لا خلاف فى أن مبدأ رفع الحد الأدنى للأجور هو مطلب مصرى وطنى طال انتظاره بعد أن كثر الكلام عنه لفترة ممتدة كانت أشبه بالضجيج بلا طحين وقد دار السجال طويلا بين المنادين برفعه ليكون ما بين 1500 و1200 جنيه فى حده الأدنى، بينما عمد الطرف الآخر للتلويح بأن فى رفع الحد الأدنى للأجور تأثيره السلبى على مشكلة البطالة. ولقد كنت منحازا منذ البداية لرفع الحد الأدنى للأجور إلى ما يتم الاتفاق عليه سواء هذه القيمة أو ما يعلوها بلا تحفظ لمواجهة موجة الغلاء فى الأسعار، وهو ما دفع عددا كبيرا من أعضاء مجلس النواب لتبنى مشروع قانون جديد لزيادة الحد الأدنى للأجور والمرتبات ل2500 جنيه خاصة أن الموازنة العامة للدولة تسمح بتطبيق هذه الزيادة باعتبار أن تعريف الحد الأدنى للأجور بأنه القيمة التى تفى بالاحتياجات الأساسية للفرد على أن يؤخذ فى الاعتبار وضع العامل من كونه عاملا مؤهلا أو صبيا تحت التمرين أو أسطى ذا تأهيل فنى راق، بمعنى أن هيكل الحد الأدنى للأجور فى الدول الصناعية لا يقتصر على تحديد الحد الأدنى لأجر الفرد الجديد الداخل لسوق العمل فى أول المنظومة وإنما يتعدى ذلك لدرجات الترقى على السلم الوظيفى ويراعى أيضا الشريحة العمرية للعامل أو الموظف، وهو أمر لم يتطرق إليه أى من المنادين برفع الحد الأدنى للأجور بصورته الحالية، وهو أمر لا بأس به كبداية يمكن استكمالها فى مراحلها لاحقا بما لا يؤدى إلى تعطيل تحديد الحد الأدنى للأجور باعتباره مطلبا ملحا لا يقبل التسويف أو التأجيل. يتكامل مع تنظيم الحد الأدنى للأجور أمران: أولهما أن تلتزم المؤسسات التابعة للدولة سواء كانت قطاعا عاما أو وزارات أو محليات بتطبيق ذلك إذ إن واقع الحال يدل على أن المحليات والسكك الحديد وعمال النظافة وشريحة من المدرسين لا تنال الحد الأدنى من المرتبات المعمول به حاليا تحت نظام ما يسمى التعيين بعقود وهو أمر لا يحتمل السكوت عليه الآن. ثانيهما أن يسمح بالعمل بنظام بعض الوقت وذلك فى حدود 18 ساعة أسبوعيا لمن يضطر لهذا من سيدات لهن ظروفهن العائلية أو رجال يضطرون لذلك بسبب المرض أو الالتزام برعاية مريض بالمنزل أو غير ذلك حيث نظمت قوانين العمل بالدول الصناعية أنه من حق الفرد العامل اقتضاء نصف الحد الأدنى للأجور والالتزام بنصف وقت العمل موزعا على أيام الأسبوع بالطريقة التى يراها مناسبة له. الجديد فى الأمر أن العمل بنظام بعض الوقت يجب أن يكون معفى من أداء ضريبة الدخل وأى ضرائب أو رسوم أخرى مع الاشتراك المجانى الكامل فى التأمين الصحى دون أداء أى رسوم عن ذلك وذلك كالنظم المتبعة فى دول الاتحاد الأوروبى وعلى رأسها ألمانيا الاتحادية وهى الدولة الأطول باعا فى تشريع وتطوير منظومة التنمية البشرية الأكثر نجاحا التى تصلح نموذجا يحتذى به. أعود لنقطة البداية مناديا برفع الحد الأدنى للأجور لطبقة الشعب العاملة إذ إنهم أول المنظومة والقاعدة التى يرتكز عليها سوق العمل فى شكله الهرمى. نقلًا عن الأهرام الاقتصادي