«حماة الوطن» يعقد صالوناً سياسياً لإيجاد حلول لمشكلات الأسرة المصرية    "محلية النواب": المجالس المنتخبة لها صلاحيات واسعة في الدستور    تحذير دولي: العالم يواجه أكبر صدمة طاقة وسط تداعيات الحرب    محافظ الجيزة: تسيير سيارات المراكز التكنولوجية المتنقلة لتسهيل تقنين أوضاع المحال    حفاظا على البيئة، توزيع أكياس للقمامة على مرتادي الحدائق والشواطئ الإسماعيلية (صور)    ألمانيا تعلن استعدادها للمشاركة في حماية الملاحة بمضيق هرمز    وزيرا الخارجية والاستثمار يستقبلان المستشار الاقتصادي للرئيس الإريتري ووزير الصناعة    البنك الأهلي يعود للانتصارات بالفوز على المقاولون    "حطها في الجول يا رياض" مجددا.. محرز يقود أهلي جدة لإقصاء الدحيل في أبطال آسيا للنخبة    الزمالك يكتفي بتدريبات استشفائية استعدادًا لحسم التأهل أمام شباب بلوزداد    إقامة مباراة الزمالك وبيراميدز بتحكيم مصرى    بطولة إفريقيا لسيدات الطائرة| الأهلي يفوز على مصنع الكحول الإثيوبي    الدوري الإنجليزي، ليدز يتقدم على مانشستر يونايتد 0/2 في الشوط الأول    ماس كهربائي وراء حريق محدود داخل فندق شهير في الجيزة    الفسحة ب5 جنيه.. إقبال كبير على حديقة صنعاء بكفر الشيخ.. فيديو    القبض على المتهم بارتكاب أفعال خادشة للحياء بالعجوزة    العثور على جثة طالب الصيدلة غريق بحر العريش بعد 3 أيام من البحث    الداخلية تتخذ الإجراءات القانونية ضد تشكيل عصابي لغسل 170 مليون جنيه من تجارة المخدرات    مصرع شاب في حادث تصادم ميكروباص ودراجة نارية بالفيوم    حسين الجسمي يطلق أغنية يا بلادي من كلمات حاكم دبي    استشاري طب نفسي: نسبة الأطفال المصابون بالاضطرابات النفسية تصل الى 20%    علاج انتفاخ البطن بمكونات من المطبخ في أسرع وقت    لتعزيز الوعي الفكري للشباب، وزارة الأوقاف تعقد الأسبوع الثقافي بجميع المديريات    إصابة فلسطينيين اثنين برصاص الاحتلال الإسرائيلي شرقي مدينة غزة    «شم النسيم».. عيد الحياة الذي عبر آلاف السنين في وجدان المصريين    أحمد سالم فى كلمة أخيرة: أزمة مضيق هرمز تهدد الاقتصاد العالمى    نجل عبد الرحمن أبو زهرة ل«اليوم السابع»: حالة والدى تشهد تحسنا فى الوعى والتنفس    معرض «عالمى» لخوسيه موريلو بالأوبرا    مؤتمر كوكي: نحترم برشلونة لكننا متعطشون للوصول لنصف النهائي    بمراسم حافلة، الرئيس الجزائري يستقبل بابا الفاتيكان (فيديو وصور)    وكيل وزارة الصحة تتابع انتشار فِرق "100 مليون صحة" وتنظيم الأسرة بالحدائق    تحركات داخل «المهندسين».. اجتماع مرتقب لحسم المناصب القيادية بالنقابة    تعرف على إيرادات فيلم برشامة بالسينمات السعودية    أحمد سعد يطرح ألبومه الحزين الأربعاء المقبل    التحفظ على 383 كيلو أسماك مملحة فاسدة في حملة تموينية بالفيوم    أمين حزب الله: سندع الميدان يتكلم ونرفض المفاوضات العبثية مع الكيان الإسرائيلي    الكهرباء تبحث إقامة مشروعات توليد الطاقة المتجددة من الرياح بالسويس    سوبوسلاي: سنقاتل حتى النهاية أمام باريس.. وأنفيلد سلاحنا لقلب الطاولة    نائب محافظ الوادي الجديد يتابع منظومة مياه الشرب والصرف الصحي بمركز الداخلة    أحمد كريمة: الصحابي الذي تخلص من حياته غفر له الله    هل يجوز للمرأة كشف عورتها أمام بناتها؟.. أمينة الفتوى تجيب    الإمارات والبحرين تبحثان توترات الشرق الأوسط    جامعة قناة السويس تستضيف "فولبرايت مصر" لاستعراض فرص المنح البحثية    إنقاذ مصابي حوادث وتكثيف المرور على مستشفيات الدقهلية خلال شم النسيم    شوربة السي فود.. بديل صحي ولذيذ للرنجة والفسيخ على مائدة شم النسيم    هل يغفر للمنتحر؟.. الأوقاف تحسم الجدل وتوضح الحكم الشرعي كاملًا    ضبط مندوب رحلات تعدى لفظيًا على سائح في جنوب سيناء    «بتروجلف» تحقق أعلى إنتاج منذ تأسيسها.. وارتفاع إنتاج خليج السويس إلى 26.6 ألف برميل يوميًا    انتصار السيسي تهنئ الشعب المصري بمناسبة شم النسيم    السيارات الكهربائية مصدر بهجة لزوار الحديقة الدولية بشم النسيم (صور وفيديو)    الحقيقة الكاملة لتعيين أوائل الخريجين وحملة الماجستير والدكتوراه    أنشطة تفاعلية وورش فنية ضمن جولة أتوبيس الفن الجميل بالمتحف القومي للحضارة    سعد الدين الهلالي: المنتحر مسلم ويصلى عليه ويستحق الرحمة وبعض الصحابة انتحروا    إستراليا تدعو إلى بقاء مضيق هرمز مفتوحًا للجميع    هل يُغفر للمنتحر؟.. وزارة الأوقاف تبين الحكم الشرعى    ثورة تكنولوجية في السكة الحديد.. تحديث نظم الإشارات لتعزيز الأمان وضمان السلامة    صدام القوة والطاقة.. هل يعيد الصراع الإيراني الأمريكي رسم خريطة النفط العالمية؟    ترامب: أنفقنا تريليونات الدولارات على الناتو دون أن يساندنا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دكتور محمد محفوظ : وزارة الداخلية .. سابقاً .. لا مفر من إعادة التنظيم
نشر في البديل يوم 02 - 03 - 2011

( أفكار للخروج من تحت جناح السلطة إلى حضن المجتمع )
( إذا رأيتم شرطياً نائماً عن صلاة ؛ فلا توقظوه لها ؛ فإنه يقوم ليؤذى الناس )
( سفيان الثورى – فقيه البصرة في عهد الطاغية / الحجاج بن يوسف الثقفى )
في غضون 4 ساعات ؛ عقب صلاة الجمعة يوم 28 يناير 2011م ؛ انهارت وزارة الداخلية ؛ وتم حرق 90 قسم شرطة على مستوى الجمهورية ؛ وعدد من مقار أمن الدولة والمنشآت الشرطية ؛ ومئات من العربات المدرعة وناقلات الجنود وسيارات الشرطة ؛ واختفى ضباط وأفراد وجنود الشرطة من معظم شوارع مصر .
ولكن قبل انهيار وزارة الداخلية مادياً على الأرض ؛ فإنها كانت قد انهارت معنوياً – على مدى سنوات طويلة – في قلوب 80 مليون مصرى ؛ امتلك كل منهم القناعة المؤكدة ؛ بأن جهاز الأمن في مصر يعمل في خدمة النظام وليس في خدمة المجتمع والمواطنين .
ولعل السبب في هذا الانهيار المادى والمعنوى ؛ يعود إلى خلل وظيفى في تنظيم وزارة الداخلية ؛ أدى إلى ربطها بعلاقة غير حميدة مع السلطة ؛ في ظل دولة يتم وصفها ب ( الدولة البوليسية ) بامتياز .
وفى تقديرى ؛ فإنه لا مجال للتحدث عن أى تطور ديمقراطى في مصر ؛ طالما ظلت وزارة الداخلية بنفس تنظيمها وهيكلها الحالى . فالنظم الديمقراطية تتأسس في ظل مجتمعات تخضع لسيادة القانون بقواعده الآمرة العامة التى يتم تطبيقها على كل من يخالفها بدون تمييز ؛ ويتولى تفعيل تلك النصوص القانونية ما يُسمى بسلطات تنفيذ القانون ؛ التى تتكون من جهاز الأمن وجهاز النيابة العامة وجهاز القضاء . وتلك المنظومة تختل باختلال أحد أو بعض أو كل أطرافها . وواقع الأمر أن هذه المنظومة تعانى بالفعل من اختلال كافة أطرافها ؛ ولكننا سنركز في هذا المقام على طرف واحد من هذه المنظومة ؛ وهو جهاز الأمن ؛ لأنه ربما يكون أشدها اختلالاً بحكم الظروف التاريخية والأحداث المعاصرة ؛ بما يجعله يمثل المعوق – الأكبر من غيره – الكابح والمُعطِّل للتطور الديمقراطى فى مصر .
والواقع ؛ أنه لا مجال للتحدث عن إصلاحات محدودة فى وزارة الداخلية ؛ بل لابد من إعادة تنظيم تلك الوزارة وفقاً لتدخلات جراحية ؛ تغيِّر من وجهها وأجهزتها وفلسفة عملها فى المجتمع . لأن الميراث التاريخى الأسود لجهاز الأمن فى مصر ؛ يجعل من العلاج الدوائى أمر غير ذى جدوى ؛ لأنه قد يخدر المرض ولكنه لن يشفيه .
وترتكز عملية أعادة تنظيم وزارة الداخلية على المحاور الآتية :
1- مراجعة التوصيف الوظيفى :
تتلخص وظيفة جهاز الأمن فى أى مجتمع فى الدورين الآتيين :
* دور وقائى يتمثل فى منع الجرائم قبل وقوعها .
* دور جنائى يتمثل فى ضبط الجرائم بعد وقوعها .
و يشير ( الدور الوقائى ) إلى أعمال الحراسة والتأمين التى يقوم بها ضباط وأفراد الشرطة ؛ من خلال الدوريات التى تنتشر فى الشوارع والطرقات ؛ أو أعمال حراسة وتأمين المنشآت التى يقوم بها أفراد الأمن الخاص التابعين لشركات الأمن .
ولعل المشكلة الكبرى تتمثل فى تضخم هاجس الأمن الوقائى لدى أجهزة الأمن ؛ بما يسفر عن ممارسة إجراءات تتجاوز أعمال الأمن والحراسة ؛ وتمتد إلى توسيع دائرة الاشتباه لتضم عدداً كبيراً من الناس بدون أى مبررات أمنية منطقية . ويعلم عدد كبير من سكان المناطق الشعبية بمحافظات مصر المختلفة ما نقصده بتضخم هاجس الأمن الوقائى ؛ الذى يتمثل فى الممارسات الآتية : قيام ضباط المباحث والمخبرين بالقبض على المواطنين للاشتباه لمجرد عدم حملهم لبطاقات تحقيق شخصية – أو لتواجدهم فى أوقات متأخرة من الليل بالطريق العام – أو لسابق اتهامهم فى قضايا رغم عدم إدانتهم فيها – أو القيام بضبط عدد كبير من الأشخاص عند وقوع جريمة سرقة كبرى أو جريمة قتل والضغط على المضبوطين جسدياً ونفسياً لانتزاع أى معلومة .
كما يعلم كل المعارضين السياسيين ؛ مدى تغول هاجس الامن الوقائى السياسى ؛ إلى حد المراقبة غير القانونية للتليفونات والتحركات والاجتماعات .. الخ .
ولعل تضخم هاجس الأمن الوقائى يمثل أحد الوجوه القبيحة لجهاز الأمن ؛ لكونه يؤدى إلى ترويع المواطنين دون مقتضى ؛ وإلى تنمية الإحساس لدى الناس بالخوف – وليس الاطمئنان – لدى تواجد أجهزة الأمن فى الشارع ؛ بدلاً من الشعور الطبيعى الذى يفترض الإحساس بالخوف عند غياب هذه الأجهزة .
أما ( الدور الجنائى ) فيشير إلى جمع الاستدلالات المتعلقة بالجرائم وضبط المشتبه فيهم بارتكابها . ولقد تشوه هذا الدور نتيجة خلط أجهزة الأمن بين دورها وبين دور النيابة العامة . فدور أجهزة الأمن يقتصر فقط على جمع الاستدلالات ( أى المعلومات والأدوات والآثار المرتبطة بالجريمة ) وتحديد المشتبه فيهم بارتكابها وضبطهم ؛ وتقديم كل ذلك إلى النيابة العامة لكى تقوم هى بالتحقيق .
وبالتالى ؛ فإن قيام أجهزة الأمن بالضغط على المشتبه فيهم لاستنطاقهم ؛ هو أمر يخرج عن نطاق دورها ؛ لأنها بنص القانون ليست سلطة تحقيق ؛ وإنما سلطة جمع استدلالات تتعامل مع مشتبه فيهم وليس متهمون , بينما النيابة العامة هى سلطة التحقيق وسلطة الاتهام ؛ التى تقوم بتوجيه التهمة للمشتبه فيه وإحالته بوصفه متهماً إلى القضاء .
فالشرطة تجمع الاستدلالات وتضبط المشتبه فيهم ؛ بينما النيابة العامة تحقق مع المشتبه فيهم وتوجه لهم الاتهام أو تفرج عنهم .
إذن ؛ ثمة اختلال واضح فى التوصيف الوظيفى للدور ( الوقائى ) أو ( الجنائى ) لأجهزة الأمن فى المجتمع ؛ مما يوضح بأنه لا يمكن مواجهة ذلك إلا من خلال تعديلات تشريعية ؛ تؤكد بجلاء ووضوح حدود تلك الأدوار وترسم الخطوط الحمراء التى لا ينبغى لها تجاوزها ؛ وتضع عقوبات رادعة لمن يتجاوز دوره من رجال الأمن سواء فى مجال الأمن الوقائى أو الجنائى .
2- منصب وزير الداخلية :
يبدو بأنه حان الوقت بدون أى تسويف أو تردد ؛ للتفكير فى ضرورة أن يتولى وزارة الداخلية ( وزير سياسى ) من خارج هيئة الشرطة , وذلك لكى يتم التعامل مع القضايا الأمنية بمنظور مجتمعى وسياسى , يقيد وزارة الداخلية بأجندة المجتمع وأولوياته الأمنية , بدلاً من أن تفرض الوزارة أولوياتها الأمنية على المجتمع .
ولعل وجود وزير سياسى من غير رجال الأمن على قمة وزارة الداخلية ؛ سيساهم فى تحسين العلاقة المتوترة فى مصر بين الشرطة والشعب . لأن الوزير السياسى سيتعامل مع الشعب بمنطق المواطن وليس منطق رجل الأمن . فالوزير المُسيس سينظر لجهاز الأمن من الخارج ؛ بما يجعله يراه بعين المواطنين فيكتشف عيوبه وسلبياته ويعتمد الحلول الكفيلة بإصلاحها ؛ بعكس الوزير الأمنى الذى بحكم وجوده داخل جهاز الأمن ؛ فإن الكثير من السلبيات قد لا تثير انتباهه ؛ لكونها أصبحت جزء مألوف من روتين العمل الأمنى .
وما نقوله ليس بدعة ؛ فتاريخ مصر قبل ثورة يوليو يحفل بالعديد من الوزراء السياسيين من غير رجال الأمن ( مثل : فؤاد باشا سراج الدين ) . كما يجلس على مقعد وزارات الأمن أو الداخلية فى معظم الدول الديمقراطية وزراء سياسيين من غير رجال الأمن .
3- نظام الشرطة المحلية :
ربما تكون المركزية الشديدة أحد العيوب الجسيمة التى يعانى منها جهاز الأمن فى مصر . وإذا نظرنا إلى نظام أجهزة الشرطة فى الولايات المتحدة الأمريكية ( كمثال ) باعتبارها دولة فيدرالية , سنجد الشرطة فيها محلية بمعنى أن كل ولاية لها جهاز شرطتها المحلى الذى يخضع لحاكم الولاية ؛ بينما يوجد جهاز واحد له سلطة مركزية فيدرالية على كل الأراضي الأمريكية ؛ يتمثل فى جهاز المباحث الفيدرالية( FBI ) الذى يمارس سلطاته فيما يتعلق بالجرائم ذات الطبيعة الفيدرالية .
وفى اعتقادى ؛ فإن التحول بجهاز الأمن فى مصر من المركزية الشديدة إلى المحلية , سيؤدى إلى تفرغ أجهزة الأمن للمشاكل الأمنية المحلية ؛ بحيث تفرض كل محافظة أجندتها الأمنية من واقع المشكلات الأمنية القائمة بها , بدلاً من أن تفرض وزارة الداخلية أجندتها الأمنية على عموم الجمهورية ؛ رغم تمايز المشكلات الأمنية من منطقة إلى أخرى . مع السماح بوجود جهاز واحد فقط له اختصاص عام على عموم الجمهورية ؛ يشبه المباحث الفيدرالية الأمريكية , يتولى متابعة الظواهر الإجرامية التى تفوق قدرات أجهزة الشرطة المحلية .
وليس ما أقوله فذلكة نظرية , باعتبار أن البعض سيرد بأن مصر ليست دولة فيدرالية . ولكن الفرع الثالث من الفصل الثالث من الدستور المصرى عنوانه : الإدارة المحلية , وتنص المادة رقم 161 من الدستور على الآتى : ( يكفل القانون دعم اللامركزية .. ). وبالتالى ؛ لا يمكننا تجاهل الشكوى العامة القائمة فى جميع المحافظات المصرية من تراجع التواجد الأمنى فى الشارع , وذلك لعدة أسباب: أولها , أن هناك عجز مستمر فى عدد أفراد الشرطة نتيجة انخفاض عدد المتطوعين من الأفراد للعمل بجهاز الشرطة , بسبب ضعف المرتبات وعدم الاستقرار المكانى ( نتيجة النقل من محافظة لأخرى ) . وثانيها, أن الضباط أو الأفراد الذين يتم نقلهم إلى محافظات لا يقيمون فيها , يمارسون عملهم الأمنى باعتبارهم طارئين على هذه المحافظات وليس لهم مصلحة فى استتباب الأمن بها.
لهذا ؛ فإن نظام الشرطة المحلية التى تتبع محافظ المحافظة تنفيذياً ؛ وتتبع وزارة الداخلية إدارياً وفنياً ؛ هو نظام يضمن تعيين ضباط وأفراد شرطة فى ذات المحافظات المقيمين بها, بما يكفل تحقيق استقرار مكانى وتكوين مصلحة لدى رجال الأمن ؛ تحفزهم على تحقيق الأمن فى موطنهم الأصلى الذى يضم عائلاتهم وأصدقائهم و مصالحهم .. إلخ .
ولكن من الجدير بالذكر ؛ أن نظام الشرطة المحلية لا يمكن أن يكون ذا جدوى ؛ إلا فى ظل الأخذ بنظام الانتخاب للمحافظين بالمحافظات المختلفة ؛ بحيث يصبح ( الارتفاع بمؤشرات الخدمات الأمنية ) أحد عناصر البرنامج الانتخابى الذى يقدمه المحافظ لناخبيه ؛ بما يساهم فى توجيه جهاز الأمن بالمحافظة لخدمة المواطنين وليس خدمة السلطة المحلية بالمحافظة .
4- كليات الشرطة :
لم يعد مقبولاً الاقتصار على وجود كلية واحدة للشرطة يلتحق بها الطلاب القادمين من كل محافظات مصر , بل أصبح من الضرورى إنشاء عدد من كليات الشرطة على مستوى المناطق الإقليمية ؛ أو على مستوى كل محافظة ؛ بحيث تتولى تلك الكليات – بما تضمه من معاهد – تخريج العاملين بجهاز الأمن من ضباط وأفراد .
كما لم يعد مستساغاً أن يكون نظام الدراسة بكليات الشرطة لمدة 4 سنوات لمنح طلابها ليسانس الحقوق ؛ رغم وجود عشرات كليات الحقوق فى ربوع الجمهورية . وبالتالى ؛ يصبح من الأفضل تعديل نظام الدراسة بكليات الشرطة بحيث تقبل خريجى كليات الحقوق – وليس خريجى الثانوية العامة – ويتم تأهيلهم للعمل الشرطى خلال ( عام دراسى واحد ) ؛ من خلال دراسة العلوم والتدريبات والمهارات الأمنية والشرطية . كما يتم تقسيم التخصصات بداخل تلك الكليات ؛ لكى يتخرج منها الضباط كل في مجال تخصص يظل يعمل به طوال مدة خدمته ( مرور – شرطة سرية – شرطة نظامية – دفاع مدنى .. الخ ) ؛ الأمر الذى يساهم فى بناء خبرة تراكمية فى التخصصات الأمنية المتعددة .
ومن الضرورى للحفاظ على الطبيعة المدنية لجهاز الشرطة ؛ إلغاء نظام الإقامة الداخلية في كليات الشرطة ؛ بحيث تصبح مثل باقى الكليات العادية ؛ يتوجه إليها الطلاب لتلقى الدراسة ويقيمون فى منازلهم أو فى المدن الجامعية مع باقى طلاب الكليات الأخرى . الأمر الذى سيؤدى إلى عدم فصل الطلاب عن المجتمع ؛ انطلاقاً من أن كلية الشرطة هيئة مدنية ؛ وينبغى أن يكون طلابها على اتصال دائم بالمجتمع الذي هو مجال عملهم الرئيسى .
والواقع أن عسكرة كلية الشرطة ؛ بحيث يتم التعامل معها باعتبارها إحدى الكليات العسكرية مثل الكلية الحربية وغيرها ؛ كان له أكبر الأثر فى فصل جهاز الشرطة عن المجتمع . لأنه إذا كان مطلوباً أن يتم إعداد طلاب الكليات العسكرية التابعة للقوات المسلحة بما يعزلهم عن المجتمع المدنى ؛ لأن طبيعة عملهم بالمعسكرات وجبهات القتال تقتضى ذلك . فإن طبيعة العمل بجهاز الأمن تقتضى عكس ذلك ؛ لأن مجال عمل رجل الأمن هو المجتمع وليس جبهات القتال .
5- التضخم التنظيمى :
من منطلق الدولة البوليسية ؛ يتم تكليف وزارة الداخلية بأعباء غير أمنية , تؤدى إلى التأثير بالسلب على مهامها الأمنية الأساسية , مثل :
* إشراف وزارة الداخلية على التنظيم الكامل لحج القرعة , رغم وجود وزارة كاملة للأوقاف ورغم وجود مشيخة الأزهر , وهما الجهتان الأحق للقيام بأعباء هذا الشأن الدينى.
* إشراف وزارة الداخلية على مصلحة الأحوال المدنية , رغم وجود وزارة للتنمية الإدارية هى الأحق بأن تتولى شأن استخراج كافة الوثائق المدنية للأفراد.
* إشراف وزارة الداخلية على استخراج تصاريح العمل رغم وجود وزارة للقوى العاملة .
* إشراف وزارة الداخلية على مصلحة الجوازات والهجرة والجنسية , التى تتولى استخراج جوازات السفر وشئون الهجرة والجنسية , رغم وجود وزارة الخارجية التى يدخل هذا الأمر ضمن دائرة نشاطها الأصيل .
* إشراف وزارة الداخلية على الحرس الجامعى , رغم وجود وزارة للتعليم العالى يمكنها الإشراف على ذلك من خلال شركات أمن خاصة.
أيضاً ؛ ينبغى إلغاء الإدارات الأمنية العامة التى تتولى عدد من المهام الأمنية التى تندرج فى صلب بنيان وزارة الداخلية ؛ رغم إمكانية قيام شركات الأمن الخاص بتلك المهام من خلال أفراد الأمن الخاص المدربين . وذلك مثل : الإدارة العامة لشرطة النقل والمواصلات – الإدارة العامة لشرطة الكهرباء – الإدارة العامة لشرطة السياحة والآثار – الإدارة العامة لشرطة رئاسة الجمهورية – الإدارة العامة لشرطة مجلسى الشعب والشورى – الإدارة العامة لشرطة الحراسات الخاصة – الإدارة العامة لشرطة التموين والتجارة الداخلية – الإدارة العامة لمباحث التهرب الضريبى – مصلحة أمن الموانى ( المطارات والموانئ ) ........ .
فكل تلك الجهات تمثل عبئاً بشرياً ومالياً يختصر من المهمة الأساسية لجهاز الأمن ؛ ولا توجد أى ضرورة لكى تتولاها وزارة الداخلية ؛ بل يمكن الاستعاضة عنها بشركات الأمن الخاصة .
وبالتالى ؛ فإن إلغاء كافة المهام الأمنية التى يمكن لشركات الأمن الخاص القيام بها ؛ هو أمر يصب في مصلحة المجتمع ؛ ويوفر الميزانية والجهود الأمنية لخدمة أمن المواطنين وليس أمن المؤسسات والمرافق . ففى حين يمكن لكل مؤسسة أن تقوم بتعيين أفراد أمن خاص ؛ إلا أنه ليس متاحاً لكل مواطن القيام بذلك .
علاوة على ذلك ؛ فثمة وجه آخر للتضخم التنظيمى يتمثل في : العدد المهول لقوات الأمن المركزى ؛ التى تفوق بعددها المعدلات العالمية لعدد قوات جهاز الأمن بالنسبة لعدد السكان بالمجتمع . ونعتقد بان النسبة المقبولة لمجمل عدد قوات أجهزة الأمن في أى مجتمع ؛ ينبغى أن لا تزيد عن ( واحد / ألف ) ؛ أى ألف رجل أمن لكل مليون مواطن .
ولهذا ؛ لابد من إلغاء جهاز الأمن المركزى الذي يعتمد على المجندين بالقوات المسلحة ؛ وإنشاء تشكيلات محلية من أفراد الأمن في كل محافظة ؛ يتم توزيعها على أقسام الشرطة ؛ تكون مهمتها مرافقة المأموريات الأمنية عند القيام بعمليات القبض على المتهمين ؛ أو اقتحام بعض الأوكار الإجرامية . كما تتولى تلك التشكيلات القيام بمهام ( تأمين التظاهرات ) وليس فضها ؛ ومواجهة أعمال الشغب في حال حدوثها ؛ والتى تتمثل – فقط – في الاعتداء على الأرواح أو الممتلكات ؛ وليس تعطيل حركة المرور .
6- إلغاء جهاز مباحث أمن الدولة :
لم يعد هناك مفر من إلغاء جهاز مباحث أمن الدولة ؛ ونقل اختصاصاته المتعلقة بالجرائم السياسية إلى جهاز له صفة الضبطية القضائية العامة على مستوى الجمهورية . بحيث يتصدى هذا الجهاز للجرائم الجنائية والسياسية التى تخرج عن نطاق إمكانيات أجهزة الشرطة المحلية ؛ وهو الجهاز الذى يشبه المباحث الفيدرالية الذى أشرنا له من قبل .
فالجريمة السياسية فى تعريفها الدقيق تشير إلى : ( استخدام العنف أو الدعوة إلى ذلك لتحقيق أغراض سياسية ) . وبالتالى ؛ فإن الأمن السياسى فى معناه الضيق لا يخرج عن هذا التعريف , ولا يمكن أن يتسع بأى حال من الأحوال ليمتد إلى كافة الأنشطة الأمنية السياسية ( الوقائية ) غير القانونية ؛ التى كانت ملحقة بجهاز مباحث أمن الدولة ؛ مثل : رقابة التجمعات العمالية ؛ والطلابية ؛ والنقابية ؛ والمؤسسات الدينية ؛ ومنظمات المجتمع المدنى ؛ والأحزاب السياسية ؛ والنشطاء السياسيين . ومثل الربط بين موافقة الجهات الأمنية ( أمن الدولة ) وبين الترقى والترشح للمناصب الهامة فى الدولة بكافة مرافقها القضائية والتعليمية والاقتصادية .. الخ .. الخ .
إن جهاز مباحث أمن الدولة بسمعته السيئة ونشاطاته الدنيئة للتجسس على المواطنين ؛ يمثل الوجه الأقبح للنظام ؛ ولا يمكن بأى حال من الأحوال قبول استمراره أو إجراء إصلاحات شكلية عليه ؛ لكونه جهاز يتصادم بممارساته مع الحقوق القانونية للمواطنين ؛ ومع الضمانات الدستورية المقررة للحقوق والحريات العامة .
حل جهاز مباحث أمن الدولة مطلب شعبى ؛ يكفل لهذا الوطن نسيان كل الكوابيس المفزعة التى كانت تطارد الشرفاء من أبنائه . وبالتالى ؛ فإما أن تحله الدولة بمعرفتها ؛ وإلا فإن الجماهير التى خرجت فى كل شوارع مصر كفيلة بذلك .
7- نقابة وصوت انتخابى لضباط وأفراد الشرطة :
يكفل الدستور حق التنظيم لأي فئة مهنية فى المجتمع ؛ بموجب نص المادة رقم ( 56 ) التى تنص على أن : ( إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطى حق يكفله القانون ) . ولاشك بأنه آن الأوان لكى يكون لضباط وأفراد الشرطة فى مصر نقابتهم . فقانون الشرطة يعانى من عدم التوازن بشكل كبير بين الواجبات الملقاة على عاتق الضباط والأفراد , وبين الحقوق المكفولة لهم . وللأسف لن تتاح القدرة على إدخال تعديلات متتالية ومرحلية على هذا القانون بصورة تلبى متطلبات رجال الشرطة , إلا إذا تم ذلك من خلال نقابة تدافع عن حقوقهم وتنظم واجباتهم .
ولقد أدى غياب وجود نقابة للشرطة إلى الافتئات الواضح على حقوق الضباط والأفراد .
فقانون الشرطة فى مادته رقم ( 71 ) يتعامل مع ضابط الشرطة من بعد رتبة ( العقيد ) , وكأنه يعمل بعقد يمكن إنهاءه أو تجديده كل عامين , ثم تتقلص المدة من بعد رتبة ( العميد) لكى تصبح كل عام , بحيث يتم تقييم الضباط من بعد رتبة العميد ورتبة اللواء سنوياً , لكى يتم مد خدمتهم لمدة عام آخر , أو إنهاء خدمتهم بنظام المعاش المبكر .
وبالتالى ؛ أصبح هذا النظام بمثابة سيف مسلط على رقبة الضباط ؛ لكى يرضخوا للتعليمات أو نظم التشغيل مهما كانت تعسفية أو تخالف القانون , خوفاً من الخروج إلى المعاش المبكر , الأمر الذى يجعل ضابط الشرطة – وهو فى منتصف الأربعينات من عمره – مطالب بأن يبدأ حياة وظيفية جديدة.
بالإضافة إلى ذلك ؛ فإن قانون الشرطة يتعامل مع أفراد الشرطة – وليس الضباط – معاملة غير منصفة على الإطلاق , لأن المادة رقم ( 99 ) من قانون الشرطة تجعل أفراد الشرطة يخضعون فى كل ما يتعلق بأعمال خدمتهم بالشرطة إلى قانون الأحكام العسكرية . ويمكن من خلال هذه المحاكمات العسكرية حبس أفراد الشرطة عند تقصيرهم فى واجبات وظيفتهم بدلاً من مجازاتهم إدارياً . وبالتالى أصبح هذا النظام بمثابة سيف مسلط على رقبة أفراد الشرطة ؛ لكى يرضخوا لنظم التشغيل التعسفية أو التعليمات المخالفة للقانون .
وللأسف ؛ فإن محاكمة أفراد الشرطة وفقاً لقانون الأحكام العسكرية يخالف الدستور مخالفة جسيمة , باعتبار أن الدستور ينص على أن الشرطة هيئة مدنية , ومن ثم لا يجوز محاكمة أفرادها إلا أمام القاضى الطبيعى طبقاً لنص المادة رقم ( 68 ) من الدستور ؛ التى تنص على أن : ( لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعى ) , وبالتأكيد فإن القاضى الطبيعى هو مجالس التأديب ؛ أو المحاكم المدنية وليس العسكرية.
لهذا ؛ فإن إنشاء نقابة تدافع عن حقوق ضباط وأفراد الشرطة , سيؤدى إلى وجود جهة تدافع عن حقوق ضباط وأفراد الشرطة فى مواجهة وزارة الداخلية ؛ الأمر الذى يصب فى مصلحة العملية الأمنية ككل . لأن ضابط وفرد الشرطة الذى تسانده نقابة للدفاع عن حقوقه ؛ لن يجد نفسه مرغماً على تنفيذ أية تعليمات تخالف الدستور والقانون ؛ لأنه يعلم بأنه لن يقف منفرداً فى مواجهة وزارة الداخلية فى حال مساءلته أو محاولة التضييق عليه .
وبالتالى ؛ فقد آن الأوان لمطالبة كل القوى الحقوقية والأحزاب بإنشاء نقابة لضباط وأفراد الشرطة . وأيضاً المطالبة بضمان حق التصويت الانتخابى للشرطة ؛ الذى تم منعه بموجب الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من قانون مباشرة الحقوق السياسية ؛ التى تنص على إعفاء ضباط وأفراد الشرطة طوال مدة خدمتهم من التصويت الانتخابى ؛ بالمخالفة للمادة رقم 40 من الدستور التى تقرر بأن : ( المواطنون لدى القانون سواء ؛ وهم متساوون فى الحقوق والواجبات العامة ... ) . والمادة رقم 62 من الدستور التى تنص على أنه : ( للمواطن حق الانتخاب وإبداء الرأى فى الاستفتاء ... ) . السماح بالتصويت الانتخابى للشرطة ؛ يجعل ضباط وأفراد الشرطة غير منعزلين عن آمال وتطلعات باقى فئات المجتمع المتطلعة إلى التغيير . ومن ثم يعود بالشرطة إلى المجتمع ويخرجها من تحت جناح السلطة إلى الأبد .
—————————–
إن تفعيل تلك المحاور السابق ذكرها ؛ بحيث تكون بمثابة القواعد التى يرتفع فوقها البنيان الجديد لوزارة الداخلية ؛ سيمثل الضمان الأكبر لكى لا تصبح وزارة الداخلية أحد العوائق فى طريق بناء المجتمع الديمقراطى فى مصر . والضمان الأكبر لكى تخرج تلك الوزارة من تحت جناح السلطة إلى حضن المجتمع .
مقدم دكتور/ محمد محفوظ
ضابط شرطة سابق
[email protected]
ت : 0127508604


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.