قضية التجديد والتحديث ليست مجرد شعارات للمتاجرة أو المزايدة، فكل الشعارات التي تتشدق بالتجديد دون إيمان حقيقي به لا يمكن أن تؤتي ثمارًا مرجوة أبدًا، بل إنها ربما تكون عبئا علي قضايا التجديد نفسها، فلو قال أحد إننا نقوم بعملية تحديث آلات المصانع ومعداتها دون أن يلمس العمال أنفسهم ذلك علي أرض الواقع فإنهم سيكفرون بكل هذه الشعارات، وربما تحول الأمر إلي دعابة أو تهكم وسخرية. إن عملية التجديد والتحديث في جميع المجالات عملية شاقة وتحتاج إلي جهود مضنية وأناس مؤمنين بها، ويمتلكون من القوة، والصلابة، والجلد، والهمة، والنشاط، والحيوية، والديناميكية، والإيمان بالهدف، والتحمس له، والإصرار عليه، ما يؤهلهم للوصول إلي الهدف، وعلينا جميعا أن نكون علي مستوي تلك الهمة والحماس والجهد الذي يبذله سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي في مختلف المجالات للنهوض بهذا الوطن والعمل علي تبوء مصر مكانتها اللائقة بتاريخها وحضارتها بين مختلف دول العالم.. كما أن علينا التعاون والعمل الجاد علي الإسهام في خلق المناخ العام المهيئ لذلك علميًّا وثقافيًّا وإعلاميًّا ومجتمعيًّا، مع وضع الضوابط واللوائح والقوانين المحفزة والضامنة لاستمرار عملية التجديد والتحديث، مع امتلاك الشجاعة الكافية لتحمل تلك المسئولية، فقد قالوا : من جدد فقد استهدف، لأنه في كل مجال من المجالات هناك أشخاص مستفيدون من الأوضاع القائمة، وآخرون متخوفون من عدم القدرة علي التأقلم مع التجديد، أو عدم السبق فيه، أو حتي الخلود إلي الراحة وعدم الرغبة في بذل أي جهد تتطلبه عملية التجديد. لذا نحن بحاجة إلي قراءة واعية للمستجدات وفهم الواقع ومعايشته، وليس الهروب منه، كما أن الواقع المحلّي لا يمكن أن يُقرأ قراءة صحيحة بمعزل عن المتغيرات الدولية والواقع العالمي، وفي رؤية وطنية تقرأ الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإنساني قراءة شاملة. كما نؤمن بتسارع وتيرة الحياة العصرية في شتي الجوانب العلمية والاقتصادية والتكنولوجية، إضافة إلي التقلبات والتكتلات والتحالفات والمتغيّرات السياسية، كل ذلك يحتم علي العلماء والفقهاء إعادة النظر في ضوء كل هذه المتغيّرات، ويعلم الجميع أن الإقدام علي هذا الأمر ليس سهلا ولا يسيرًا، ويحتاج إلي جهود ضخمة من الأفراد والمؤسسات، غير أننا في النهاية لابد أن ننطلق إلي الأمام، وأن نأخذ زمام المبادرة للخروج من دائرة الجمود.. ولا يمكن أن يكون الجمود عند النص وإسقاطه بحرفيته وبمعطيات زمانه ومكانه وبيئته علي زمن غير زمنه وبيئة غير بيئته وظرف غير ظرف الفتوي فيه، وهو ما يعرف بفساد القياس، كما أن عدم تحقيق المناط وعدم تنقيحه يهوي بالبعض إلي مزالق خطيرة، وتلك الأمور كلها لا يمكن أن يعيها ويحسن إسقاطها علي الواقع إلا أهل التخصص المتميزون ممن رزقهم الله رؤية وبصيرة وقدرة علي الفهم والاجتهاد، غير أن شعرة دقيقة أو خيطا دقيقا يفصل بين التجديد المنضبط والتبديد المنفلت، فالأول يحقق المصلحة، والآخر وراءه مفاسد لا تحصي ولا تعد، إذ لا يمكن أن ننجح إلا بصدق مع الله (عز وجل)، وصدق مع النفس، وصدق مع الناس، وإعلاء للمصلحة العامة علي كل المصالح الخاصة أو الشخصية أو اللهث خلف جنون الشهرة بالبحث عن كل شاذ وغريب ومحاولة تسويقه. كما نؤمن أيضًا أن بعض الفتاوي ناسبت عصرها وزمانها، أو مكانها، أو أحوال المستفتين، وأن ما كان راجحًا في عصر وفق ما اقتضته المصلحة في ذلك العصر قد يكون مرجوحًا في عصر آخر إذا تغير وجه المصلحة فيه، وأن المفتي به في عصر معين، وفي بيئة معينة، وفي ظل ظروف معينة، قد يصبح غيره أولي منه في الإفتاء به إذا تغيّر العصر، أو تغيّرت البيئة، أو تغيّرت الظروف، ما دام ذلك كله في ضوء الدليل الشرعي المعتبر، والمقاصد العامة للشريعة. علي أن التصدي لقضايا التجديد ليس نزهة ولا ترفًا من الأمر أو الفكر، فإنه يتطلب من صاحبه أن يكون عالمًا متخصصًا متمكنًا مستنيرًا واعيًا بقضايا عصره، مدركًا لخصوصيات ودقائق فقه المقاصد، وفقه الأولويات، وفقه الموازنات، ومتي يعتد بالعرف والعادة ومتي لا يعتد، والفرق بين الثابت والمتغير، قادرًا علي الجمع بين النصوص، والترجيح بينها، وفهم مراميها وأبعادها، وعدم إطلاق الأحكام الجزئية دون إدراك لفقه المقاصد وقواعد الفقه الكلية، ولا يكفي أن يكون مجرد حافظ للقواعد غير فاهم لمعانيها ولا مدرك لدقائقها، فلا يقف عند قولهم: الضرر يزال، دون أن يدرك أن الضرر لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه، وأن الضرر الخاص يُتحمل لدفع الضرر العام، ولا يقف عند حدود قولهم: درء المفسدة مقدم علي جلب المصلحة، دون أن يدرك أن درء المفسدة اليسيرة لا يدفع بتضييع المصلحة الكبيرة، وأنه إذا تعارضت مفسدتان دُفعت الأشد بالأخف.