فيديو.. متظاهر لبناني: نتمنى أن يكون لدينا رئيس مثل السيسي    مجدي عبدالعاطي: فايلر سيصل لإنجازات جوزيه مع الأهلي.. ومروان محسن مهاجم مميز    سائق ينهى حياة عامل يومية لمنعه من إتمام زواجه من فتاة بالبحيرة    صحيفة: بريطانيا تلغي الإحصاء اليومي لوفيات فيروس كورونا المستجد    لهذا السبب.. بيومي فؤاد شارك كضيف شرف في فيلم "النمس والإنس"    بريطانيا تدرس إلغاء إحصاء كورونا اليومي    رئيس المصري يُعلن عن تطورات جديدة بشأن تأجيل مواجهة حرس الحدود    شائعات بتعرض باسم ياخور لحادث سير.. والفنان يكشف الحقيقة    قائد منتخب مصر السابق يوجه رسالة قوية للحكام بعد عودة الدوري    مصرع 30 شصخا وإصابة 13 جراء السيول والفيضانات بالسودان.. فيديو    اليوم.. مصر الطيران تسير 22 رحلة دولية تقل 2000 راكب    «مساء dmc» يعرض فيديو شباب «مصنع السكر» المطلوبين من جهاز حماية المستهلك    الجيزة تكثف استعداداتها لانتخابات مجلس الشيوخ "صور"    "قبل أزمة إصابات كورونا".. مصراوي يسرد كواليس من معسكر المصري    إبراهيم سعيد : هناك علامات استفهام حول مشاركة مروان محسن مع الأهلي والمنتخب    مواعيد الصلاة في جميع المدن المصرية 10 أغسطس    تظلمات الثانوية العامة.. تعرف على طريقة الاستعلام عن النتيجة    محافظ الإسكندرية يُكرم العامل المعتدى عليه أثناء إخلاء التجمعات بشاطيء النخيل    حماية المستهلك: نناشد المواطنين بالإبلاغ عن «مصانع بير السلم».. ونضرب بيد من حديد    القبض على مساعد شرطة سابق قتل شخصا وأصاب 4 آخرين خلال مشاجرة بالشرقية    أبطال الثانوية العامة!    ترامب يعلن عن إرسال مساعدات إضافية ل لبنان    فيديو.. نائب لبناني مستقيل: الوجع الأكبر لانفجار بيروت عند المسيحيين    وليد توفيق: هذا ما حدث لي في كارثة بيروت    رانيا محمود ياسين تنفي شائعة وفاة والدها    وزير الأوقاف : الدور الاجتماعي والتنموي للوزارة لم ولن يتوقف    عروس لبنان: الانفجار طيرنى فى الهواء    تعرف على خلافة سيدنا أبى بكر الصديق    تعرف على كم زوجة تزوجها سيدنا عمر بن الخطاب    لماذا سمى الصحابي أبوهريرة بهذا الاسم    دعاء في جوف الليل: اللهم إني أسألك خيرات الدين بالرضا بقضائك والشكر على آلائك    بيلاروس: خراطيم المياه والقنابل الصوتية لتفريق المحتجين في العاصمة مينسك    هل ينضم محمد إبراهيم للأهلي؟.. اللاعب يرد    الكويت: قرار حظر الطيران مع 31 دولة محل تقييم كل 10 أيام    زادة: أمامنا 3 خطوات قبل تقديم ملف القرن للمحكمة الرياضية    فيديو.. عروس لبنان: الانفجار جعلني أتطاير مثل الزجاج    رئيس مدينة كفر الدوار يتفقد المقرات الانتخابية لبحث مستوى النظافة    عاجل.. أول تعليق لحسين الجسمي بعد شائعات إعلانه اعتزال الغناء بسبب حملة التنمر عليه    ضبط شخص نصب على مواطن واستولى على مبلغ 115 ألف جنيه    بعد طرح وحدات جديدة لمتوسطي الدخل.. صندوق الإسكان: نهدف لدعم التمويل العقاري    الجيزة: إزالة عقارات مخالفة مقامة على أرض زراعية في أبوالنمرس    الأنبا مارتيروس يكرم أوائل الثانوية العامة    الهجرة: يمكن للمصريين التصويت بالبطاقة الشخصية "منتهية الصلاحية"    مدير مستشفى النجيلة: أعدنا الفتح نتيجة توقعات قدوم موجة ثانية من كورونا    تنسيقية شباب الأحزاب: جولات ميدانية ولقاءات شعبية لنواب المحافظين    إيطاليا.. فشل قاري ذريع للأندية وتخطيط عشوائي يبعدهم عن منصات التتويج الأوروبية    حسين الجسمى بعد تعرضه للتنمر: صمتنا بسبب احترام تربينا عليه    مشهد يحبس الأنفاس.. رجل يتدلى بطفل من حافة نافذة من طابق مرتفع.. فيديو    رابط نتائج صرف حساب المواطن الدفعة 33 برقم الهوية    تجهيز 15 مقرا في العمرانية لانتخابات مجلس الشيوخ    توفر 826 ألف فرصة عمل.. التنمية المحلية: 6 بنوك وطنية تشارك في مبادرة مشروعك.. فيديو    الإفتاء: لا يجوز للزوج أن يأمر زوجته بإسقاط الجنين ولا يجوز لها أن تطيعَه في ذلك    الانتهاء من التجهيزات الخاصة لانتخابات الشيوخ بالبحيرة    وزير الثقافة الأسبق: جمع أطلس الأوقاف في 92 مجلدا جهد ضخم لم يحدث من قبل    أبوشقة: الوفد لن ينسى الدور التاريخي للزعيم فؤاد سراج الدين    فيديو.. تقرير: 3 أيام فقط تفصل العالم عن أول لقاح معتمد لفيروس كورونا    لجنة كورونا بالصحة: لم ندخل موجة ثانية.. وجاهزون لكل الاحتمالات    أسعار الذهب اليوم الإثنين 10-8-2020.. المعدن الأصفر يستعد لاستئناف الصعود    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محنة الرأي في تاريخ المسلمين (4)
نشر في بص وطل يوم 11 - 05 - 2014


عبد الله بن المقفع – ويل لمن سبق عقله زمانه
سقطت الدولة الأموية
وصعدت الدولة العباسية على أنقاضها
وبدأ فصل جديد من فصول الحكم بالحق الإلهي، وعهد جديد من عهود الاستبداد الديني.
بدأه "أبو جعفر المنصور"، الخليفة العباسي الثاني، عندما أعلن أنه "خليفة الله في الأرض وسلطانه على أمواله" أي أن شرعيته مستمدة من الله وليس من الشعب، وفي ذلك خطب في الناس قائلًا:
- "أيها الناس! إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على ماله، أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله عليه قفلاً، فإن شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني عليه قفلني".
وبهذا أعطى المنصور لنفسه سلطة إلهية مطلقة، يتصرف في أرواح المسلمين وأرزاقهم وحرماتهم كيفما يشاء!
لقد كان الخلفاء السابقين – على ظلمهم – يعتبرون أنفسهم خلفاء لرسول الله (ص)، حتى اجترأ "المنصور" وأعلن نفسه خليفة لله، وظله الممدود على أرضه، فيحاسب الناس لمجرد الشك، والشك عنده كان كافيًا لقطع الرقاب دون تحقيق أو مساءلة، فكيف يكون على خطأ، وهو خليفة الله في الأرض؟
إن استخدام الدين في تحقيق المطامع الدنيوية والسياسية هو أحد أهم أسباب الاستبداد الديني، وحيث وُجد الاستبداد الديني، فليست هناك حرية رأي، وحيث لا توجد حرية رأي، فلن يكون هناك إلا أبشع أنواع التسلط والقهر.
وقد شاع الفساد بشدة في عهد الدولة العباسية، وخاصةً الفساد المالي، فبينما كان أمراء البيت العباسي ومن يواليهم غارقين في نعيم الترف ويسبحون في تلال الأموال، كانت الرعية تعاني الفقر وغلاء الأسعار وضيق الحاجة، وفي ذلك نظم الشاعر "أبو العتاهية" شعرًا قال فيه:
من مُبلغ عني الإمام نصائحًا متوالية
إني أرى الأسعار، أسعار الرعية غالية
وأرى المكاسب نزرة وأرى الضرورة فاشية
وأرى غموم الدهر رائحة تمر وغادية
وأرى اليتامى والأرامل في البيوت الخالية
يشكون مجهدة بأصوات ضعاف عالية
صاحب كليلة ودمنة:
كان "عبد الله بن المقفع"، (106 – 142 ه) (724 م 759 م)، أشهر ناقد للأوضاع في هذا العهد، وكان سلاحه الكلمة الحرة الصادقة، والحكمة والموعظة، وكيف لا وهو الأديب الفصيح، والخطيب المفوه، وصاحب كتاب "كليلة ودمنة" الشهير، الذي تضمن حكايات ومواعظ على لسان الحيوانات، جمعها "ابن المقفع" وترجمها من ثقافات شتى وأضاف إليها من عنده، فجاءت أشبه بأفلام الكرتون التي يشاهدها الأطفال اليوم، لتكون شاهدة على عقل سبق زمانه بسنوات كثيرة.
و"ابن المقفع" فارسي الأصل، اختلف المؤرخين حول سبب تسمية أبيه "بالمقفع"، فقيل "المقفَع"، بفتح الفاء، لأن "الحجاج بن يوسف الثقفي" قد عذبه حتى تقفعت يداه، أي تورمتا بشدة، وقيل "المقفِع"، بكسر الفاء، نسبة إلى بيع "القفاع" وهي مقاطف مصنوعة من الجريد بلا آذان.
رسالة الصحابة:
نظر "ابن المقفع" إلى قصر الخليفة، فوجده وقد أصبح مرتعًا للوصوليين والمنافقين، ونظر إلى الدولة فوجدها غارقة في الفساد، ورأى أن بطانة الحاكم سبب رئيس في هذا الفساد، فألف كتابه "رسالة الصحابة" الذي انتقد فيه فساد الدولة ووجه من خلاله عدة نصائح للخليفة.
والصحابة المقصودون في هذا الكتاب ليسوا صحابة رسول الله (ص)، ولكن حاشية الخليفة وأصحابه هم المقصودون.
وانتقد "ابن المقفع" في كتابه هؤلاء الصحابة نقدًا شديدًا، وحتى يأمن شرهم وغدر الخليفة الذي لم يكن يحب النُصح، لم يذكر اسم الخليفة ولا أصحابه صراحةً، بل جعل كلامه عامًا، ينطبق على بطانة الحاكم في كل مكان وزمان، وبذلك وجه رسالة مستترة إلى الخليفة وقتها حتى ينتبه إلى فساد بطانته.
مظاهر الفساد في دولة العباسيين:
تمثلت مظاهر الفساد في الدولة العباسية في عدة نقاط، منها:
1- عدم تسجيل الأموال الواردة إلى خزائن الدولة من مختلف الأمصار في سجلات دقيقة، مما فتح الباب على مصراعيه أمام السرقات والاختلاسات.
2- تضارب أحكام القضاة في القضية الواحدة من بلد إلى بلد لعدم وجود قانون موحد للأحكام، وهو الأمر الذي لا يحقق العدالة بين الناس، فكيف تكون العدالة حين يُحكم على أحد الأشخاص بالبراءة في قضية ما وعلى آخر بعقوبة في القضية نفسها؟
3- توغل قادة الجند في شؤون البلاد ونفاقهم للخليفة، وقد بلغوا في نفاقهم مبلغًا قالوا فيه: "لو أمرنا أمير المؤمنين أن نستدبر القبلة في صلاتنا، لسمعنا وأطعنا!" أي لو أمرنا الخليفة أن نعطي ظهورنا للقبلة بدلاً من وجوهنا لفعلنا، فحتى أصول الدين يمكن التنازل عنها رياءً للخليفة!
عقل سبق عصره:
رأى "ابن المقفع" وجوب وضع قانون موحد يلتزم به جميع القضاة في جميع الأمصار، وهو الأمر الذي يشبه إلى حد كبير آليات التشريع الحديثة، فسبق "ابن المقفع" بذلك عصره بمئات السنين، فأوروبا مثلاً لم تعرف القانون الموحد إلا على يد "نابليون" الذي جمع كبار رجال القانون لتوحيد القانون الفرنسي، فخرج "القانون المدني" الموحد عام 1804 ليقضي على فوضى القوانين في فرنسا وقتها، وهي الفكرة التي قدمها "ابن المُقفع" قبل ذلك بمئات السنين.
نصائحه للخليفة:
وجه ابن المقفع في كتابه عدة نصائح للخليفة، منها:
1- أن يعيد النظر في اختيار رؤوس الدولة، فيولي أهل الكفاءة لا أهل الثقة.
2- أن يقوم بتثقيف الجند ثقافة علمية وخلقية، فلا يكون الجندي عصا في يد قائده يضرب بها من يشاء.
3- أن يتقصى أحوال الجند ويتعرف على أخبارهم وحالهم.
4- أن يمنع الجند من التدخل في الشؤون المالية للبلاد، وعلل رأيه بأن (ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة)، وقد صدق رأي "ابن المقفع"، لأنه في عصور لاحقة، وعندما عوقب الكثير من القواد على ظلمهم للناس، استغلوا ما تحت أيديهم من أموال، ومن يواليهم من الجند، فخرجوا على الدولة وسببوا لها عدة كوارث.
وقد شعر الخليفة وبطانته بالخطر من أفكار "ابن المقفع" التي تنم عن عقل واعٍ، وفكر حر، وهم يريدون عقولاً جوفاء، تصلح للاستعباد بسهولة دون عناء، فأخذ أصحاب "المنصور" يؤلبون الناس على "ابن المقفع"، ويتهمونه بالزندقة، وبأنه يفسد على الناس عقائدهم.
وهكذا يكون استغلال الدين لتكفير المعارضين، وما أشبه اليوم بالبارحة!
الخلاف بين المنصور وعمه:
وحدث أن وقع خلاف شديد بين الخليفة "المنصور" وعمه "عبد الله بن علي"، وكان سببه أن "المنصور" خلع عمه من ولاية العهد، وعين ابنه "المهدي" بدلاً منه، فأعلن "عبد الله" تمرده وخرج على ابن أخيه طالبًا الخلافة لنفسه، فأرسل إليه "المنصور" جيشًا بقيادة "أبو مسلم الخراساني"، فانتصر "أبو مسلم" وهرب "عبد الله بن علي" إلى أخويه "سليمان" و"عيسى" واستتر عندهما خوفًا على نفسه من "المنصور"، فتوسطا له عند "المنصور" ليرضى عنه، ولا يؤاخذه بما جرى منه، فقبل شفاعتهما، واتفقا معه على كتابة عهد أمان لأخيهما يوقع عليه "المنصور"، فذهبا إلى "ابن المقفع" في البصرة، وكان كاتبًا لعيسى، وطلبا منه أن يكتب هو عهد الأمان وأن يبالغ في التشديد على الأمان حتى لا يغدر "المنصور" بأخيهما، فكتب "ابن المقفع" عهد الأمان وبالغ في تشديده حتى قال فيه: "ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله بن علي، فنساؤه طوالق، ودوابه حبس، وعبيده أحرار، والمسلمون في حل من بيعته".
وأُرسل العهد إلى "المنصور" كي يوقعه، وما أن قرأ كلمات "ابن المقفع" حتى استشاط غضبًا وصاح قائلاً:
- من كتب هذا؟
فقيل له:
- إنه "عبد الله بن المقفع".
فكتب الخليفة إلى والي البصرة "سفيان بن معاوية" بأن يقتل "ابن المقفع" جزاءً على تطاوله على مقام الخليفة السامي!
نهاية مأسوية:
وكان "سفيان بن معاوية" هذا يكن حقدًا شديدًا تجاه "ابن المقفع"، لأنه كان دائم السخرية منه، فما أن وصلته رسالة الخليفة، حتى احضر "ابن المقفع" مقيدًا بالحبال، وقال له متشفيًا:
- والله لأقتلنك قتلة لم يقتل بها أحد.
فأمر بالسكين فأحضروها له، وأخذ يقطع جسد "ابن المقفع" قطعة وراء قطعة، وهو حي، ويشوي كل قطعة في النار أمام عينيه إمعانًا في الذل، قبل أن يحرق ما تبقى من جسده دفعه واحدة في نهاية الأمر!
وهذه القتلة البشعة إنما تدل على مدى انحطاط ودناءة نفوس الحكام في هذا العصر بشكل خاص، وفي أنظمة الحكم الشمولية بشكل عام.
وقبل أن يلفظ "ابن المقفع" أنفاسه الأخيرة، ألقى في وجه قاتله بهذين البيتين:
إذا ما مات مثلي مات بموته خلق كثير
وأنت تموت ليس يدري بموتك لا الصغير ولا الكبير
وقد صدق "ابن المقفع" في هذين البيتين، فالجميع الآن يذكر "ابن المقفع"، ولا أحد يذكر اسم قاتله.
وهكذا سقط شهيد جديد من شهداء الرأي، وقد مات وهو لم يبلغ السادسة والثلاثين من عمره بعد، تاركًا تراثًا ثقافيًا قل أن تجود العقول بمثله، فقد كان واحدًا من أعظم العقول في تاريخ الثقافة العربية، وبموته انطفأت شمعة كانت قد أضاءت سماء الفكر، شمعة أبت طيور الظلام إلا أن تطفئها، لتبقى عقول البشر غارقة في الظلام، حتى يستمروا في طغيانهم، واستعبادهم للناس.
وللحديث بقية…


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.