الآن لك الوصية الأخيرة، فلن نلتقي مجددا إلى حينما يعود المعلم من جديد، إياك أن تفوت حلقة واحدة من البرنامج، وإياك أن تمل الانتظار. جلس يتذكر ذلك الكهل العجوز، ملامح ذلك الحوار الأخير، الذي دار بينه ومعلمه منذ أكثر من 40 عاما، حينما كان مراهقا صغير، آه كم هو مشتاق إليه، إلى ذلك الشاب الطاهر، المريح، المتعاون، الذي أنقذه في الصغر من فخ الضياع، ومن حفر اليأس، وفتح أمامه طريقا للحياة، فقد كان مراهقا بائسا، مشردا، من عائلة أكلها الفقر، فلم يبقى منها أحدا، تعلم على يده الكثير، وآمن بأفكاره تماما، آمن بأن هنالك من يعملون من أجل خير العالم، ومن أجل عودة المعلم الأول، الذي سيعيد النور إلى تلك الأرض المظلمة، كان جالسا في تلك الأثناء في صالة مسكنه الضيق، فهو لم يصب حظا كبيرا من الثراء في عمره، فقد كان مشغولا بما هو أهم، كان منشغلا طوال الوقت، في قراءة كتاب التعاليم، ورسائل المعلم، حتى يقتل مرارة الانتظار، وكان منشغلا بذلك البرنامج الإذاعي الذي عينه له ذلك المعلم الصغير، برنامج واحد على تردد ثابت، على محطة واحدة، أخبره بأن يظل متابعا له في كل يوم، وحتى وإن تغير البرنامج بمرور الزمن، عليه أن يتابع البرنامج الذي حل محله، وقد ظل دؤوبا على متابعة ذلك البرنامج، وقراءة التعاليم طوال هذه المدة، كان الانتظار يصيبه باليأس في أحيان كثيرة، لكنه كان يفتح خزانته السرية، ليطالع الملابس البيضاء التي جهزها ليوم النصر، وذلك العلم الخاص بهم، وذلك الشعار الرائع الذي سيحمله في ذلك اليوم، فكان يعود إليه السرور والثقة، وكان يردد في كل يوم لنفسه، ملامح ذلك الحوار الأخير بينهما. ففي اليوم الموعود سيراه لكي يرد إليه الجميل، وسوف ينعم بلقاء المعلم الأول، وسيعيش ظلال الجنة على الأرض في ذلك اليوم. كان الأمر غريبا في البداية، فذلك البرنامج، وتلك المحطة، لا تذيع إلا كل ما هو تافه، وغير نافع، ليس فيها من القول الكثير، بل إنها متقلبة جدا، أحيانا ما تكون برامجها باللغة العربية، وفي أوقات أخرى تذيع بلغات أخرى، تركية، عبرية، إنجليزية، إلخ...، بحسب ما كان يتقن من ملامح اللغات، ولكن كان يبدو له، إنها تذيع بكل لغات العالم الممكنة، وكثيرا ما سأل نفسه، كيف تكون شفرة المعلم، وشفرة التنظيم، بين أطياف الموسيقى العابثة، أو بين ذلك الهراء الذي ينطق به المعلقون والضيوف على حد سواء، لكنه برر ذلك، لدواعي السرية، والإجراءات الأمنية، فالأشرار، والشياطين، لن يلتفتوا لتلك الشفرة بين أحاديثهم، لن يتصورا أن ذلك النداء الطاهر سينطلق من أفواههم دون أن يشعروا، فكما أكد له المعلم أنهم قلة، ويتناقصون في كل وقت، وفي ذلك اليوم المشهود، سيكتشفوا أن العالم كله، بسكانه، وبكل أقطاره، صار عضوا في جماعة المعلم الأول، كان يفرح كثيرا كلما تذكر تلك اللحظات المجيدة، إنه في انتظارها على أحر من الجمر، إنها أحلى من كل ما مضى في عمره يوم زفافه، يوم ولادة طفلته الوحيدة، ويوم زواجها أيضا، كم حاول كثيرا أن يجند زوجته أو ابنته، لكنه كان يتراجع في اللحظات الأخيرة، كان يتذكر قول معلمه، إن لكل فرد معلم خاص، معلم واحد، وتابع واحد، والسر لن ينكشف إلا مرة واحدة، في موجة هادرة من البشر، من كل البشر، وفي لحظة واحدة، لهذا كان يثق أن زوجته وابنته، كانوا أفراد في ذات الصيحة، ولكن بمعلمين أو معلمات مختلفين، لذلك لم يحزن حينما توفت زوجته دون أن يدعوها لمثل هذا الأمر، فلابد أنها كانت عضوة معهم دون أن يدري، ولم يضطرب حينما تزوجت ابنته ورحلت إلى دولة غربية، فلابد أنها عضوة هي وزوجها، بل ومجمل من يعيشون في تلك الدولة الغريبة، ولكن لا أحد يعلم، نظر في ساعته، وانتبه من شروده، إنها الساعة التاسعة مساء، موعد البرنامج المقدس، هب إلى المذياع، أداره، حيث انطلق صوت البرنامج الذي تغير مئات المرات في السنوات السابقة، كان صوت المذيع يردد في همس مصطنع، اليوم سوف نناقش فكرة الخيانة الزوجية، أرجو أن تشاركوا معنا بالاتصالات الهاتفية، والرسائل القصيرة، وسوف نعود إليكم بعد هذا الفاصل، أشعل الكهل لفافة من التبغ، حيث تضخمت أذناه، وظل يستمع إلى تلك الأغنية الشعبية بكل حرص فقد ترد الإشارة، وتبث الشفرة في أية لحظة. مرت سنوات أخرى، وشهور أخرى، أشعل فيها مئات اللفافات، وقضي مجمل لياليه في قراءة التعاليم، ومتابعة البرنامج، بل إن حرقة الانتظار جعلته منعزلا عن العالم، بلا أصدقاء، أو رفاق، يعيش على معاشه الضئيل، ويستمع إلى كافة برامج تلك المحطة المزعجة، استمع إلى مئات الوصفات من الأطعمة، وكافة فضائح المشاهير، وأمور المراهقين، وتشنجات النشطاء، ومرواغات السياسيين، وفي كل يوم كان يتأكد أنه على حق، فالعالم ممتلئ بالشرور، والكاذبين، والمغفلين، العالم عالم دنس، إن العالم بحاجة إلى شمس تسطع، ولا شمس إلا بظهور المعلم الأول. كان يحزن في كل ليلة، يحس باليأس، ولكن تعاليم المعلم ورسائله، كانت تعيده إلى طريق الصواب مجددا، كانت تعود إليه الثقة، إنهم قادمون على نفس الطريق، كان يبرر لنفسه أن في كل لحظة يولد مولود جديد وفي ذات اللحظة يولد داخل جماعتهم مولود جديد، إنها فقط مسألة وقت، كمون يلحقه حركة عارمة، بيات شتوي، ستلمع من بعده شمس الخير، وتتفتح معها زهور العدالة، إن الجنين مازال فقط في مرحلة التكوين، وجنين بحجم سكان العالم، لابد أنه بحاجة إلى وقت حتى ينضج، وحتى تحين ساعة المخاض، نظر في ساعته، إنها التاسعة مساء، موعد البرنامج المقدس، رفع من صوت المذياع، فاصطدم بصوت مذيعة ناعمة، قائلة "الموضة في هذا العام لهذا الصيف هي اللون الأصفر بكل درجاته"، أشعل لفافة وجلس يستمع، متابعا كل كلمة، وكل حرف، وكل همسة. إنه يعاني من اكتئاب شديد، فقد مرت شهور، بل سنوات أخرى، ولا جديد، ولا أثر للشفرة أو النداء، صار لا يعرف النوم، يستمع إلى تلك المحطة ليل النهار، فقد شهيته للطعام، اللفافات أهلكت صدره، وقتلت حيوية الأنفاس فيه، وامتصت الشيخوخة ما تبقى من حيوية في أنحائه، ضعف السمع، واهتز البصر، كان شاحبا كما الأموات، نحيفا كما الهياكل في القبور، لقد ضاع العمر تماما، كان يبكي دونما سبب، لم يعد من حوله أحد يعرفه، إنه لم يتصل بأحد منذ سنين عدة، حتى ابنته لم يعد يعلم عنها شيئا، في كل يوم يقرأ التعاليم، يستمع للبرنامج وغيره الكثير، يدقق في كل كلمة، بل إنه من فرط الاهتمام، والملل أحيانا، صار يكتب كل كلمة ترد في تلك المحطة، ثم يعود لكي يراجعها مرات ومرات، ظن أن الشفرة قد انطلقت منذ وقت مضي دون أن ينتبه لها، ولكنه كان ينظر للشوارع، فيراها كما هي، لا وجود لمن يرتدي الملابس البيضاء، أو حاملي الأعلام، أو رافعي الشعارات، هل مرت الشفرة على الجميع دون أن يدري بها أحد؟ ولكن المعلم الأول لم يظهر، معلمه هو أيضا لم يظهر، كان مستمرا في البكاء طوال الأيام السابقة، لقد أصبح عجوزا على شفا الموت، ولابد أنه لن يلحق باللحظة الموعودة، ولن يرى ظلال الجنة على الأرض، ولن يتمتع بلحظة اللقاء مع المعلم، كان يسأل في نفسه، ماذا يفعل، هل يتحرك وحده، هل يحاول أن يكون معلما لآخرين، لعله يساعد في تقديم الموعد المنتظر، لكنه كان يعود إلى تعاليم المعلم ورسائله، إن على العضو السمع والطاعة، فاجتهاد العضو أيا كان خطأ قاتل، كان يتراجع أمام تلك الأفكار، ويعود إلى تذكر كلمات معلمه، وحوارهم الأخير، إياك أن تمل الانتظار فيذهب صاغرا مبتئسا حيث المذياع يجلس إلى جواره، قريبا منه جدا حتى يسمع ما يقال، بعدما صار سمعه واهنا مذبذبا، يرفع صوته عاليا جدا، يسمع نقاشا حادا بين شخصين، كلاهما يسب الآخر دون مبرر. في عصر ذلك اليوم اللاحق حدثت المعجزة استمع في المذياع إلى النداء الموعود والشفرة الصحيحة "انظر إلى الأمام، ولكن تذكر أن الضربة تأتيك من الخلف دائما"، كان يقفز من الفرحة رغم شيخوخته المكتملة، حينها هرول إلى خزانته السرية، فتحها بكل لهفة، وفي بطء يليق بعجوز مثله ارتداها سريعا، ثم أمسك بالعلم المعد لتلك اللحظة، وأمسك بلافتة الشعار الذهبي، نظر إلى نفسه في المرآة، كان شاحبا، مريضا، ويبدو في تلك الملابس كالمهرج، كشيخ فقد وقاره، بعدما فقد نضارته في أعوام سابقة، لكنه لم يهتم، إن هذه ليست لحظة الاهتمام بالمظاهر، إنها لحظة الشروق، موعد العدالة، لحظة يتحول فيها العالم إلى معسكر السلام والطهارة، إنه في ميدان قريب، بل في كل ميادين العالم، كل الرفاق، وكل المعلمين، وعلى رأسهم، المعلم الأول هرول مسرعا في صورة هزلية نحو الباب وهو يرفع العلم عاليا، كان يهتف بصيحات الكتاب وما فيه من تعاليم، نزل إلى الشارع، وسارع رافعا العلم، كان الشارع خاويا تماما، لكنه قال في نفسه إن الجميع قد هرعوا إلى الميادين القريبة، أو للميدان الكبير، ليشهدوا عودة المعلم الأول، ربما بينهم أو في الشاشات الكبيرة، سار مسافة كبيرة، حتى ترامى إلى سمعه صوت هدير البشر، وصيحاتهم المسعورة، لم يميز ما يقولون من ضعف سمعه، بل إنه لم يستوضح ملامحهم حينما اقترب قليلا منهم، لضعف بصره، لكنه حينما اقترب أكثر، رأى حشودا هائلة من البشر، ليست كلها ترتدي اللون الأبيض، ولا كلها ترفع ذات العلم!!، ولا كلها تنادي بذات الشعار!! بل كانت كل الألوان حاضرة، وكل الأعلام متواجدة، وكل الشعارات متصادمة، في معركة قاسية، وصدام مميت، لكنه لم يهتم، وأقنع نفسه أنه لابد من أن يرى المعلم، دلف إلى داخل الحشود، ورأى الناس يقتلون بعضهم البعض بالأيدي والأسلحة البيضاء، سالت الدماء في كل مكان، لدرجة أن اللون الأحمر قد طغى على حدود المشهد، سقط آلاف وآلاف صرعى، لذلك القتال في لحظات، وكان واحدا من القتلى، فحينما سقط أرضا من شدة التزاحم والعراك لم ينتبه إليه أحد، وداسته مئات الأقدام، فتهشمت عظامه الواهنة في الحال. كان البرنامج في تلك اللحظات يذيع مسابقة يومية، حيث قالت المذيعة في سذاجة "لماذا يغضب الثور من اللون الأحمر؟، من يعرف الإجابة عليه أن يتصل بنا حتى نهاية البرنامج".