لا تزال بعض القوى الدولية، التي لا تريد إقامة دولة سورية موحدة، تحاول خلق مشروعات وتطبيقها على الأرض السورية، عن طريق المناورات السياسية والتلاعب بالألفاظ والمصطلحات لتمريرها، وتتمثل هذه الدول والكيانات في تلك التي كانت ضالعة في إشعال فتيل الأزمة السورية منذ البداية، وعلى رأسها الكيان الصهيوني وحليفته أمريكا. وثيقة حوران نشرت العديد من وسائل الإعلام مؤخرًا ما سُمِّي ب "وثيقة عهد حوران"، التي تحدثت عن إقامة إقليم أو منطقة حكم ذاتي، تضم درعا والسويداء والقنيطرة في جنوبسوريا، أو ما أطلق عليه "إقليم حوران الجنوبي"، حيث تؤسس الوثيقة لوضع مشروع إدارة محلية لا مركزية في محافظة درعا بجنوبسوريا، عبر التسويق بأنها بداية لتطبيق نظام الفيدرالية في سوريا، وتعزز النزعة الانفصالية، كونها تجاوزت حدود الإدارة المحلية واقترابها من نظام الحكم الذاتي، وتضع الوثيقة أسسًا وقواعد لتنظيم الجانب الإداري والخدمي والقضائي والقانوني والإعلامي والتعليمي والثقافي والديني في المحافظة، وتتضمن مبادئ وتفصيلات قانونية تتعلق بالملكية والأحوال الشخصية والحريات العامة. وقالت مصادر سياسية مطلعة على الوثيقة إنها أقرب في لهجتها إلى دستور جديد لإقليم من المقرر إقامته أو دولة، حيث توصِّف الوثيقة السلطات الثلاث "التشريعية والتنفيذية والقضائية"، إلى جانب تناول قضية الحدود الإدارية والملكية العامة والخاصة والحقوق وغيرها، التي تعتبر من بنود الدساتير للدول، كما تبرز في الوثيقة طريقة جديدة للتلاعب بالألفاظ، حيث تم استبدال الوثيقة مكان الدستور، ومجلس الممثلين بدل المجلس النيابي، والهيئات مكان السلطات الثلاث، وتناولت "منطقة حوران" كإقليم جغرافي، وأهالي حوران كشعب، وتقول الوثيقة إن حوران هي إحدى محافظات الجمهورية العربية السورية. توقيت نشر الوثيقة بعيدًا عن أن الوثيقة تأتي في الوقت الذي تشهد فيه صفوف الجماعات المسلحة انقسامًا وتشرذمًا نتيجة لصراعات على النفوذ بينها، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على سير العمليات القتالية مع الجيش السوري، ويجعل هذه الجماعات تنهار وتفر من أرض المعركة بسهولة، فإن هذه الوثيقة تأتي أيضًا بعد أشهر من طرح مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موغيريني، مبادرة تدعو إلى تطبيق اللامركزية في سوريا، ودعم المصالحة وإعادة الإعمار، حيث عكست وثيقة صاغها مكتب "موغيريني"، في منتصف نوفمبر الماضي، أفكارها حول المصالحة وإعادة الإعمار ونظام الحكم في سوريا مستقبلًا، وذلك بعد أن تلقت "موغيريني" في أكتوبر الماضي تفويضًا من دول الاتحاد الأوروبي ال28 لبدء حوار حول هذا الشأن مع القوى الكبرى في الشرق الأوسط، مثل إيران والسعودية وتركيا، والمعارضة السورية. ومن بين الاقتراحات التي طرحتها وثيقة "موغيريني"، وجود دور أكبر للامركزية، مع إعادة توزيع ممكن لسلطات الدولة في مجالات الصحة والتعليم والنقل والشرطة وغيرها إلى المحافظات، وعددها 14 حاليًّا، أو الأقضية والنواحي، وشددت على أن إصلاحات كهذه يمكن أن تساعد على ضمان وحدة البلاد، والاحتفاظ بالمعروض من الخدمات العامة حاليًّا، مع تجنب خطر تفكك سوريا. مصلحة لإسرائيل اعتبر "مركز يروشليم لدراسة المجتمع والدولة"، وهو مركز أبحاث إسرائيلي مقرب من دوائر صنع القرار في كيان الاحتلال، أن "وثيقة حوران" التي وقعت عليها شخصيات سورية معارضة مقيمة في تركيا، والتي تدعو للإعلان عن جنوبسوريا كإقليم مستقل، ضمن ما يُسمَّى الاتحاد "الفيدرالي السوري المستقبلي"، تطورًا يصب في مصلحة إسرائيل. وذكر المركز الذي يرأس مجلس إدارته وكيل وزارة الخارجية الإسرائيلي السابق، دوري غولد، أن الوثيقة التي أطلق عليها "ميثاق حوران"، تمثل تطورًا يصبّ بشكل غير مباشر في مصلحة إسرائيل، ونوه المركز بأن إقامة إقليم يضم درعا وجبل الدروز "السويداء" والقنيطرة من أفضل الخيارات التي يمكن أن تسفر عنها التسوية الشاملة للصراع في سوريا، وحسب منطق المركز فإنه في حال تطبيق ما جاء في الميثاق، فإن فرص تحوّل منطقة جنوبسوريا إلى مناطق تهديد لإسرائيل، سواء من خلال تواجد إيران وحزب الله، أو من خلال تمركز السلفيين، تتقلص إلى حد كبير. واعتبر المركز أن تطبيق ميثاق حوران من المصالح المشتركة لكل من إسرائيل وروسيا، على اعتبار أن التوافق على تدشين أقاليم ضمن الفيدرالية يعني تقسيمًا عمليًّا لسوريا، وزعم المركز أن روسيا تجري بالفعل اتصالات مع الأكراد في شمال شرق سوريا حول إمكانية تدشين إقليم كردي مستقل، مشيرًا إلى أن كل ما يعني الروس هو الحفاظ على دمشق ومناطق الساحل؛ بسبب تواجد مصالحهم في هذه المنطقة. مناع يتبرأ من الوثيقة في وقت سابق، أصدر رئيس تيار "قمح" المعارض، هيثم مناع، ورجل الأعمال المعارض، خالد المحاميد، بيانًا تبرآ فيه من "وثيقة عهد حوران"، وشرحا ملابسات المسألة بالكامل، ونفيا في البيان أي صلة لهما بها، وأكدا أنهما ضد التقسيم في سوريا، واتهمها جهات كما وصفاها ب"المشبوهة" بالوقوف خلفها للإساءة إليهما، حيث قال البيان إن "البعض على الشبكة الاجتماعية تدوال فيلمًا بوليسيًّا يتحدث عن مشروع أسموه وثيقة عهد حوران، تهدف لوضع دستور جديد لحوران؛ تمهيدًا للفيدرالية بإشراف إسرائيلي أردني أمريكي، ضمن مشروع المناطق الآمنة، وليس بالصدفة أن هذا الفيلم السيئ الإخراج والتلفيق جاء أثناء كشف اللثام عن صفقة المدن الأربعة من جهة، وانعقاد المؤتمر الوطني الديمقراطي السوري في جنيف؛ من أجل تشكيل حركة سياسية جديدة جامعة لكل الديمقراطيين السوريين من جهة أخرى، في محاولة لضرب المؤتمر، بعد فشل محاولات منع انعقاده من جهة، والتشكيك بكل المواقف الرافضة للتهجير القسري والاتفاقيات القهرية التي شاركت فيها أطراف مصنفة إرهابية في الأممالمتحدة، ومعظم دول العالم من جهة أخرى". في ذات الإطار، وقعت مؤسسات وفعاليات من درعا، وسوريا عمومًا، على بيان أعلنت فيه رفضها القاطع ل"أي مشروع يدعو لفصل حوران عن سوريا، وأي مشروع لفصل أي جزء من سوريا موحدة"، مع التشديد على "عدم التنازل عن أي جزء من أراضي سوريا، وعدم التغيير في خريطة البلاد"، ودعا البيان جميع الفصائل والمؤسسات والهيئات إلى عدم التعامل مع أيّة جهة تدعم فصل حوران جزئيًّا أو كليًّا عن سوريا، ومحاصرة أي مشروع يدعو لفصل حوران أو أي جزء من سوريا، كما أكد الموقعون على رفض وثيقة العهد في حوران رفضًا قاطعًا، فيما حذر العديد من المراقبين والسياسيين من أن وثيقة "عهد حوران" هي بداية تأسيس نظام الفيدرالية في سوريا، التي ستفتح الأبواب أمام جهات أخرى تسعى لتشكيل أقاليمها وتشريعها، وعلى رأسها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي يسعى لتأسيس إقليم منفصل في شمال سوريا.