ما زال صوته الواثق بقدرة شعبه ومساندته له فى استعادة السيادة المصرية على قناة السويس، يرن فى أذنىّ وكأنه كان بالأمس القريب.. باسم الأمة، تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس، شركة مساهمة مصرية!! كان ذلك مساء السادس والعشرين من يوليو 1956.. أوكلت الإمبراطوريتان الاستعماريتان افتتاح مؤامرة العدوان الخسيسة إلى ذيل الأسد العجوز، إسرائيل، بمهاجمة الجيش المصرى فى سيناء وهبت الإمبراطوريتان الاستعماريتان، إنجلترا وفرنسا، إلى الانضمام السافر للعدوان بإنزال قواتهما فى بورسعيد بدعاوى لا يصدقها طفل.. اعتلى جمال عبدالناصر منبر الأزهر الشريف، مؤكداً: «لقد فُرض علينا القتال، ولكن لن يُفرض علينا الاستسلام.. سنقاتل.. سنقاتل.. أنا معكم هنا فى القاهرة وأولادى أيضاً هنا!.. سرى صوته فى دماء الشعب العربى من المحيط إلى الخليج، فهبت الجماهير وفجرت أنابيب النفط من المحيط إلى الخليج، من الظهران إلى طرابلس الغرب، وهو ما لم يكن فى حسبان العدو، الذى هاله وقفة كل الشعب العربى مع مصر والتفافه حول الرجل، الذى أرادوا إخفاءه من المشهد السياسى، ، فإذا به يتحول، ليس إلى زعيم عربى فحسب، بل ولشعوب العالم الثالث، بلا منازع، انتزعت بورسعيد الباسلة تاج المقاومة، حتى قال «جيفارا»، أحد أروع رموز المقاومة ضد الطغيان الاستعمارى، لعبدالناصر: كان انتصاركم فى بورسعيد، أملنا ونحن نحارب فى الجبال! ملأنى ذلك شعوراً بالفخر بكل خطوات الزعيم، ولبيت وأنا فى سن المراهقة، نداءه بالصمود، فذهبت إلى أحد مراكز التطوع للمقاومة الشعبية، فى مدينتى الصغيرة، حلوان.. تأخر أخى، فقلقت عليه أمى، وسط أنباء القتال وطلبت من أبى البحث عنه، عاد أبى وحده، فسألته أمى ملتاعة: ما لقيتش الواد؟ أجابها بهدوء: لقيته وقد تطوع للقتال وأخفى عن اللجنة الشعبية بمدرسة حلوان الثانوية، أنه دون الثامنة عشرة بسنتين.. ضربت أمى على صدرها وقد ندت عنها صرخة.. نهرها أبى بشدة وهو يضع أصبعه أمام شفتيه: اوشت!! حاولت هى إقناعه بأنها تخشى أن يموت أخى فى سيناء.. أجابها أبى بنبرة حاسمة: ما يموت، هو أحسن من اللى ماتوا فى سيناء؟ كان هذا أول درس فى الوطنية، لقنه لى أبى الذى رأيت دموعه لأول مرة فى حياتى وهو يحتضن الراديو، ويكرر بصوت متهدج: ضربوا صوت العرب!.. لم نكن نسمع أيامها عن «التصنيف» الكريه، الذى غزا حياتنا فى العقود الأربعة الماضية وبصورة شرسة تحت حكم الإسلام السياسى، بأن هذا مسلم وذاك قبطى وآخر كافر؟، إلى آخر المفردات التى أراد بها أعداء الوطن تمزيقه أشلاء.. كان أبى مصرياً صعيدياً من أسيوط وكان مسيحى الديانة.. كنا ننصهر جميعاً، فى بوتقة واحدة، على وقع أخبار المقاومة، وبات كل منا يشعر بأنه من بورسعيد التى أذاق أبناؤها عساكر الإمبراطوريتين صنوفاً من العذاب والرعب، على نقيض «النزهة» التى حدثهم عنها قادتهم.!!.تعالت كلمات تطن فى آذانهم كالرعد: دع سمائى، فسمائى محرقة.. دع قناتى، فمياهى مغرقة، واحذر الأرض، فأرضى صاعقة.. أفسدت المقاومة وصمود المقاتلين، بعزم وإيمان بالوطن وقدسيته، ومن ثم بذل الدماء، بحيث لا يتمكن أحد من تدنيس أراضيه، أياً كانت إمكانيات وتسليح القوة المعتدية الآثمة، أفسدت حسابات قوى البغى والعدوان.. وجه الاتحاد السوفيتى إنذار بولجانين الذى هدد بضرب لندن وباريس بصواريخ نووية وأعلن أن وجود إسرائيل ذاته قد يصبح موضع تساؤل.. سارعت «واشنطن» وأنذرت الإمبراطوريتين الآفلتين بضرورة الانسحاب، حتى ترثهما وليس دفاعاً عن الحق المصرى، كما أثبت عدوان 1967، الذى توهمت أمريكا أنه مثابة الضربة القاضية للمشروع الناصرى، وكأنها لم تقرأ ملحمة بورسعيد، ولم تستوعب الدرس ولم تنصت جيداً وتتمعن فى معانى: «والله زمان يا سلاحى.. اشتقت لك فى كفاحى.. وأن.. الشعب بيزحف زى النور.. الشعب جبال.. الشعب بحور.. بركان غضبان.. بركان بيفور.. زلزال بيشق لهم فى قبور «وفاتهم أننا، قلنا حنبنى وآدى إحنا بنينا، السد العالى.. وقد نزلت وأنا مصرية، مسلمة، أتظاهر ضد عدوان 67، وصوت أبى يرن فى أذنىّ، وأتعجب رغم مرور السنين ممن لم ييأس بعد من استعمال ورقة الفتنة الطائفية التى مزقتها تماماً ثورة يونيو فى جميع الميادين وأحرقتها دماء شهداء الوطن، أكان الشهيد اسمه محمد أو مينا، وصور عبدالناصر ترتفع فى الأيادى، أو من يحاول، مثل وزير الدفاع الأمريكى، التدخل فى شئوننا الداخلية، وأقدسها على الإطلاق، أى القضاء، وفوق كل هذا، لم يتوقفوا كما يجب أمام العبارة الخالدة: «الإرادة المصرية، لا تعلو عليها إرادة أخرى» كل سنة والشعب العربى، انتصاراته مليا حياته.. وبورسعيد فى أغلى قطعة فى القلب.