مع حلول شهر رمضان المبارك، لا يقتصر الصيام على كونه عبادة روحية فحسب، بل يمثل فرصة ذهبية لإعادة ضبط الساعة البيولوجية للجسم، ومنحه فترة راحة حقيقية تساعد أعضاءه المختلفة على استعادة كفاءتها ونشاطها، بعد إرهاق طويل بسبب العادات الغذائية الخاطئة على مدار العام. ويؤكد خبراء التغذية أن الصيام الصحيح يمكن أن يتحول إلى وسيلة علاجية وقائية، بشرط الالتزام بنظام غذائي متوازن عند الإفطار والسحور، لتجنب الخمول واضطرابات الهضم. كيف يستجيب الجسم للصيام؟ توضح الدكتورة إيمان شحاتة، الباحثة ب معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية، أن فوائد الصيام تمتد لتشمل أجهزة الجسم كافة، ولا تقتصر فقط على الجهاز الهضمي. وتشير إلى أن الامتناع عن الطعام لساعات طويلة يمنح الجهاز الهضمي فرصة لاستعادة كفاءته، حيث تتحسن عمليات الهضم والامتصاص والإخراج، ما ينعكس إيجابيًا على تقليل اضطرابات القولون والانتفاخ. وعلى مستوى القلب والجهاز الدوري، يقل العبء الواقع على عضلة القلب، وتبدأ الأوعية الدموية الدقيقة في التخلص تدريجيًا من الكوليسترول والدهون المتراكمة، الأمر الذي يساهم في تحسين كفاءة الدورة الدموية. أما جهاز المناعة، فيشهد تحسنًا ملحوظًا خلال الصيام، نتيجة زيادة نشاط الخلايا الليمفاوية وارتفاع معدلات الأجسام المضادة، مما يعزز قدرة الجسم على مقاومة الأمراض. وبالنسبة لمرضى السكري، يعمل الصيام كمحفز طبيعي للغدد الصماء، حيث يعتمد الجسم على حرق الجلوكوز الزائد لإنتاج الطاقة، وهو ما يساعد على خفض مستويات السكر في الدم بشكل تدريجي وطبيعي، مع ضرورة المتابعة الطبية. خارطة طريق لإفطار صحي بلا تلبك لتحقيق أقصى استفادة من الصيام وتجنب اضطرابات المعدة، تنصح الباحثة باتباع ترتيب ذكي ومتدرج لوجبة الإفطار. ويُفضل البدء بتناول عدد فردي من التمر، لمد الجسم بالسكريات البسيطة والبوتاسيوم سريع الامتصاص، مع شرب سوائل فاترة مثل الماء أو اللبن الرائب، لتنبيه المعدة وتجنب التقلصات الناتجة عن المشروبات المثلجة. بعد ذلك، يُنصح بتناول كمية معتدلة من الشوربة الخفيفة مثل مرق الدجاج أو اللحم منزوع الدهون، لتهيئة المعدة بعد ساعات الصيام الطويلة. وتلعب السلطة الخضراء دورًا محوريًا في الشعور بالشبع، بفضل احتوائها على الألياف التي تقلل الرغبة في الإفراط بتناول النشويات والدهون. أما الطبق الرئيسي، فيجب تقسيمه بطريقة متوازنة، بحيث يحتوي على 50% خضروات مطهية صحيًا، و25% بروتين، و25% كربوهيدرات معقدة مثل الأرز أو الخبز الأسمر، مع ضرورة الحد من المقليات ك«السمبوسك» والصوصات المصنعة الغنية بالسعرات الحرارية. السحور.. خط الدفاع الأول ضد الخمول تُعد وجبة السحور الركيزة الأساسية للصائم، ويُفضل تناولها قبل أذان الفجر بنحو ساعة، لما لها من دور مهم في الحفاظ على استقرار مستوى السكر في الدم والوقاية من الصداع والكسل أثناء ساعات النهار. مكونات السحور المثالي يجب أن تجمع وجبة السحور بين الكربوهيدرات المركبة مثل القمح الكامل، والبروتينات كالفول والبيض والزبادي، لضمان الشعور بالشبع لفترة أطول. كما تنصح الدكتورة إيمان شحاتة بالإكثار من الخضروات الغنية بالماء مثل الخيار والخس، إلى جانب الفواكه الغنية بالبوتاسيوم كالتمر والموز، للمساعدة في تقليل الإحساس بالعطش ومقاومة الخمول خلال الصيام.