في أحد أيام عام 1848م، طلع الشاب الثلاثيني على جبل المقطم وشاهد القاهرة من أعلى قمة الجبل الشهير حيث رأى مآذن الجوامع والكنائس، ومن ورائها الأهرامات الثلاثة الخالدة، وهنا أصيب الشاب بسحر ذلك المشهد التاريخى الفذ، فتعلق قلبه أكثر فأكثر بحضارة وتاريخ وآثار مصر الباقية عبر الزمن. عن عالم الآثار الفرنسي "أوجست مارييت" (مارييت باشا) أتحدث؛ حيث يصادف يوم 18 يناير الجاري ذكرى وفاته، منذ 140 عاماً، حيث دُفن في بولاق بأرض المحروسة التي لا تنسى المخلصين لها. ويمثل "مارييت باشا" نموذجاً رفيعاً للعالم الجاد الذي عشق مصر وتاريخها وحضارتها بشكل أشبه ب "صوفية الولّه"، فقدم لها عصارة جهده في أعمال سيخلدها التاريخ في أنصع صفحاته. في بلدة "بولون سور مير" بشمال فرنسا، ولد "مارييت" عام 1821م، وتفتحت عيناه على حب الحضارة المصرية من خلال ابن عمه " نيستور لوت"، وهو عالم آثار من الذين صاحبوا العالم الشهير "شامبليون"، الذي حلّ رموز الكتابة المصرية القديمة (الهيروغليفية) فاتحاً الطريق للباحثين والعلماء لاكتشاف عظمة هذه الحضارة. وبعد وفاة ابن عمه عام 1842م، اطلع "مارييت" على أوراقه وعرف جيداً مصر وحضارتها التي تملكته وشُغف بها، فبدأ في دراسة الهيروغليفية. وفي عام 1847م، قام بعمل كتالوج للآثار المصرية الموجودة بمتحف "بولون"؛ ما أثار إعجاب المشرفين على المتحف، فعينوه فى وظيفة مساعد فى متحف "اللوفر" بباريس. وفى عام 1848م، طلب المسئولون بمتحف اللوفر من "مارييت" السفر إلى مصر لشراء بعض البرديات القديمة لوضعها في المتحف مع بقية الآثار المصرية المعروضة به. وبالفعل وصل "مارييت" إلى القاهرة ونزل الأسواق واطلع على تجارة الانتيكات، وهاله ما رأى من نهب وسرقة لآثار مصر عن طريق التجار والسياح والعمال الذين يساعدون علماء الآثار الأجانب بحفر الارض وإخراج كنوز الآثار من باطنها، وهنا فكّر "مارييت" جدياً في طريقة لوقف هذا النهب والاستنزاف لآثار مصر. وعلى مدار 4 سنوات، قام "مارييت" بإجراء اكتشافات وحفريات بعدة أماكن، منها: معبد الكرنك، والدير البحرى، وإدفو حيث قام باكتشافات مدويّة مثل: استخراج 141 تمثالا لأبي الهول بمنطقة سقارة (سيرابيوم)، وعجل أبيس المقدس، وكذلك مقبرة "تي" أحد رجال البلاط الملكي. وقد أرسل "مارييت" معلوماته إلى متحف "اللوفر" ثم عاد إلى باريس ليصبح مديراً له. وما لبث أن عاوده الحنين إلى مصر، فرجع "مارييت" إليها مرةً أخرى، وأكمل أعمال الحفر والتنقيب والدراسات، ونظراً لإعجاب الخديو اسماعيل به عيّنه مديراً لمصلحة الآثار، فاستقر نهائياً بمصر ولم يعد إلى فرنسا مرة أخرى حيث قام في عام 1859م بافتتاح المتحف المصري (الأنتيكخانة)، وبدأ في تنظيم عملية البحث عن الآثار وأن تكون بشكل رسمي ومؤسسى، وبذلك حمى آثارنا من النهب. وفي الوقت نفسه، واصل "مارييت" اكتشافاته حيث اكتشف معبد سيتي الاول، وعمل دراسات وحفريات واسعة حول هرم سقارة، وطيبة، وجبانة أبيدوس، ودندرة، وإدفو، وتانيس، والدير البحري. وبأمره تمت إزالة الرمال التي تغطي جسم (أبو الهول) فظهر كما نراه اليوم. وقد نشر "مارييت" عدة مؤلفات عن مصر القديمة وآثارها، ومنها: أبيدوس - بحث فى تاريخ مصر- مصاطب الدولة القديمة، فضلاً عن بنائه لقصة أوبرا عايدة التي لحنها الموسيقار "فيردي" وافتتحت بها قناة السويس. وكرمت مصر العالم الكبير حيث تم تسمية الشارع المجاور للمتحف المصري باسمه، كما تم وضع تمثال له بحديقة المتحف، فضلاً عن منحه درجة الباشوية، علماً بأنه توفي في عام 1881م ودُفن في بولاق.