نعم حاكموا المسلمين أولاً الذين تهاونوا في حق دينهم، وتركوا الفرصة لغيرهم للاستهانة به، فلماذا ألوم على من يستهين بديني، وأنا أول من تركته جوهراً، وألصقت نفسي به عرضاً وظاهراً، تركت من يقتل ويذبح باسمه، وانذويت في ركن أشاهد ما يفعله المجرمين الإرهابيين باسمه مقيدًا، فلماذا ألوم من لا يؤمن به، وأنا أؤمن به ولا أدافع عنه بنشر تعاليمه السماوية وآدابه وقيمه . في واقعة جديدة من نوعها، ألا وهي واقعة محاكمة الأطفال أو المراهقين المسيحيين الخمسة وهم الذين قاموا بتمثيل مشهد داعشي قائم على ذبح أشخاص أثناء الصلاة ثم التكبير، وفور نشر هذا المشهد من هؤلاء الأطفال أو المراهقين الأقباط على مواقع التواصل الاجتماعي، قامت المحكمة بإصدار حكم في حقهم لمدة 5 سنوات في أعمار تتراوح ما بين 15 عامًا و18 عامًا. دعونا نقف لبرهة أمام هذه الواقعة والحكم عليها، ونتساءل هل من الممكن أن نصنف هذا الفعل أنه ازدراء أديان من قبل هؤلاء الأطفال ؟ وما هي النظرة التي يتخذها المسيحيون عن الإسلام خاصة بعد واقعة ذبح المصريين الأقباط في ليبيا على أيدي داعش، ثم يتبادر إلي سؤال أهم وهو، هل ممارسات المسلمين أدت إلى اتخاذ نظرة سيئة للأسف تم إلصاقها بالإسلام؟ وهل أعطى المسلم للإسلام كدين حقه من الدعوة والأخلاق، ومعرفة الدين حق معرفته من خلال ممارسته الحياتية؟ حتى لا يتراءى علينا أفعال وممارسات من قبل آخرين للاستهزاء بالإسلام قبل المسلمين ؟ وهنا الفيصل تدنى الأخلاق في المجتمع، والبعد عن معرفة الدين حق معرفته، وترك الأجيال الجديدة فريسة للفكر المتطرف، الذي تم إلصاقه بالإسلام لتحقيق مصالح كبرى، مع ترك الصورة الذهنية الخاطئة والمدمرة التي أضفتها هذه التنظيمات الإرهابية على الإسلام من قبل الدعاة والفقهاء لهو الشيء الأسوأ ليس فقط على المجتمع بل الأمة العربية والإسلامية في مجملها، والتي أصبح أبناءها يتناحرون فيما بينهم، هنا لم تكن هذه الواقعة آتية من فراغ، بل أن ما يشاهده العالم أجمع الآن من الممارسات الدموية التي يقوم بها تنظيم داعش باسم الإسلام والتي دائما ما تحرك الرأي العام العالمي كفيلة بإعطاء صورة سيئة بل ومفزعة عن ديننا الحنيف، الذي أصبح معرفته الآن من خلال تلك التنظيمات والجماعات، التي تدعي أنها جهادية حول العالم، في مقابل دور القوى الدينية الحقيقية المناهضة لهذا الفكر المتطرف، والتى لا تقارن بنفس القوة الدعائية لهذا التنظيم الآن والتنظيمات القاعدية من قبل ليصبح الإسلام الحقيقي لا وجود له في ظل الإسلام الصوري الداعشي الذي أنشأه وبناه جماعات ومافيا إرهاب عالمية لا تهدف إلا للقتل والدمار لخدمة مصالح وأهداف قوى كبرى لتحقق سيطرتها على العالم دون اعتبارات إنسانية وأخلاقية، والتي أذهبت هذه القيم أدراج الرياح مع القضاء على المنشأ الأصلي لهذه القيم من تشويه وتزييف صورته عمداً ليصبح الأداة التي تستطيع من خلالها القضاء على الأخضر واليابس، هكذا يطمح زعماء الإرهاب على مستوى العالم القضاء على منبع القيم الأخلاقية وهو الإسلام.
فما تمثله داعش وأمثالها، وإظهارها بأن الإسلام دين السيف والدمار والذبح وينساق إليها الغاشمون من المسلمون بفكرهم، وإظهار هؤلاء إعلامياً بأنهم مسلمون، ليس ذلك فحسب بل تهرُّب كثير من الفقهاء بوصف هذه الجماعة بأنها كافرة أو خارجة عن الدين لمجرد أنها تنطق الشهادة، يجعل الكثير من الناس تتساءل لماذا يصبح الصمت الإعلامي وعدم تفعيل الحراك والدور الديني سيد الموقف، فهكذا تحمون الإسلام؟! عجباً لكم، ألم تتساءلوا يوما إذا كان سيد الخلق موجوداً بيننا الآن، فماذا كان سيفعل في هؤلاء الذين يعثون في الأرض فساداً، ألم تقرأوا ماذا فعل عمر بن الخطاب بالمرتدين ليس لكونهم مرتدين بقدر ما كان خائفاً على الدولة الإسلامية من بطشهم، ألم يبطش الدواعش الآن بالإسلام نفسه وليس بالدولة الإسلامية لأنه لا يوجد الآن دولة إسلامية بالمعنى الحقيقي والمتعارف عليه، فماذا فعلتم إذن في ظل تشويه إعلامي عالمي للإسلام والمسلمين. في وقت نحتاج فيه إلى إعلان حرب إعلامية لكشف حقيقة الدين ودوره في قبول الأخر واحترام حقوق الانسان والتعايش في ظل الأديان المختلفة بما يحقق الأمن والاستقرار. وللأسف تأتي ممارسات المسلمين العقيمة لتكون بمثابة الصورة المكملة لتشويه هذا المنبع القيمي، سواء في القول أو الفعل أو حتى الممارسات اليومية، والتي أصبح يستهين بها الإنسان ويتناسى أنه وجهة لدينه، ليس خافياً على العالم جرائم القتل اليومية التي يقوم بها مسلمون في حق بعضهم البعض لأتفه الأسباب، وجرائم الانتحار فقط لشعوره بالضيق والتي حرمها الله، تدهور الوعي والفكر الديني والثقافي والتعليمي بشتى صوره، والانغماس في عولمة غربية مغيبة لا يستورد منها الا ما يضره، ليصبح إنسان ليس له قيمة، فقط فرد في قطيع ينساق كما تنساق العامة، ليس لديه شعور بالمسئولية، بل يصبح فريسة في حلقة مجتمعية معجة بالفساد وإعلاء قانون البقاء للأقوى، ولم يكن ذلك إلا لبعده عن معرفة دينه حق معرفته، بل أصبح ينتسب إليه اسماً فقط لا جوهراً، ليعكس هذه الأخلاق والممارسات على الأجيال القادمة التي تنشأ ضعيفة خاوية من المعرفة والوعي، والنشأة الدينية الصحيحة، فهذه بعض ممارسات على الصعيد الشخصي، فما بال الممارسات العامة على صعيد الدول الإسلامية، والعربية أجمع، والتى تهاونت في حق دينها وتركت قوى كبرى ومصالح تنظيمات تعثو فسادا في بلاد المسلمين باسم الإسلام، وانكفئت على طاولات الطعام وليس الحوار، وأجندات المماطلة وليس التحرر المنجز لبلاد تهاوت ودُمرت باسم الإسلام ليقف المسلمون وحكامهم مكبلي الأيدي يشاهدون ما يحدث في بلاد المسلمين التي تسلحت حكامها بأقوى الأسلحة الفتاكة لحماية أمنها ونفوذها لتترك شعوب المسلمين تتهاوى تحت نيران التنظيمات الإرهابية، وأسلحة القوى الغربية. فمَن الأجدر أن يُحاكم إذن؟ من تهاونوا في حق دينهم أم من رأوا المسلمين ضعفاء في أفعالهم وأفكارهم؟ لتأتي مفاجئة محاكمة أطفال على واقعة يفعلها يومياً الإرهابيون أو من يطلق عليهم مسلمين، فهل هذا هو دور القيادة الإسلامية والقضاء في حماية الإسلام وفهم تعاليمه؟! أم هي ممارسات خاطئة تعمل على زيادة كراهية غير المسلمين للإسلام؟!، خاصة عندما تكون محاكمة لصغار السن، ألم يقتضي من الفقهاء المسلمين تعليم الأطفال التسامح الديني، وإظهار الصورة الحقيقية للإسلام حتى يعرفوا أنهم أخطأوا في حق دين سماوي لا يختلف عن دينهم شيء، ألم ينظروا إلى أنه كان من الأولى تعليم الأجيال ذات المراحل المختلفة من المدارس حتى الجامعات ما هو الإسلام وماهي حقيقته؟ وكيف أنه منبع للقيم والأخلاق السامية واحترام حقوق الإنسان والتعايش السلمي في ظل وجود ديانات متعددة حتى ولو كانت غير سماوية، ولن أقبل من أي فقيه القول بأنهم قاموا بذلك بالفعل فهذا ليس صحيحا بالمرة، لا أدافع عن أخطاء هؤلاء الصبية بل اتعجب من الأحكام الصادرة بحقهم، لم يكن ذلك هو العقاب الرادع على فعل يقوم به الكثير من المسلمون يومياً، بل كان من الأولى تعريفهم وتعليمهم أصل الدين الإسلامي وكيفية التعايش في ظل الديانات المختلفة واحترام عقائد الآخرين، ليس علاج المشكلة بالسجن بل بتوجيه الأجيال الجديدة الى فهم الأديان السماوية وتطبيقها في مراحل تعليمهم المختلفة حتى لا يكونوا فريسة لأفكار خاطئة تشوب الدين فيما بعد لتصبح أفكارهم منحصرة في الإطار الإعلامي الخاطئ عن الأديان نتيجة افتقار الركيزة الأساسية في العلم نفسه والمعرفة التي من المفترض أن يكتسبها من المجتمع.