من مميزات الطرح المسرحي الذي يقدمه المخرج القدير خالد جلال في كل تجربة جديدة له، أنه يترك لك حرية فهم ما يطرحه من خطاب وفق مفهومك الخاص للأشياء، فمثلا، قد يخرج البعض بعد مشاهدته لعرض »الزائر» الذي أعاد تقديمه علي مسرح »المنارة» منذ أيام، بمفهوم أن خالد جلال يعادي التكنولوجيا وثورة الإنترنت والاتصالات في السموات المفتوحة التي حولت العالم المترامي الأطراف إلي قرية كونية مترابطة، يتعاطف فيها سكان العالم كله مع بعضهم البعض في ذات نفس حدوث الحدث الإنساني المؤلم، ويبتهجون معا في لحظة واحدة مع كل حدث مفيد ومبهج للإنسانية، والدليل علي ذلك أنه ترك لعم »حارس» المصري الذي يرتدي جلباب أبناء الصعيد مهمة تحطيم عمود الكهرباء الذي تستمد منه كل »موبيلات» سكان القرية الافتراضية التي جرت فيها أحداث العرض، ليقطع عنهم مصدر كل الشرور التي جلبها الزائر الغائب العائد »ابن القرية»، المتجسدة في التليفون المحمول ! قد يفهم البعض هذا، لكن خالد جلال-مؤلف النص ومخرجه-لم يقصد هذا علي الإطلاق، ولا يقف علي مسافة عداء مع التليفون المحمول، ولا يكنّ أي كراهية للتكنولوجيا وثورة الاتصالات، ولا يطالب أحدا بأن ينفصل عن سياق كل ما يشهده العالم من تحديث وتطور، فقط هو ينبه ويحذر بصنعة مبدع قدير، كعادته في كل عروضه من غرق البعض في مستنقع »إدمان» الشبكة العنكبوتية التي يتعاطي معها البعض بمفهوم خاطئ، فتغير سلوك أفراد الأسرة الواحدة تجاه بعضهم البعض، وتحولت الحميمية في المشاعر إلي مجرد »لايكات» و»رسوم تعبيرية» جعلت أبناء القرية يضغطون »وجه دامع» فور علمهم بوفاة أحد أبناء القرية، »عفريت العلبة» العائد به ابن القرية بعد سنوات من الغربة، غير كل شئ في سكان القرية بضغطة زر، خلق فيهم التعصب، والتناحر والشقاق، وجعلهم وجوه مكررة بلباس واحد وفق الموضة، مجرد مشاعر باردة، وسباق نحو الأسوأ، لكن والدة الزائر العائد بعد غربة لم تفقد يقظتها مع بعض أبناء القرية الذين أيقنوا من البداية الخطر المحدق بالجميع، فوجهت في وجه ابنها وتبرأت منه وأمرته بمغادرة القرية والعودة من حيث أتي، ليعلن لها أنه لو عاد وغادر القرية فستكون قد كتبت عليه الفشل ! في لحظة صحوة يستفيق فيها سكان القرية من كل الجنسيات، يخلعون عن أنفسهم ملابس الزيف ووجوه الغربة والاغتراب التي أدخلهم فيها »الزائر العائد» بجهازه الساحر الذي دفع فيه كل منهم أعز ماكان يملكه، وهنا تنتاب ابن القرية العائد حمي الخروج من حالة الإدمان التي وقع فيها، وروح الشبكة العنكبوتية التي تلبسته وسيطرت عليه بالكامل،فيأتيه صوت الجميع منشدا : »متكتف متربط.. متغمي ومش شايف.. والعقل بيتخبط..عايش عالم زايف، مانتش إنسان آلي بيمشوك بزراير.. ولا أحاسيسك رسمه وصورة تبعتهم ع الطاير.. عيش حر وفك قيودك واثبت للدنيا وجودك.. الكون مخلوق علشانك ليه شئ يتحكم فيك». في تشكيل عبقري الدلالة يتم فك حبال العنكبوت التي التفت علي صدر الابن العائد، وبعصاه الغليظة ينهال عم »حارس» المصري ليقطع ذراع العنكبوت بضربة قاضية فيحرر ابن القرية منه لكي يسترد ذاته وإرادته المسلوبة، ويتساوي مشهد النهاية بمشهد عبقري آخر شديد الدلالة صاغه خالد جلال في عمود النور الذي تدلت منه كوابل شحن المحمول لكل هاتف أمسك به كل فرد في القرية، فجاء المشهد ليعبر عن »الأذرع العنكبوتية» التي نعرفها بشبكة الانترنت المسماة بالشبكة العنكبوتية. فكرة العرض بسيطة وعميقة بالدلالات المرئية، وإن كانت مقدمة في اتجاه واحد يتعلق بضرر تلك الشبكة التي لا ينكر أحد أنها تحمل المفيد لمن يحسن استخدامها في البحث العلمي والمعرفة والتعلم والتحصيل الثقافي ومتابعة كل ما يجري في العالم شرط ألا ننجرف للأسوأ الذي حمله خطاب العرض، ولضيق المساحة، نكرر التحية لمايسترو العرض خالد جلال المتميز دوما في طرحه ورؤاه، صانع النجوم وأستاذ البهجة، تحية لكل صناع العرض من ابناء مركز الإبداع، والشباب المشارك من خارج مصر كلا بزيه ولغته، وتحية لعلا فهمي ضابط ايقاع العرض، ولمصمم الديكور والإضاءة عمرو عبد الله، وملابس مروة عودة، كلمات وألحان أحمد طارق يحيي، وشريف عبد المنعم، وألحان المهدي، والموسيقي التصويرية لكريم شهدي.