علي مدار اجتماعين متتاليين لم تخرج علينا وزارة الري بحقائق ما يدور بيننا وبين دول حوض النيل ومدي خطورة الاختلافات القائمة وتهديدها لحياة المصريين باستهداف أمنهم المائي. إن خروج الحقائق كاملة من شأنه أن يحدث حشدا شعبيا جماهيريا ينعكس صداه هناك وليس هنا لأن الجميع يعلم أن هذا ليس وقت إلقاء اللوم علي المسئولين أو جلد الذات باتهامات غير صحيحة بالتقصير لأنه ليس هناك من يمكنه أن يقصر فيما يخص حياة ومستقبل شعب بأكمله. أيضا عدم خروج الحقائق يؤدي بالمتخصصين في أمور المياه باللجوء إلي مواقع دول حوض النيل فقط وأخذ بياناتها علي أنها هي الحقيقة المطلقة طالما أن هناك امتناعا عن الحديث عندنا ظنا أن هذا هو الأفضل وتجنبا لتلقي لوم أو اتهامات وبالتالي فإن الإعلام وعلي رأسه القنوات الفضائية لا يمكن ألا تقوم بتغطية حدث مهم للغاية مثل حدث الاختلافات بين دول حوض النيل، فتقع جميعها في شراك المجتهدين تارة والموتورين وأصحاب النيات السيئة تارة أخري. وعموما وبعد أن خاض المجتهدون في الكثير من الأمور غير الصحيحة وصب الكارهون نيران غضبهم علي دول ومسئولين بدون دليل أو بينة نود أن نوضح بعض ما لدينا والذي نعتقد أنه صحيح سواء من الناحية التخصصية أو السياسية:- أن الادعاء بأن اتفاقيات حصص مياه النيل وقعت في عهد المستعمرين ليس بحجة يؤخذ بها في الاتفاقيات الدولية لأن مصر أيضا وقعتها في عهد نفس الاحتلال وليس للمحتل أسباب تجعله يفضل بلدا عن آخر يحتله أيضا وأن التنصل من تعهدات الاحتلال من دول حوض النيل شملت فقط حصص مصر والسودان من المياه في حين بقي الاستعمار مجسما في جميع دول حوض النيل والتي تحمل بحيراتها أسماء ملوك وحكام هذا المستعمر مثل بحيرة فيكتوريا (الملكة الأم لبريطانيا) وبحيرة إدوارد وبحيرة جورج وبحيرة ألبرت بما يؤكد بقاء هذه الأسماء تقربا من نفس المحتل الذي يُتبرأ منه الآن. أن دول حوض النيل مطالبة بالنظر بموضوعية لاحتياجات دول المصب من المياه وعليهم أن يجيبوا علي بعض الأسئلة الموضوعية مثل ما هي متطلبات شعب تعداده 80 مليونا من المياه العذبة؟! والإجابة ليس أقل من 80 مليارا لتخطي حد الندرة، وبالمثل يحتاج تعداد السودان البالغ 35 مليون نسمة لنحو 35 مليار متر مكعب سنويا من إجمالي موارد المياه في دول الحوض والتي تتراوح بين 1200 إلي 1600 مليار متر مكعب سنويا منها نحو 600 إلي 750 مليارا تسقط في الحوض الشرقي في إثيوبيا الأقرب إلينا لأنها تصب في منتصف السودان، ثم أكثر من هذه الكمية في الدول الست للمنابع الاستوائية والتي تأتي إلينا من جنوب السودان. أن ما يصل لمصر والسودان معا من مياه النيل من إثيوبيا يبلغ 71.5 مليار متر مكعب سنويا في حين مايصلهما من دول المنابع الاستوائية الستة مجتمعة لا يتجاوز 12.5 مليار بإجمالي 84 مليار متر مكعب لمصر والسودان بنسب لا تتجاوز 5 إلي 7٪ فقط من إجمالي ما تستقبله دول المنابع من المياه العذبة وإن كانت ميزة الأخير فقط انه يمدنا بالمياه خلال شهور الشتاء في حين تأتي في الصيف من إثيوبيا، كما ان جميع دول الحوض متخمة بحصص كبيرة من المياه العذبة لا يستهلك منها إلا قدر يسير وأنها أصبحت مطمعا للمستعمرين الجدد تحت مظلة الاستثمار الزراعي ولكنه استعمار بالاتفاق والتراضي بإيجار 99 عاما بما يؤكد معني الاحتلال والخضوع للمستعمرين الجدد الذي يتبرأ منه الجميع من سابقه. إن الخوض في أمور الاستثمار المصري في دول الحوض لا يصلح الآن لأن هذا يشعرهم بنجاح ضغطهم علينا كما وأن الهرولة إليهم لن تجدي الآن بعدما وفر لهم المستعمرون الجدد أكثر كثيرا مما يمكن أن تقدمه مصر إليهم لأن التراكمات قديمة والتقصير ليس وليد الزمن الحالي وقد نبهت في مقالين سابقين في هذا المكان عام 2004 بضرورة وجود وزير لشئون دول حوض النيل أسوة بوزير شئون السودان في الستينات ثم كتبت في عام 2007 بأن الشراكة مع دول حوض النيل أهم وأبقي من الشراكة المتوسطية أو الكويز ولكن يبدو أننا تعودنا علي رد الفعل وليس الفعل أو استباق الأحداث وقراءة الحدث والاستعداد له قبل أن يأتي، وإذا فعلها أحد وسبق الحدث فلن يلتفت إليه الآخرون. أن انضمام الصومال وجيبوتي لجامعة الدول العربية لم يضف إليهما شيئا وكان هذا هو السبب الذي أقنعوا به اريتريا بعدم جدوي الانضمام إلي جامعة الدول العربية. إن أمريكا ليس لها نفوذ يذكر في دول الحوض وأن تأثير إسرائيل ضعيف للغاية وليس لها مساحات تذكر هناك فيما يخص المياه، كما وان أمريكا نبهت كثيرا إلي التغلغل الصيني في دول الحوض فيما يشبه الاحتلال ولكننا لم ننتبه بعد أن تركناها نحن أيضا تسيطر علي أسواقنا وفتحنا الأبواب لعمالهم ودلالاتهم لمنافسة المصريين في أقواتهم دون النظر إلي ارتفاع نسبة البطالة بين المصريين، وأن وارداتهم إلينا أغلقت العديد من المصانع والصناعات اليدوية المهمة في مصر والدور أصبح الآن علي الموبيليا الدمياطي بعد أن سمحنا للأثاث الخشبي الصيني بمنافستنا في بلادنا وبما اقنع باقي الدول العربية بفتح الباب للصناعات الخشبية الآسيوية بعد أن سمحت مصر نفسها بدخوله!! وكما سمحنا من قبل باستيراد الأقطان الخارجية علي حساب القطن المصري. وبالمثل أيضا فإن الغزو الكوري لدول الحوض ليس بالهين بعد أن أقاموا في مصر مصنعا للوقود الحيوي فقد أقاموا هناك ستة مصانع في السودان وإثيوبيا وتنزانيا وأوغندا وكينيا والكونغو في الطريق أيضا. الحسم والتحذير لمن يفكرون في تهديد حياة المصريين يجب أن يكون شديد الوضوح حاليا وأن التلاعب بحياة أعرق وأقوي دولة في أفريقيا ليس بالأمر الهين وعلي الجميع أن يتذكر بأن العالم لن يدين دولة تدافع عن حياة وحقوق شعبها وأن نقض المعاهدات الدولية ليس بالأمر اليسير كما وأن جميع المنظمات الدولية لم ولن تقر مبدأ الحق في بيع المياه لأن المياه ليست بترولا وأن المياه ليست كمالية مثل البترول ولكن من أجلها يهون الغالي والثمين. مصر العريقة القوية لن تكون أبدا تحت وضع استغلال أو دفاع عن النفس ولكنها ستمتلك المبادرة الفعالة بعد أن تستنفد كافة سبل التبصير لمن يظنون أن ينزلوا الأمطار ويهبوها إلينا "أفرءيتم الماء الذي تشربون ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون" "الواقعة 68 و 69" صدق الله العظيم. كاتب المقال : استاذ بكلية الزراعة جامعة القاهرة