لم يسب خصومه أو الدول الإسلامية، ولم يُشر إلي تلك المدن والبلدان الأوروبية التي »شوهها المهاجرون»، ولم يلوح بقبضته في الهواء متوعداً »نخباً سياسية فاسدة»، ولم يتهم وسائل الإعلام »بالزيف والكذب والتضليل»، كما اعتاد من خلال منصته المفضلة »تويتر».. في خطابه يوم الثامن والعشرين من فبراير الماضي، وبعد 5 أسابيع صاخبة من توليه الحكم فعلياً، أظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قطيعة مع خطبه الانتخابية كمرشح جامح، إذ ظهر في ثوب جديد أو »نيو لوك»: عاقل، رزين، حكيم، رصين، تزينت عباراته بأقوال مأثورة قالها من قبل الرئيسان إبراهام لنكولن ودوايت آيزنهاور، فيما بدا منه وكأن صعوبة فن الحكم، المغايرة تماماً لفن صناعة الحملات الانتخابية، قد ظهرت أعراضها علي الرجل، بل أغلب الظن أنها تخيفه. الخطاب كان الأول الذي يلقيه الرئيس الخامس والأربعين أمام الكونجرس بغرفتيه الشيوخ والنواب، وفيه تخلي عن نبرته المزعجة للجميع، لكنه لم يتخل عن وعده الاقتصادي القومي بأن »تكون أمريكا أولاً» بعد عقود أنفقت فيها مليارات الدولارات ذهبت أدراج الرياح خارج حدود الولاياتالمتحدة.. ينوي ترامب تعقيد إجراءات انتقال الشركات الأمريكية للعمل في الخارج، وتخفيض الضرائب علي المؤسسات، وتحرير الرواتب من ضغط الأجور المتدنية التي يحصل عليها المهاجرون، ثم تقديم خطة للكونجرس تكلفتها تريليون دولار لتحديث البنية التحتية، دون الإفصاح عن كيفية الحصول علي التمويل، وكذلك رفع ميزانية وزارة الدفاع »البنتاجون» بنسبة 10%. تنازل ترامب عن إلغاء اتفاقيتي التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي ودول آسيا والمحيط الهادئ، لكنه يصر في الوقت نفسه علي نهج اقتصادي قومي.. كيف سيحقق تلك المعادلة؟ لم يفصح سيد البيت الأبيض عن ذلك، وإذا كان فريق من حزبه الجمهوري يجهز مشروع قانون لفرض ضريبة علي عبور الحدود، فإن الرئيس يجد نظريتهم أصعب كثيراً من التطبيق، لا سيما وأن فريقه الاقتصادي، المكون من كبار موظفي بنك الاستثمار الشهير جولدمان ساكس، يدرك بلا شك القاعدة الاقتصادية المعروفة: من لا يستورد لا يصدر. كما أن دول منطقة اليورو ودول آسيا أعلنت أن المعاملة ستكون بالمثل، ومن هنا اختفت نبرة ترامب الحالمة المتبنية للإجراءات الحمائية أمام قوانين الواقع. يجب الانتباه أيضاً إلي أن الانطواء الحمائي يحمل في طياته إجراء عقابيا للولايات المتحدة نفسها، إذ أن رفع رسوم الجمارك علي السلع المستوردة سيؤدي بالتبعية إلي رفع سعرها علي المستهلك، مما »سيسرع من وتيرة عملية نمو سيئة سيمولها الدين»، بحسب لودوفيتش سوبران، الخبير الاقتصادي ببورصة باريس، ويضيف سوبران » أغلب أصحاب الشركات في الولاياتالمتحدة من الحزب الجمهوري، وهؤلاء لن يسمحوا بخفض هامش ربحهم إلي مستوي غير مقبول.. تلك حقيقة أدركها ترامب داخل حزبه»، ويكمل لودوفيتش لصحيفة لوموند الفرنسية اليومية: » ترامب لم يعلن الصين كأكبر متلاعب بالعملة كما وعد إبان حملته الانتخابية ولم يعلن كذلك إجراءات رسمية لإلغاء اتفاقية نافتا للتجارة الحرة التي تربط بلاده بالمكسيك وكندا، وهو ما يعطي انطباعاً بأن إدارته تنبح ولا تعض». الحد من الهجرة كان العمود الثاني بعد الحمائية في النهج الاقتصادي القومي لترامب، وهنا أيضاً اختلفت نبرة الرئيس الأمريكي، فلم يتحدث عن جدار كان يعتزم بناءه علي طول الحدود مع المكسيك علي أن تتحمل تلك الأخيرة تكلفته، واكتفي فقط بالقول: »علينا أن نطبق قوانينا الخاصة بالهجرة»، وإذا كان ترامب المرشح قد وعد بطرد 11 مليون مهاجر لا يحملون أوراقاً رسمية، فإنه لم يستبعد الحديث عن »تسويات» لأولئك المهاجرين. غير أن ترامب لم يغير من لهجته كثيراً بشأن السياسة الخارجية، حيث إنه أكد علي مضض دعمه لحلف شمال الأطلنطي »الناتو» طالما يحارب »بقوة» التنظيمات الإرهابية، علماً بأنه وصف الحلف إبان حملته الانتخابية ب»عديم القيمة». وكغيره ممن سبقوه برع ترامب في اختيار كلماته والحضور من حوله، سواء في اختياره لآباء ضباط في الشرطة لقوا مصرعهم في أثناء الخدمة، أو في انتقاء عبارات عاطفية مؤثرة، دفعت الجميع للوقوف والتصفيق، لرثاء الجندي ريان أوينز الذي قُتل في عملية إنزال بري باليمن عقب أيام قليلة من تولي ترامب مقاليد الأمور في البيت الأبيض. واستقبلت أرملة الجندي القتيل ذلك الاحتفاء واقفة علي قدميها بوجه أغرقته الدموع، فيما كان مكان جلوسها علي يمين إيفانكا ترامب ابنة الرئيس، أما والد الجندي ريان أوينز فرفض مقابلة ترامب ومصافحته معلناً انتظار نتائج تحقيقات بشأن قراره بالسماح بعملية الإنزال التي أودت بحياة ابنه، بينما تنصل ترامب نفسه من مسئولية إصدار القرار كقائد أعلي للقوات المسلحة، علي قناة فوكس نيوز، وقال إنه وافق علي العملية بناء علي رأي القادة العسكريين. في النهاية جاء الخطاب كاشفاً عن »فوبيا ترامب» من أي مغامرة عسكرية دبلوماسية خارجية، وانحيازه لمؤسسات وول ستريت، وخلف ذلك الخطاب الحذر يكمن تردد رجل كان شعبوياً عدوانياً أوسع خصومه، لا سيما الديموقراطيين، سباً وشتماً، ولكن ها هو يقف اليوم أمامهم ليؤكد لهم أنه »لدينا عمل يجب أن نتكاتف لإنجازه سوياً».. الخلاصة أن ترامب الرئيس وصل.. وإن كان وصل متأخراً فإن ذلك خير من ألا يصل أبداً. • محمد عبد الفتاح