ثلاث حقب رئاسية عاني خلالها طلاب الجامعات المصرية، الحكومية والخاصة الكثير والكثير من الضغوط والمضايقات والحظر السياسي، لاسيما في عهدي الرئيسين "السادات" و"مبارك" بداية من سياسة الانفتاح الثقافي والسياسي والاقتصادي خلال فترة السبعينيات مع تواصل المطاردات الأمنية لكل صاحب توجه ورأي سياسي معارض للنظام الحاكم، خاصة من قبل الناصريين واليساريين والاخوان المسلمين. هذا السيناريو استمر كذلك في عهد الرئيس السابق بشكل كربوني وإن كان بصورة أكثر مخابراتية في التعامل مع طلاب الجامعات وكأنهم عدو لدود يجب قمعه وتقييده قبل أن يغوص وينتشر في جسد المصريين وبنجاح ثورة الخامس والعشرين من يناير وفتح آفاق جديدة للمعرفة والحرية والديمقراطية بدأ الخوف يتلاشي تدريجيا من نفوس الشعب المصري وبصورة كبيرة الشبان المصريين وطلاب الجامعات. وبانتخاب د. محمد مرسي رئيسا للجمهورية عقد الكثيرين الآمال والنواصي عليه من أجل استعادة حقوق المصريين المسلوبة من قبل حكام العسكر الماضيين وتحقيق أهداف الثورة التي راح ضحيتها الآلاف من خيرة شباب الوطن. وهذا ما بدي جلياً في اجتماع الرئيس "مرسي" بشباب الجامعات أمس الأربعاء بقاعة المؤتمرات بمدينة نصر في المؤتمر الأول لإتحادات طلاب الجامعات علي مستوى الجمهورية بعنوان "نهضة مصر.. رؤية طلابية"، ليرد لهم جزءاً ثقيلا من رصيد المصريين في ميزان حاكمه. وشهد اللقاء الأول بين الرئيس وطلبة الجامعات حضور حوالي ألف ومائتي طالب وطالبة من شباب الإخوان المسلمين واتحاد شباب مصر ذات الميول الإخوانية وشباب 6 أبريل وحزبي الدستور ومصر القوية وبعض الحركات السياسية المستقلة والقيادات الطلابية من جامعة النيل، يرتدون تى-شيرتات جامعة النيل وستيكر "انقذوا جامعة النيل" ووفود من الجامعات الخاصة وخمسة من ممثلي الطلاب المعاقين علي مستوي الجمهورية . وهو ما استنكرته أماني بهجت، إحدي الطالبات بجامعة النيل بقولها "إن المسئولين عن تأمين المؤتمر أكدوا لهم أنه نظراً لضيق وقت الرئيس فإنه سيتم الاكتفاء بطرح خمسة أسئلة فقط من قبل الطلبة الموجودين بشرط أن يكون من بينهم سؤالا لذوي الإحتياجات الخاصة". وأضافت "بهجت" أن الأسئلة المختارة كانت تتم عن طريق القرعة فمن يسأل سؤالا عليه أولا أن يسجل رقمه القومي فى ورقة، ليأخذوها منه ثم يضعونها بعد ذلك فى سلة يجري عليها قرعة اختيار الأوراق صاحبة الحظ والنصيب للعرض علي السيد الرئيس، مشيرة إلي ان أحدهم كان طالباً كفيفاً فى الجامعة الأمريكية، وقد اختار 4 ورقات من بينهم بنت و3 أولاد، والبنت كانت طالبة في جامعة الأزهر والطلاب كانوا من جامعتي دمياط وكفر الشيخ . في البداية كان أسامه ياسين، وزير الشباب الحالي والقيادى الإخواني أول من يدخل من الوزراء القاعة وهو ما قابله الشباب بالتصفيق الشديد والحار والهتافات الحماسية وهم يرددون "بنحبك يا أسامة" ثم تبعه العامرى فاروق، وزير الرياضة ومصطفى مسعد، وزير التعليم العالى ورؤساء الجامعات وعدد من الشخصيات العامة ودقائق بسيطة حتي دخل الدكتور هشام قنديل، رئيس الوزراء للقاعة فصقفوا له وهتفوا "معاك يا قنديل.. بنحبك يا قنديل". وفي حدود الثانية والربع ظهرا دخل الرئيس محمد مرسي إلي قاعة المؤتمرات بمدينة نصر وسط هتافات متصاعدة من قبل جموع الحاضرين، خاصة شباب الإخوان هتفوا ارفع راسك فوق أنت مصرى، بنحبك يا مرسى، مرسى واحد مننا دمه من دمنا، النهضة إرادة شعب، مصر.. مرسى مصر.. مرسى ". في المقابل كان طلاب القوى السياسية والحركات الثورية وشباب 6 أبريل يرددون هتافات مناهضة ويطالبون بتحقيق شعارات الثورة "الشعب يريد إعدام المشير، لسه الطالب هو الحل مش هنرضى تانى بالذل". وبعد ذلك افتتح أحمد عمر، رئيس اتحاد طلاب مصر، كلمته بتحية الرئيس محمد مرسي أول رئيس مدنى منتخب فى تاريخ مصر وكذلك تحية كلا من رئيس الوزراء والطلاب وشهداء الثورة والمصابين وتحدث عن المعتقلين من الطلاب وسط هتافات مناهضة من قبل شباب الاخوان مرددين "ايد واحدة .. لايحة واحدة" . كما تحدث "عمر" عن الحركة الطلابية الوطنية ودورها الكبير فى تحرير الشعوب وتحقيق الكرامة، مؤكدا أنه الممثل الشرعى الوحيد للطلاب لفتح سبل التعاون بين الجميع من أجل لايحة طلابية واحدة، فضلاً عن جمع مقترحات وعمل حوار لإخراج اللائحة الطلابية لإستقلال الجامعات وانتخاب القيادات الجامعية. وفي ذلك التوقيت ضجت القاعة بهتاف واحد " الجامعات حره حره الفلول بره بره"، وقتئذ تحدث عن نهضة مصر والتعاون من أجل البناء وهو ما دفعهم لترديد "يلا يا مرسى شيل شيل وإحنا معاك فى التغيير". ومن جانبه بدأ وزير التعليم العالي يسرد في حديثه عن أبرز ما تحقق في عهد الرئيس وما يتم تنفيذه خلال المرحلة المقبلة من خطة الوزارة للنهوض بالتعليم في كلمة أقل ما توصف بانها انشائية لا تزيد عن عشر دقائق. في ذلك الوقت بدأ "مرسي" كلمته الافتتاحية التي استغرقت نحو نصف ساعة وسط هتافات من الجميع "الشعب يريد اعدام المشير، الخروج الآمن لا، يا نجيب حقهم يا نموت زيهم، ولحظات وما أن هدأت تلك الهتافات فأخذ الاخوان يرددون "عاش الريس مرسى عاش دم الشهدا ماراحش بلاش، المرسى واحد مننا ، همه هو همنا، هيجوزنا كلنا". وكان الخطاب الديني يغلب بشكل كبير علي كلمة الرئيس أمام طلاب الجامعات، فضلا عن ضرورة الاهتمام بالعلم والتعليم والبحث العلمي وضرورة الإشتراك والتعاون لعمل اللايحة وجه التحية لسوريا وكله هتف "سوريا ومصر إيد واحدة". كما أصدر "مرسي" قرارا جمهورياً بمعاملة الطلاب السوريين في القاهرة نفس معاملة الطلاب المصريين، حينئذ هتف الجميع لسوريا "سوريا حره بشار بره "، ثم انتقل بعد ذلك للحديث عن القضية الفلسطينية وعن إنها قضيتنا الأولي منذ قديم الأزل، فضجت القاعة بالهتاف "بالروح بالدم نفديك يا فلسطين". ومن جهته أبدى الرئيس "مرسي" رغبته الشديدة فى إنتخاب رؤساء الجامعات بشكل شخصى، لكنه في الوقت ذاته لا يريد مخالفة القانون أو يستخدم السلطة التشريعية "المؤقتة" التى فى يديه . وجاءت الأسئلة في مستوي اللقاء فكانت إلي حد ما متوازنة وثورية، حيث كان السؤال الأول موجها من قبل إحدي الطالبات في جامعة الأزهر حيث سألته إلي متى ستظل وزارة الأوقاف خاضعة للفلول ومتى يتم تطوير الوزارة؟ فجاء رده أنه يتمنى إنتخاب العمداء وغيره ولكن بالقانون. أما السؤال الثاني فكان عن مشروع النهضة والتنمية والسر وراء عدم تطبيق الحد الأدني والأقصي للاجور، وثالث الاسئلة كان له علاقة بطلب فردى لجامعة دمياط التابعة للمنصورة، والسؤال الرابع موجه للرئيس "مرسى" أن الإعلام يتربص به وأنه المسئول الوحيد أمام الشعب بعد المائة يوم ثم اختتمها في النهاية قائلا "إن الشعب سيدعمك" ولم ينس أن يذكر "مرسى" بجملة الشيخ "الشعراوى" التى قالها للمخلوع "مبارك" إذا كنت قدرنا فليوفقك الله، وإذا كنا قدرك فليعنك الله على أن تتحمل". وصاحب السؤال الخامس كان طالب من كلية دار العلوم من متحدى الإعاقة وبدأ كلماته بشعر وقرآن ثم بعدها ل"مرسى" أن هناك نحو 10 مليون معاق فى مصر كيف سيتعامل معهم؟ فرد الرئيس قائلاص "إن متحدى الإعاقة دول أبناءنا وإن دعمهم واجب علينا وإن كل ذلك متوفر بمشروع النهضة". وفى أخر المؤتمر هتف طلاب جامعة النيل بأعلي الصوت "جامعة النيل يا ريس" فقال لهم إن الموضوع قيد النظر وإنهم أرسلوا خبراء لكي يعاينوا المساحات الخاصة بالجامعة". وعن اللوائح الطلابية تقدم طالب بسؤال متى سيكون هناك لائحة تليق بالطلاب وتحترم حقوقه وتشمل حرية الرأى وتداول المعلومات فى الجامعة والبعد عن التضيق وعمليات النقيد داخل الجامعات التى تقتل الكوادر فى الجامعة؟ فجاء رد "مرسى" حاسماً بأنه سيعمل على ضمان تعديل اللوائح الحالية بما يضمن الحقوق الكاملة للطلاب، وعن جامعة النيل أجاب أنه سيتم حل المشكلة فى الفترة القريبة القادمة وأنه قد عقد أجتماع مع د. زويل ورتب جامعة النيل لإيجاد حل سيلعن عنه قريباً. وإنتهى اللقاء بخروج الرئيس مع موكبه وبعد الطلاب الذين أعترض بعضهم على عدم أخذ حقهم فى السؤال وعلى طريقة اختيار الاسئلة التي كانت تجري في عهد المخلوع مبارك، مؤكدين أنه كان يجب أختيار سؤال من كل جامعة للتعبير بشكل مبسط عن كل الجامعات. ومن جهة أخرى أعترض البعض على عدم تمثيل الجامعات الخاصة فى اللقاء وتهميشهم رغم أنهم طلاب جامعات مصرية. وعلي صعيد اخر رصدت "الوادي" لقاءات الرئيس المخلوع "حسني مبارك"، بشباب الجامعات والتى كانت في معظمها مجرد لقاءات شكليه تعرض على التليفزيون بعد الإختيار الأمني لكافة الطلاب الحاضرين وهو ما كان يجعلها شكليه خالية من المضمون. وكان اللقاء الذى ينظم كل عام للقاء الطلاب يتم التحضير له بإختيار طلاب ذو معايير محدده أغلبهم من شباب الحزب الوطنى، وأمانة سياساته أو من يحصلون علي تزكيه من قبل أساتذه الجامعة أو الطلاب المتفوقين أو الحاصلين على جوائز الدولة فى أنشطة الجامعة. وكان الشرط الأساسى والمعايير الرئيسية المتبعة آنذاك هى خلو تلك المؤتمرات من طلاب المعارضة، لاسيما جماعة الاخوان المسلمين. وكانت الأسئلة عن بعض المشكلات التى تحدث فى المجتمع ويشوبها مدح للرئيس ومراعاة لمسئولياته وهموم الوطن التى لا تنتهى وهو ما جعل هذه اللقاءات على مر 30 عاماً خاويه من الفائدة حتي صارت عبئاً علي المصريين، حيث يتم تأمين أماكن اللقاءات بعربات الأمن المركزى وجنود الأمن الجرارة، فضلا عن منع المواطنين من الإقتراب من المكان الذى ينعقد فيه اللقاء بجانب خوف الطلاب المختارين من طرح أى سؤال به عرض لمشكله طلابية بطريقة تزعج الرئيس، فتزعج الأمن الذى يصطحب صاحب السؤال "لما وراء الشمس" كما كان يجري وقتها. ومن منا ينسي ذلك اللقاء الذي جمع الرئيس الراحل أنور السادات بإتحادات طلاب الجامعات المصرية خلال عام 1977، في حضور كلا من حمدين صباحي وعبدالمنعم أبو الفتوح في مؤتمر "الديموقراطية" لشباب الجامعات والذي كان فيه الرئيس صدره متسعا لكافة التيارات الليبرالية والناصرية والاخوانية وكان "أبو الفتوح" يراس اتحاد طلاب جامعة القاهرة. واتهم أبو الفتوح "السادات" وقتها بأن من يعمل حوله هم مجرد شلة من المنافقين، معللاً ذلك بمنع الشيخ محمد الغزالي من الخطابة، واعتقال طلاب تظاهروا في الحرم الجامعي. وكيف أحرج هذا الشاب رئيس الجمهورية وأخرجه عن وقاره وجعله يصرخ فيه منفعلاً "قف مكانك .. مكانك ، اتعلموا الأدب، دي مش صراحة ده مش شغلك الزم حدود الأدب أنا غير مستعد إني أسمع أي كلام خارج عن حدود الأدب، إلزم مكانك وحدودك". في المقابل انتقد صباحي سياسات "السادات" الإقتصادية المنفتحة والفساد الحكومي والتطبيع مع الكيان الصهيوني بشدة، خاصة بعد توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" في أعقاب حرب السادس من أكتوبر وترك الأمور كلها في يد الولاياتالمتحدةالأمريكية. حدث ذلك في اللقاء السنوي وشباب الجامعات المصرية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي وكان هذا الانفعال وتلك المواجهة بقعة سوداء في ثوب النظام الحاكم آنذاك ، خاصة بعد أن تعقب أمن الدولة الشاب الذي عارض الرئيس الممثل للدولة. ومن ثم فبالمقارنة بين هذا وذاك وهؤلاء يتضح للجميع كيف أنه انفتحت مجالات عديدة أمام أفاق الحرية والديمقراطية من بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، وهو ما يبدوا جليا فى محتوى اللقاءات الإعلامية التي تجري بين الرئيس والطلبة، تلك الحرية التى أكتسبها شباب مصر من الثورة والخوف الذى تلاشى. وهو ما بدا بشكل واضح فى اللقاء الذي جمع بين "مرسي" وطلبة الجامعات حيث لم يتم تلقين الأسئلة للطلاب كما كان يجري من قبل ولكن كل سؤال قدم كما هو وتم اجراء القرعة أمام أعين السائلين، كما حضر اللقاء طلاب يستحقون الحضور وملائمين له وقوات الأمن كانت موجودة ولكن للتأمين لا اصطحاب الطلاب للتحقيق معهم بسبب سؤال سياسي أو خروج عن النص.