لم يكن رحيل الشيخ«النقشبندي» نهاية لصوتٍ ملأ الدنيا خشوعًا، بل كان بداية لارث من التسجيلات تردد في كل بيت مع حلول شهر رمضان، فصوته الذي ارتبط بموعد الأذان والدعاء، تحوّل إلى أحد أهم ملامح الشهر الفضيل، حتى بات حضوره طقسًا رمضانيًا لا يكتمل بدونه. بدأ الشيخ سيد «النقشبندي»،حيث نشأ ب قرية شندويل بمحافظة سوهاج، فكان والده يصطحبه إلى حلقات الذكر وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره،هناك تشكلت ملامح موهبته، وبدأ صيته يذيع في أرجاء القرية بصوته العذب وحنجرته المتميزة التي استحقت لقب "الكروان". صورتة مع السيدة ام كلثوم وكان له أخ غير شقيق يُدعى مواردى، كما ظل مرتبطًا بعائلته الممتدة بشندويل، خاصة عائلة "آل عليو الشندويلي"، التي احتفظ معها بعلاقات وثيقة، وكان دائم التواصل معهم، حتى نقلت أسرته لمركز طهطا بل وأهدى صورة تذكارية لابن خاله ضياء الدين الحاج حسين الذي تربى معه وكان بمثابة الأخ. خلال الفترة التي عاش فيها في صعيد مصر، أسّس الشيخ الشيخ (النقشبندى) مدرسة ابتهالات، وكان لها أثرٌ كبير في تخريج جيل من المبتهلين الذين سارو على نهجه في الأداء والخشوع والالتزام بالمقامات الأصيلة. ومن أبرز من تتلمذو على يديه الشيخ الشيخ عبد الواحد إسماعيل، الذي اشبهة استاذة فى الأداء ونبرة الصوت، وكان الفضل لعائلة فى تربية الشيخ سيد النقشبندي (طنطا محطة الانتشار) في عام 1955، استقر الشيخ سيد النقشبندي بمدينة طنطا، وهناك بدأت مرحلة جديدة من التألق. انتشرت شهرته في محافظات مصر، ثم امتدت إلى الدول العربية، خاصة بعد أن فتحت له الإذاعة المصرية أبوابها، ليسجل عشرات الابتهالات والأناشيد والموشحات الدينية التي أثرت المكتبة الإذاعية. وفي عام 1967، اقترح الإذاعي مصطفى صادق على بابا شارو تقديم دعاء يومي في رمضان بعد أذان المغرب، فكان صوت النقشبندي هو الاختيار الأمثل. ومنذ ذلك الحين، ارتبط اسمه بالشهر الكريم، وصار أحد أبرز رموزه الروحية. "مولاي".. لقاء الصوت باللحن من أشهر أعماله أنشودة "مولاي"، التي لحنها الموسيقار بليغ حمدي بتشجيع من الرئيس الراحل محمد أنور السادات. ورغم أن الشيخ كان متحفظًا في البداية على فكرة التعاون مع ملحن وتقديم الابتهال بمصاحبة موسيقية، فإنه اقتنع بعد الاستماع إلى اللحن، ليقدم بعدها ستة ابتهالات أخرى بالتعاون مع بليغ، شكلت نقلة نوعية في مسيرته، دون أن يفقد طابعه الصوفي الخالص. نال الشيخ سيد النقشبندي العديد من الأوسمة والنياشين من مصر ودول عربية وإسلامية عدة،فبعد وفاته، منحه الرئيس محمد أنور السادات وسام الدولة من الدرجة الأولى عام 1979، كما كرّمه الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك عام 1989 بمنحه وسام الجمهورية من الدرجة الأولى في احتفال ليلة القدر، تقديرًا لعطائه الفني والديني. (اللحظات الأخيرة دعاء الوداع) في 14 فبراير 1976، حضر الشيخ إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون بالقاهرة ليسجل دعاء "سبحانك ربي سبحانك" وبعد عودته إلى طنطا، تعرض لأزمة قلبية مفاجئة لم تمهله طويلًا، ليفارق الحياة وهو لم يكمل السادسة والخمسين من عمره، المفارقة المؤثرة أن الإذاعة كانت تذيع دعاءه الأخير في اللحظة نفسها التي فاضت فيها روحه. وقد عُثر في جيبه على ورقة كتب فيها بخط يده وصية مؤثرة، أوصى فيها بالإحسان إلى زوجته وأبنائه، وألا يُقام له مأتم، وأن يُدفن إلى جوار والدته. رحل الجسد، لكن الصوت بقي. بقيت ابتهالاته تتردد في المساجد والبيوت، وبقيت نبرته التي لا تضاهيها نبرة شاهدًا على مدرسة فريدة في الإنشاد الديني. كما تتلمذ على يديه عدد من المنشدين، من بينهم الشيخ عبد الواحد إسماعيل الذي تشابه معه في قوة الأداء ونبرة الصوت. هكذا يظل الشيخ سيد النقشبندي واحدًا من أعلام الابتهال في العالم الإسلامي، وصوتًا صادقًا خرج من قرية صغيرة في صعيد مصر ليصل إلى قلوب الملايين، وليثبت أن الفن حين يمتزج بالإيمان يصبح خالدًا لا يغيبه الزمن.