30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الأربعاء 22 آبريل    ارتفاع أسعار النفط رغم تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران    CNN عن مسؤولين أمريكيين: احتمال عقد اجتماع قريبا بين مفاوضي أمريكا وإيران    التعاون الإسلامي تدين استهداف أمن واستقرار الإمارات    موعد اعتماد جدول امتحانات الدبلومات الفنية 2026    شاهد، فنانات رفعن شعار "طيبة تاني لا.. حب تاني لا" في مهرجان سينما المرأة بأسوان    ماكرون يلوح بمراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل    الأكبر في التاريخ، البنتاجون تطلب ميزانية 1.5 تريليون دولار للسنة المالية الجديدة    محمد علي السيد يكتب: ناصر وإسرائيل.. حرب بالعسكرية والصحافة    سوزان إسكندر تفتح أبواب الحرمين بصور نادرة في معرض «أطياف الحرمين» بالقاهرة    انقلاب شاحنة محملة بالوقود على «الدائري الإقليمي»    مجلس الوزراء السعودي: الموافقة على مذكرة تفاهم مع مصر للتعاون في مجال الطرق    أحمد هاشم يكتب: أفاعي «الإخوان» «8»    خبير اقتصادي: غياب التضامن مع رؤية مصر 2015 أحيا مخططات تفتيت المنطقة    برنت يقلص مكاسبه بعد تمديد وقف إطلاق النار مع إيران    "الصيادلة" تلزم خريجي الجامعات الخاصة والأجنبية برسوم قيد تصل إلى 23 ألف جنيه    بعد تراجع 100 دولار.. الذهب يقلص خسائره في بداية تعاملات الأربعاء بالبورصة العالمية    الدفاع البريطانية: مخططون عسكريون من 30 دولة سيعملون على وضع خطة لإعادة فتح مضيق هرمز بعد انتهاء الحرب    إبراهيم عادل: الأهلي تفاوض معي في يناير عن طريق النني    واشنطن تفرض عقوبات على شبكة تزود إيران ببرامج الصواريخ والطائرات المسيرة    ضبط 231 مخالفة متنوعة بمدن ومراكز الدقهلية في 3 أيام    قصور الثقافة: تسجيلات صوتية نادرة لحليم وفريد الأطرش بمركز الطفل للحضارة الأحد المقبل    .. إجراءات حاسمة من محافظ سوهاج لفرض الانضباط داخل المستشفيات    تعرف على تفاصيل جلسة وزير الرياضة مع لجنة الشباب بمجلس النواب    محمود بسيوني حكما لمباراة المصري وإنبي في الدوري    إبراهيم عادل: أبو تريكة مثلي الأعلى منذ الطفولة.. وأسرتي سر رحلتي    نابولي يطالب لوكاكو بالبحث عن فريق جديد    بيتيس يصالح جماهيره بفوز ثمين في معقل جيرونا بالدوري الإسباني    القرار في الدرج، والد زيزو يهاجم اتحاد الكرة بعد تأخر إعلان الحكم في أزمة نجله مع الزمالك    وزير التعليم العالي يهنئ أشرف حاتم لفوزه بعضوية لجنة الصحة بالاتحاد البرلماني الدولي    شركات تفقد أفضل عقولها... وأخرى تجذبهم دون إعلان: أين يكمن الفرق؟    مجلس الوزراء: مصر نجحت قدر المستطاع في احتواء تداعيات الحرب الإيرانية    محافظ الغربية يواصل متابعته اليومية لانتظام حملات النظافة وتطبيق مواعيد غلق المحال    السيطرة على حريق ضخم داخل مصنع أثاث بقرية شطا في دمياط    الهند: مقتل رجل في انفجار بمحل للخردة في شمالي الهند    ضبط شخص لاتهامه بالتحرش بفتاة فى مصر القديمة    ضبط المتهم بالتعدى على سائق فى حلوان    احتفالية نادي السعادة لكبار السن بتكريم الأمهات المثاليات من أعضاء النادي بالدقهلية    شهباز شريف: سنواصل جهودنا للتوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران    في نقاط، وزارة العدل تسرد منظومة تعليق الخدمات للممتنعين عن سداد النفقة (إنفوجراف)    عنكبوت في القلب لمحمد أبو زيد.. حينما يتمرد الشاعر على سياق الرواية    بحضور شخصيات عامة.. الفنانة التشكيلية نازلي مدكور تفتتح معرضها الاستعادي أنشودة الأرض    طلاق إيسو وويسو في الحلقة 9 من مسلسل اللعبة    تطورات إيجابية في حالة هاني شاكر.. تقليل الاعتماد على أجهزة التنفس داخل مستشفى بفرنسا    محامي هاني شاكر يطالب بالدعاء ويحذر من الشائعات حول حالته الصحية    إنتر ميلان يقلب تأخره إلى فوز ويخطف بطاقة التأهل إلى نهائي كأس إيطاليا من كومو    الصحة: حريصون على توفير أحدث أنواع بروتوكولات العلاج العالمية داخل مصر    نجاح جراحة نادرة بمستشفى الزهراء الجامعي، علاج "متلازمة برادر ويلي" بالمنظار    أسرة الشاب أحمد في البحيرة: مصاب ب كانسر ويحتاج حقن مناعية ب ميلون ونص سنويًا    فرص عمل جديدة برواتب تصل ل11 ألف جنيه في القطاع السياحي بشرم الشيخ    إخوتي يؤذونني فهل يجوز قطع صلة الرحم بهم؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    سمير صبري: مثول مدبولي أمام البرلمان خطوة مشرفة تؤكد احترام الحكومة للمؤسسات الدستورية    نسي رمي الجمرات لنفسه وزوجته.. ماذا عليه؟    رئيس جامعة كفر الشيخ يفتتح المعارض السنويه لكلية التربية النوعية    أمين الفتوى: الدجل والشعوذة حرام شرعا وتصديقها خطر (فيديو)    الصحة: اعتماد كامل لمركز أورام كفر الشيخ وفق المعايير المعتمدة دوليا    أنغام: بحق اسمك الشافي يارب تشفي حبيبي وأستاذي هاني شاكر    مياه سوهاج تكرم حفظة القرآن الكريم والأمهات المثاليات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ننشر نص كلمة شيخ الأزهر خلال افتتاح اللقاء العالمي حول وسطية الإسلام .. فيديو
نشر في صدى البلد يوم 01 - 05 - 2018

ألقى الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين، صباح اليوم، الثلاثاء، الكلمة الرئيسية في الجلسة الافتتاحية للقاء التشاوري العالمي للعلماء والمثقفين حول وسطية الإسلام، بحضور الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو، ولفيف من كبار الشخصيات الدينية في العالم، وذلك في قصر الرئاسة بمدينة بوجور الإندونيسية.
وفيما يلي نص الكلمة:
"بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس/ جوكو وي دودو رئيس جمهورية إندونيسيا
السادة العلماء والمثقفين ضيوف المؤتمر
الحضور الكريم!
السَّلامُ عَلَيْكُم ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُه.. وبعد؛
فإن الموضوعُ الذي أَشْرُفُ بالحديثِ فيه اليوم هو موضوعٌ بالغُ الخَطَرِ والأهميَّة، رُغم ما حفل به من أبحاثٍ ودراسات لا تكاد تُحصى، ورُغم ما طرقته الأقلام في الكتب والصُّحف والمجلَّات والمؤتمرات، حتى بدا وكأنه لم يَعُد يَقْبَل مزيدًا من البَحْثِ أو النَّظَرِ من كَثرةِ ما قِيلَ فيه وكُتِبَ عنه.
هذا الموضوع، القديم الجديد المُتجَدِّد هو «الوسطيَّة» التي تَرِد دائمًا مقرونة بالإسلام، إضافةً أو وصفًا، فيُقال: «وسطية الإسلام» كمايُقال: إنَّه «دين الوسطية»، ومن المعلوم لدى المسلمين جميعا، أن الله تعالى وصف هذه الأمة بأنها أُمَّة وسط فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾[البقرة: 143]، وأن النَّبيَّ (صلى الله ليه وسلم) فَسَّرَ«الوَسط» في هذه الآية بأنه «العدل»، فقال: "الوسط العدل، جعلناكم أُمَّةً وسَطًا".
وقد قيل الكثير في تحليل معنى الوسطيَّة وارتباطها بالعدل وجوامع الخير انطلاقًا من الحديث النبوي السابق، واستنادًا إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾. [القلم: 28]، فقد قال المفسِّرون: أي أعدلُهم وأخيرُهم، ومن هنا قيل: «كلُّ وسَطٍ خَيْرٌ، وكلُّ وسَطٍ أفضل من طرَفَيه دائمًا».
وكما قال الإمام الخطابي في كتابه العزلة:
لَا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَمْرِ وَاقْتَصِدْ
كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ
ورُغم وضوح معنى «الوسط» في القرآن الكريم والسُّنَّة المطهَّرة، وارتباطِه بمعنى العدل والخيريَّة، إلَّا أنَّ هذا المفهوم تعرَّض لما تعرَّضت له مفاهيمُ أخرى من اختلافٍ وتنازعٍ، مثل: مفهوم أهل السُّنَّة والجماعة، ومفهوم السُّنَّة والبِدعة، بل مفهومِ التَّوحيد الذي هو أصل الأصول وعمودُ خَيمةِ الدِّين، وليس من المبالغة أن أقول: إنَّ اختلافَ المسلمين في القرنين الماضيين حول هذه المفاهيم؛ كان من وراء ما أصاب الأُمَّة من فُرقة واختلافٍ وضَعْفٍ وغَرَقٍ في بحورٍ من الدِّماء.
ومما يُذكر عادةً في معرِض الحديث عن «وسطيَّة الإسلام» أن بعض العلماء قرن بينها وبين وسطيَّةِ أرسطو في الأخلاق، والتي اختصرها في قاعدته الشهيرة التي تُقرِّر أنَّ"الفضيلةَ وسط بين رذيلتين"، فالفضيلة عنده هي «الوسط»، ولكنه الوسطُ الذي يُشكلُ نقطةً متوسطة تمام التوسط بين رذيلتين، كلٌّ منهما تقعُ على مسافةٍ متماثلةٍ من هذا الوسط، فالشجاعةُ فضيلةٌ؛ لأنها وَسَطٌ بين رذيلتين هما: التهوُّر والجُبن، والكرمُ فضيلةٌ؛ لأنَّه وَسَطٌ بين رذيلتين هما: الإسراف والبُخل، والصبرُ فضيلةٌ؛ لأنه وسطٌ بين القَسوةِ والتَّبلُّدِ، وهكذا، فخِيارُ الأمورِ عنده أوساطُها، لكنَّها الأوساطُ التي تنتهي يمينًا وشمالًا برذائل هي شرورٌ وآثامٌ.
ولكن كثيرًا من علمائنا الأَجِلَّاء بيَّنوا خطأ هذا التَّوفيق أو التَّلفيق بين وسطيَّةِ الإسلام ووسطية أرسطو، ونبَّهوا إلى أن الوسطيَّةَ الإسلاميَّةَ ليست من هذا الباب؛ لأنَّ الفضائل الإسلاميَّة قد يَنطبِق عليها المعيار الأرسطي في نقطة التَّوسُّط في بعض الفضائل، وذلك حين يكون المسلمُ مُضطَرًّا لأن «يختار بين شر وشَرٍّ أهون منه»، فهاهنا تَظهرُ قِيمةُ الوسط أو الاعتدالِ الذي يَحسُنُ التَّمسُّك به، ولكن هذا المقياسَ الذي يُشبِه مقاييسَ الحساب والهندسة لا يَنطبقُ على كثيرٍ من نماذج الفضائل الإسلاميَّة التي لا يُمثِّلُ «الوسط» فيها ذُروةَ القِيمة الخُلُقية، فالكرَمُ في ميزان وسطية الإسلام لا يقال فيه: إنَّه فضيلةٌ لأنَّه وَسَطٌ بين رذيلتينِ، وأنَّه إذا بَعُدَ عن الوَسَط انقلب إلى رذيلةِ السَّرَف، أو رذيلةِ البُخل؛ وإنَّما الأمرُ على العكس من ذلك، إذِ الزيادةُ في الكرمِ –مهما عَظُمت وبَعُدَت عن الوسط- فهي كرمٌ كبيرٌ مطلوبٌ من القادر عليه، ومهما زادَ الكرم يظل فضيلةً مشكورةً لا توصَفُ بالسَّرَف أو التَّبذيرِ.. ومن هذا القَبيل ما رُويَ في الصحيح من أنَّ أبا بكر الصديقَ–رضي الله عنه- تصدَّقَ بكلِّ مالِه على جيش المسلمين، وحين سأله النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟، قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ».
ومن هنا قيل: «لا خَيرَ مع السَّرَف، ولا سَرَفَ مع الخير».
وسببُ هذا الاختلاف هو اختلافُ المعيارِ بين الوسطيَّة الإسلاميَّة والوسطية اليونانية: مُنطلَقًا وغايةً، فبينما تُوَجِّه الفلسفة اليونانية وجهَها تِلقاءَ المال المبذول ومصلحةَ مَن يبذُلُه، تنظر الفلسفة الإسلاميَّة إلى «الباعثِ الموجِبِ ومصلحةِ المبذولِ له حتى لو تعارضتْ مع مصلحةِ الباذلِ في بعض الأحيان».
ويذهب بعضُ المفكِّرين المسلمين من المعاصِرين إلى أنَّ مفهومَ «الوسطيَّة والاعتدال» قد اختُطف في الأعوام الأخيرة إلى مجالِ ما يُسمَّى «الإسلام السِّياسي»، وذلك حين عمَدَ بعضُ الكُتَّاب الغربيِّين إلى حَشرِ المسلمينَ كلِّ المسلمين في سَلَّة الإرهاب، بما يَستلزِمُ بالضَّرورة إفراغَ «الوسطيَّة والاعتدال» من معناهُما الشَّرعيّ إفراغًا تامًّا، وحتَّى حين ميَّز البعضُ الآخَرُ منهم بين الحركات الإسلاميَّة المتطرِّفة والحركات المعتَدِلة – فإنَّهم خَلَطوا خَلْطًا عجيبًا بين «العَلمانيَّة المتطرِّفةِ» ، وبين «الاعتدالِ والوسطيَّة الإسلامية».
وهذه التأويلات التي ذهبت مذاهب شتَّى في تفسير «الوسطيَّة الإسلامية» حَملَت بعضا آخَرَ من العلماء المسلمين على أن ينظُرَ لهذه الوسطية الإسلامية من منظور آخَرَ مختلِفٍ تماما عن منظور «القِيمة المعيارية» الخُلُقيَّة فنَقَلَها إلى المجال «الأنطولوجي» الوجودي، وفَسَّرَ «الآية الكريمة» على أنها إخبارٌ من الله تعالى بأن أمَّةَ الإسلام إنما جاءت لتُمثِّل «الأمةَ الوسط» بالقياس إلى ما كانت عليه الأمم السابقة، ثمَّ فَسَّر «الوسط» بأنه إحياءُ عهدِ إبراهيم عليه السلام بعد ما تعرَّضَ هذا العهد لما تعرض له على أيدي الأمم السَّابقة، وأن قولَه تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ يؤكدُ ذلك.
وأيًّا كان أمر الاختلافات المعاصِرة في تفسير الوسطيَّة؛ فإنَّ القَدْرَ الذي ينبغي الاحتفاظُ به هو: أن حديثَنا اليوم عن الوسطيَّة يجب أن يَنتقِلَ من مجالِ البحث والنظر إلى مجال العمل والتَّطبيق، وأن يكون حديثُنا عنها في مؤتمراتِنا ليس حديثًا تُملِيه العواطف الجيَّاشة لمجرَّد الكشف عن جماليات هذا الدِّين الجميل، وإنَّما لإعادة استكشافِ هذه الحقيقةٍ القرآنيَّة التي شاءها الله أن تُشكِّل إطارًا حاكِمًا لمضامين هذا الدِّين الحنيف: عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا، والنزول بهذه الحقيقة إلى أرض الواقع وبعثها من جديد في وعي هذه الأمة ومسيرتها، وبحيث يَصْدُق الحُكمُ بأنَّ أمَّة الإسلامِ إمَّا أن تكون أمَّة وسَطًا، وإمَّا ألَّا تكون، والمسلمون –اليوم- هم أمسُّ الناس حاجةً من أي وقتٍ مَضَى لأن يُدركوا أنأيَّ انحرافٍ عن مجال الوسطية إلى طَرَفٍ من طرَفَيها المتقابلين، يصيبُ هذا الدين العظيم في مَقتلٍ، سواءٌ في ذلك الخروج إلى طرف الغُلو والتَّطرُّف، والخروجُ إلى طرف العَلمنةِ أوالحداثة المستوردة، وعلينا أن نَفهمَ من فلسفة الوسطية أنَّ طرَفَ التزيُّدِ لا يقلُّ إفسادا للدِّين عن طَرَفِ التنقُّصِ منه، فكلاهما مذمومٌ وقبيحٌ ومرفوضٌ، وعلينا أن نعلمَ أيضا أن الذي يَتشدَّد ويُغالي ويحرِّم الحلال في الدين ليس أقلَّ جُرمًا، ولا أنجى مآلا من الذي يُحِلُّ ما حرم الله، كلاهُما معتدٍ على حُرمة الإسلام، وكلاهما خارج على حدوده وتعاليمه، وكلاهما كاذبٌ يزعُمُ لنَفسِه حقَّ التشريع في الدين بما لم يأذن به الله.
سيادة الرئيس!
الحفلُ الكريم!
إن الوسطية مظهر من مظاهرِ رحمة الله بخَلْقِه، تتجلى بأبهى حُلَلِها في يُسرٍ هذا الدين ورفعِ الحرج عن عباده المؤمنين به، هذا الدين الذي قال الله عنه:
﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ البقرة: 185.
وقال: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ الحج: 78.
وكررها في آية أخرى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾.
كما قال عز وجل: ﴿ونيسرك لليسرى﴾ أي: للشريعة المتميِّزة باليُسر.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدِّين يُسرٌ، ولن يشادَّ الدِّين أحدٌ إلَّا غَلَبه».
ويقول: «هلك المتنطِّعونَ»، قالها ثلاثا. والمتنطعون –فيما يقول علماء الحديث-: المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
ويهمُّنا - أيها السادة - أن نشير في كلمات قليلة إلى أن منهج التعليم الأزهري منهج يمثل وسطية الإسلام التي قلنا: إنها أخَصُ وَصفٍ لهذا الدين القيم، والفهم المعتدل لنصوص الكتاب والسنة، ويرسخ في ذهن الطالب الأزهري منذ نعومة أظفاره ثقافةَ الحوار وشرعيةَ الاختلاف، مما يحول بينه وبين نزعة الغلوِّ والتعصبِ وانغلاق الفكر وجموده على رأي واحدٍ، ويُدرِّبُه على احترام الرأي الآخر، ويعَلِّمُه الفرق بين احترام المذهب وبين اعتقادِه، وهذا ما يؤكده الواقع المعاصر؛ إذ لا يقع بصرُك على إرهابي أو تكفيريٍّ تخرَّج في الأزهر وتغذَّى بعلومه وارتوى من ثقافته، وذلك لأن الأزهر الشريف يتبنَّى منذ قديم الزمن ولا يزال يتبنَّى مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري (ت.324ه) إمام أهل السنة والجماعة عبر أكثرَ من ألف عامٍ، فقانون هذا المذهب هو: لا نكفِّرَ أحدًا من أهل القبلة، ولا يُخرجُك من الإيمان إلا جَحْدُ ما أدخلك فيه، وهذا القانون الأشعري ترجمةٌ غايةٌ في الدِّقة لحديث الإمام البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلاَ تُخْفِرُوا اللّه فِي ذِمَّتِهِ» أي لا تخونوا الله في عهده.
أقول هذا اليوم، كما قلته بالأمس البعيد، لعلَّه يكفكفُ– قليلا أو كثيرا – من غُلَواء ما تضيق به صدورنا اليوم من اختلافات وعصبيات وتحزبات بدأت تُطِلُّ برأسها القبيح بين شبابنا الجامعي وغير الجامعي، بسببٍ من الغفلة عن وسطية الإسلام، التي هي ضمانُ الاعتدال والتَّنوُّع والقُوَّة، بل هي العاصمُ من أخطار التَّشدُّد والتعصبِ، أو التحللِ من ثوابت الإسلام، أو المغالاةِ في التمذهبِ المقيت، والادعاء بأن هذا المذهب أو ذاك هو المذهب الصحيح الذي لا مذهب سواهُ، وأن غيرَه بدعة وضلالة، أو فِسقٌ في أفضل الأحوال، أو خروجٌ من الملة، وكانت النتيجةُ المحزنةُ أن أصبحت جماعات لا يستهان بها من شباب الأمة تتخندق في تصنيفات مذهبية مغلقة، ما أنزل الله بها من سلطان، فهذا سلفي، وذاك سُنِّيٌّ، وثالثٌ صوفيٌّ، ورابع حداثيٌّ تنويريٌّ، وخامس تكفيريٌّ، وكلٌّ يَطعنُ في عقيدة الآخَرِ، ويَرمِيه بالابتداع والحَيْدَة عن الحق، وقد لا يصلي أحدُهم وراء الآخر، ولا يستجيز السلام عليه، بل يهجرُه ويبرأ منه، وشغلوا أنفسهم وشغلوا الأمة معهم بتوافه الأمور، وما لبث الخلاف أن انقلب إلى فتن سالت معها دماء معصومة، وهذه ظواهر غريبةٌ مُنكَرةٌ لم تكن جماهير الأمة لتعرفَها بهذا الشيوع والانتشار.
ولعل مؤتمرَكُم هذا– أيها الحضور الكريم - يكون فاتحةَ خيرٍ على طريقِ تلافي هذه المآسي التي ابتُليت بها الأمَّة مؤخرا، وخطوةً وُثقى على طريق وَحدَة الأمَّةِ التي لا تَمتلكُ الآن من أطواق النجاة طوقا آخَرَ غيرَها؛ لإزاحة كلِّ العوائق والأشواك التي تُبذَرُ على طريقها من شَرقٍ ومن غَرب؛ كي تَبقَى هذه الأمة في حالة مرض دائم، لا هي ميتةٌ فتُريحُ وتَستريحُ، ولا هي صحيحةٌ معافاةٌ من عِلَل الفقر والمرض والجهل والتخلُّفِ.
وندائي إلى الأمة التي نعتز جميعا بالانتساب إليها، أن تتيقظ لما يدبر لها من مكائد ومؤامرات، وألا تَطلُب القوة والعزة من الله تعالى، وأن تعتمد على عقول أبنائها وسواعدهم، واستغلال ما حباها الله به من ثروات بشرية وطبيعية، وأن تقطع الطريق على العابثين والطامعين والمستهترين بإرادات الشعوب ومصائرها.
وأختِمُ كلمتي–سيادة الرئيس- بالتضرع إلى الله تعالى أن يعافي الأمة من هذه الأمراض، وأن يُعيدَ إليها مجدَها وقوتها، وأن يكف عنها أذى أهل البغي والكبر والغطرسة، وأن يرد القدس الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين إلى أهله، ويدرأ عنه مكرَ الماكرين، وأن يَعُمَّ السلامُ فلسطينَ وأهلَها، وأمتَّنا العربية والإسلاميةَ، والعالَم شرقا وغربًا.
كما أسأله سبحانه أن يرفع عن الشعب الروهينجي المظلوم ما نزل به من قتل وتشريد وإجرام، في صَمتٍ مريبٍ، سوف يسجِّلُه التَّاريخُ في صحائف الخِزْي والعار، وإنا لعلى يقين من نُصرة الله تعالى للبؤساء والضُّعفاء، وإنصافِ المظلومين ولو بعدَ حينٍ، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ، إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ هذا .﴿ وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون ﴾ صدق الله العظيم.
شُكْرًا لِحُسْنِ اسْتِمَاعِكُم.
والسَّلامُ عَلَيْكُم ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُه".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.