كل كلمة في بلدنا.. لها مواسم.. ونحن الآن في موسم كلمة »التطهير«.. التي اقترح أن تكون كلمة العام.. باعتبارها من أدق الكلمات التي ينطبق عليها المصطلح السياسي »التهييج« agItatian.. لانها كلمة واحدة.. ومع ذلك فهي تستطيع حشد عدد كبير من الجماهير. وتدفعهم لتعطيل اعمالهم... دون الحاجة للاعلان عن أسباب التعطيل. كلمة واحدة لها مفعول السحر.. ليس فقط بسبب قدرتها علي الحشد.. والتعبئة.. والتهييج.. ولكن لقدرتها علي ارباك القيادة الإدارية وشل تفكيرها.. لان »المهيج« أو المحرض.. يعني بكلمة »التطهير« الاطاحة بالقيادة الكبيرة.. التي تستطيع تلبية المطالب غير المشروعة.. بجرة قلم.. حتي لو كان ذلك علي حساب العمل.. أو مصلحة الوطن.. أو حتي بناء المؤسسة.. أو جهة العمل.. علي سطح الأرض.. وليس في باطنها. والفرق بين »الدعاية« وبين »التهييج« كالفرق بين المسمار والأرض.. لسبب بسيط هو أن الدعاية تخاطب العقل.. وتتناول قضية يحتمل فيها الصواب والخطأ.. أما »التحريض« فهو يعتمد علي الحشد العاطفي.. والتركيز علي هز ثقة صاحب القرار في نفسه.. وتصويره علي أنه سبب الأزمة.. وانه اذا ذهب تحققت مطالب الجماهير الغفيرة. ويأتي رئيس آخر.. وأمامه رأس الذئب الطائر.. فيستجيب للمطالب من غير ابطاء. والهدف في كل الأحوال.. هو تعطيل الأعمال.. وشل حركة الإنتاج.. بمطالب فئوية تارة.. أو تعطيل خطوط السكك الحديدية.. والحاق الخسائر الفادحة بالاقتصاد الوطني.. تارة أخري. كلمة تطهير.. تسمعها بين الطلبة والطالبات في الجامعات للاطاحة بعميد أو أستاذ.. وتسمعها في ماسبيرو لفتيات يطلبن الانتقال من الإذاعة لشاشة التليفزيون.. وتسمعها من دعاة يعتصمون أمام مكتب وزير الاوقاف.. وتسمعها علي ألسنة موظفات بالمجلس القومي للأمومة والطفولة.. وتسمعها في دار التحرير للطبع والنشر بسبب ضم مجلة »حريتي« لمجلة »شاشتي« إلخ. والقائمة طويلة.. وتكشف العديد من الحالات في ظاهرة عجيبة.. هي أن عملية »التهييج« تجري لحساب مسئول.. يحاول استثمار الحالة الثورية التي نمر بها في الاطاحة بزميل له.. كي يحل محله. هي صور صارخة.. ليس فقط للتدني الأخلاقي المروع.. ولكن لأنها تأتي في الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نمر بها.. وندعو كل شرفاء هذه الأمة العظيمة للتكاتف.. والعمل علي زيادة الإنتاج وجودته.. للنهوض بالبلاد.. وانقاذ ثورتنا في الانتكاس والسقوط بين براثن بهائم النظام الاجرامي البائد.. مرة أخري. والسخيف في الموضوع أن كلمة »التطهير« استخدمت من جانب بعض الأقلام والاتجاهات التي تشوبها تصفية الحسابات.. في الهجوم عبر رموز »الصفوة« في البلد مثل الدكتور إسماعيل سراج الدين أو الدكتور يوسف والي.. وغيرها من النماذج الوطنية التي تضحي.. بلا حساب.. وبلا أية مكاسب أو عائدات مادية. مفهوم طبعا أن المطالبة بالاطاحة بالرموز الوطنية.. من باب »التهييج« لن تحقق اهدافها.. لاسباب يطول شرحها ولكن المشكلة تكمن في النموذج الذي يمكن أن نقدمه للأجيال القادمة.. ولأي شاب يسعي للوصول إلي أرقي المواقع الدولية ويفكر في العودة لوطنه مرة أخري كي يقدم جهده وخبرته.. بالمجان. الطريقة التي تعاملنا بها مع صفوة علماء مصر.. بعد احداث 52 يناير 1102.. لا تتناسب.. مع شباب الثورة العظام.. ولا مع الشهداء منهم الذين قدموا ارواحهم في ميدان التحرير.. ولا مع ما نأمله.. في المستقبل.. من مد جسور التفاهم والتعاون بين علماء مصر في الداخل.. وعلماء مصر في الخارج. ويزيد من سخافة الاتهامات الموجهة للدكتور يوسف والي أن يتلخص الاتهام في انه قام باستيراد مبيدات مسرطنة من الخارج!!. وهي تهمة عجيبة فعلا.. اذ لا يمكن تصور قيام دولية.. في أي بقعة منعزلة في العالم أن تقوم بتصنيع مبيدات مسرطنة.. تؤدي لاصابة عمالها.. وعمال شركات الشحن بالسرطان! وأذكر علي سبيل المثال.. انني كنت أول من دق اجراس الانذار عندما قام النظام البائد باستيراد شحنة الألبان الملوثة بالاشعاعات النووية.. عن طريق وسيط الماني سنة 6891.. وسارعت السلطات الألمانية بوقف شحن الألبان الملوثة بالاشعاع قبل نقلها للإسكندرية في 03 ابريل سنة 6891. وكان مصدري هو عمال الشحن بميناء »بريمن« الألماني الذين اعلنوا رفضهم نقل الألبان الملوثة بالاشعاع النووي إلي السفن المتجهة إلي الإسكندرية. بما يعني أن الشعوب الناهضة.. والدول التي لا يحكمها اللصوص.. لا تسمح بإنتاج مواد مسرطنة.. وغني عن البيان القول بأنه لا توجد مبيدات لا يؤدي سوء استخدامها إلي الأمراض.. كما لا توجد سجائر لا تؤدي إلي السرطان.. فالدول الناهضة لا تعرف السداح المداح! نعود لموضوعنا فنقول: إننا لسنا ضد التطهير طبعا.. ولكننا مع »التطهير« الذي يقوم علي أساس من الوطنية وارساء مبادئ جديدة للعدالة الاجتماعية.. وافساح الطريق أمام ثقافة مجتمعية جديدة. نحن ضد المطالب الفئوية التي تؤدي لقطع مسارات السكك الحديدية.. كما حدث في قنا.. أو وقوع معركة بالمدافع الرشاشة بسبب مطب صناعي.. كما حدث في المنيا.. أو تعطيل خطوط السكك الحديدية بالأشجار.. بسبب اقامة محطة تقوية لاحدي شركات المحمول.. أو حشود سكان العشوائيات أمام مبني ماسبيرو.. من أجل الحصول علي شقق وعمارات سكنية.. ليسوا أحق من غيرهم بها. والاعتداء بالضرب علي إحدي المذيعات.. وتدمير سيارتها إلخ. هذه الحالة من الفوضي العارمة.. طالت وامتدت.. ويقال إنها سوف تستمر لشهور طويلة قادمة.. ترجع لسبب واحد.. هو اننا نمر بحالة ثورية.. لم تصل بعد إلي حد الثورة. في الحالة الثورية.. انت تسير في مظاهرة شعبية هائلة.. بلا.. قائد.. وكل من يحمل مكبر صوت يستطيع اطلاق الشعارات التي يراها والتي يرددها خلفه.. زملاء العمل والجيران.. ورفاق المقهي وصديقات زوجاته! وكل هارب من العدالة.. يستطيع أن يطلق لحيته.. لاخفاء ملامحه.. ويصعد فوق كتف معمم آخر.. وينادي بما يراه من شعارات تطالب »بتطهير« إدارة مكافحة الفشل بوزارة الداخلية.. والكف عن مطاردة النشالين الأبرياء الذين دست وزارة الداخلية »محافظ« المواطنين في سراويلهم.. لاسباب سياسية. اريد أن أقول إن الحالة الثورية طالت.. وامتدت.. ولم تصل بعد إلي حد »الثورة« علي النحو الذي عرفناه في الثورات الكبري.. لانها تفتقد القائد الواحد الذي يحدد مبادئ الثورة. بدون لينين.. لم تكن هناك ثورة بلشفية.. تخاطب الفلاحين والعمال »البروليتاريا«، وبدون موسوليني لم تكن هناك خاشية.. تخاطب الشعب الإيطالي »بوبولو ايتاليانو« وبدون هتلر.. لم تكن هناك »نازيه« تخاطب »الدويتشه فولك«. كل هذه التحولات.. والثورات الكبري.. جاءت بقيادة أو زعامة.. لها مشروعها الثوري الواضح المعالم.. وبالتالي استطاعت الشعوب أن تري علي وجه التحديد.. من هم الثوار.. ومن هم اعداء الثورة.. من هم اصحاب المصلحة في الثورة.. ومن هم اعداء الثورة الذين يتعين »تطهيرهم« ومحاكمتهم علي ما فعلوه.. واعدائهم اذا لزم الأمر. عندنا لم يحدث ذلك.. وبات في استطاعة أي مواطن.. ممارسة اقصي درجات »التهييج« للاطاحة بشرفاء الوطن بتهمة استيراد سجائر مسرطنة.. وكل واحد يحمل سيجارة.. ويبحث عن شيء في الوطن.. يولعه!.