عندما تشاهد صياداً يلقي صنارته في نهر الوطن ليصطاد قوت يومه، فيلتقط الطُعم عصفوراً هزيلاً هبط من السماء ليروى ظمأه، ويشتبك حلقه في الخطاف بدلاً من السمك، ليصبح حصاد الصيد من الماء، مجرد عصفور، ستدرك حينها أن المصريين تحولوا إلى.. "عصافير النيل"! أدب السينما من جديد نعود لظاهرة "تأديب" السينما، وصنع أفلام بنكهة الروايات الشهيرة لكبار الكُتاب، بعد ذلك النجاح الذي حققته رواية "عمارة يعقوبيان" للدكتور علاء الأسواني وانعكاس بريقها على الفيلم السينمائي الذي حمل معظم أحداثها، ليجذب كل قطاعات الجمهور إلى السينما، ويجمع نخبة نجوم الفن في عمل واحد، لكن يبقى السؤال: هل سيكون فيلم "عصافير النيل" بنفس جودة ومذاق الرواية للكاتب المبدع إبراهيم أصلان؟ أم إن ما حدث في "عمارة يعقوبيان" كان مجرد "فلتة" لن تتكرر؟
للأسف، غالبية الأعمال الأدبية الجيدة عندما يتم تحويلها إلى أعمال سينمائية تفقد بريقها، حدث هذا مع الكثيرين في معظم روايات نجيب محفوظ، وتأكد لديّ -بشكل شخصي- في رواية "العطر" ل"باتريك زوسكيند" وغيرها من الأعمال الأدبية التي تم تحويلها إلى أعمال سينمائية؛ ذلك لأن العمل السينمائي في الأساس مبني على عملية تجارية.. يخاطب المواطن العادي، وملزم بوقت معين، وليس كالرواية، فأنت تكتب ولا يعنيك الوقت أو من سيقرأ؛ إذ تكتب لأنك تريد أن تكتب عن حالة تسيطر عليك لتعبر عن مشاعر شتى تتصارع داخلك..
كما أن تحويل الرواية لفيلم سينمائي يرتبط بتقديم "نص سينمائي" منفصل، لا يشترط أن يكون نسخة كربونية من الرواية، ليس فقط على المستوى البصري ولكن حتى على زاوية التناول، ومن هنا تنشأ المجازفة؛ ذلك لأنك أثناء قراءتك لرواية ما فأنت تُخرجها بصرياً في خيالك.. تتخيل الأثاث الذي تعيش حوله الشخصيات، والملامح الشكلية لكل شخصية، وإذا ما أخبرك الروائي أن لشخصيةٍ ما شَعر مجعّد -على سبيل المثال- فسيرى ذهنك الشعر المجعّد بطريقة تختلف عما سيذهب إليه غيرك من القراء، لذا حين يقوم مُخرج بتحويل الرواية التي قرأتها أنت إلى فيلم سينمائي، فهو بطريقة أو بأخرى يتحدى خيالك, عارضاً عليك خياله الخاص ورؤيته البصرية والضمنية، لما قرأه كلاكما, وهذا ما ينطبق تمام الانطباق على "عصافير النيل" الغنية بالأحداث والتفاصيل التي تم اختزال الكثير منها لتتواءم مع النص السينمائي، بطريقة سلبت منها أروع ما فيها، ومن هنا فإن غالب من قرأ الرواية، سيشعر بقدر من الحزن والحسرة وهو يشاهدها على الشاشة الفضية، بينما نجت "عمارة يعقوبيان" من ذلك؛ لأنها كانت أنسب لقصة سينمائية منها إلى رواية أدبية -في وجهة نظري- ونجا كذلك المخرج المبدع داوود عبد السيد -على سبيل المثال- من هذا الفخ عند تحويل "الكيت كات" و"سارق الفرح" من عملين أدبيين إلى عملين فنيين؛ لأنه مخرج بدرجة "أديب"، وله باع في الكتابة لا يقل عن موهبته وتميزه في الإخراج.
حرّيف التمثيل فتحي عبد الوهاب.. صاحب عبقرية الأداء بغضّ النظر لكن دعونا ننحّي إشكالية "تحويل الأعمال الأدبية إلى أعمال سينمائية" جانباً، ونحكم على "عصافير النيل" الفيلم، بغض النظر عن الرواية.. حينها ستجد نفسك أمام حالة إنسانية فريدة تستعرض عليك تلخيصاً لما طرأ على حياة المصريين من تغيير في الخمسين عاماً الماضية، بعد أن هجر الفلاحون الأرض وبحثوا عن "الوظيفة الميري"، وباتوا يفكرون في الجنس باعتباره كل الحياة، لا تفصيلة جزئية ضمن آلاف التفاصيل التي ينبغي أن تنشغل بها أذهاننا، فرقصوا على السلم ولم يفوزوا بالأرض، ولا بالوظيفة!
حتى البيوت التي اهتموا بها على حساب الرقعة الزراعية، هبطت بهم للأسفل مع ذلك الهبوط الأرضي الذي ضرب أحياءنا الشعبية وأكل مداخل منازلنا.. أما أهل المدينة أنفسهم، فقد سلّموا عقولهم ومصائرهم للأقدار والناس الكبار، ليكتفوا بكونهم مجرد بشر يتنفّسون ويأكلون ويشربون ويمارسون هوايتهم الليلة في إحضار الأطفال من السماء إلى الأرض!
في "عصافير النيل" سترى كيف برع المصريون في صيد أنفسهم بدلاً من صيد أي شيء آخر جدير بالصيد، وكيف ضرب الصلع رؤوس النساء اللاتي تعالَجن بالكيماوي للشفاء من السرطان اللعين، بينما تحوّل بعض الشباب إلى "مطاريد" من الحكومة؛ فقط لأنهم تجرأوا وقالوا "لا"، أما البعض الثاني فاكتفى بالتبليغ عن البعض الأول بعد أن تحوّل جزء من الشعب إلى مُخبرين على الجزء الآخر!
كل هذا في ظل "حدوتة" إنسانية بالغة الثراء، بما تموج به من حزن يضحكك، وكوميديا تبكيك، لتتحالف الأحداث مع الجمل البصرية الذكية التي صنعها المخرج المبدع مجدي أحمد علي، والموسيقى "الدامية" التي يذبحك بها راجح داوود، بخلاف عبقرية الأداء لحرّيف التمثيل فتحي عبد الوهاب، ودرويش الفن محمود الجندي، و"الأسطى" دلال عبد العزيز، وعدد من الوجوه الجديدة التي تبشّر بالخير، وكذا الديكور الرائع لخالد أمين، والمونتاج المتميز لأحمد داوود.
ولكن كل تفاصيل تلك اللوحة الفنية الثرية، اختلطت بها تفصيلة الجنس الفجّة بطريقة شوّهت كثيراً من معالمها، ومحت جزءاً كبيراً من تأثيرها الطيب على النفس، ليحل محله النفور والتقزز، خاصة أن كل مشهد جنسي كان من الممكن استبداله بجملة بصرية ذكية، أو إيماءة خفية معبرة، بدلاً من القبلات الساخنة والحركات الجسدية الصريحة التي ملأت جنبات الفيلم بصورة تعيدك لأفلام الستينيات الغنية بالجنس الصريح وقت أن سمحت الرقابة بتلك الأفلام لإلهاء الناس عن النكسة، فهل قرر "عصافير النيل" الذي يتحدث عن القيود التي تكبّل المصريين، أن يضيف قيداً جديداً على نفوسهم؛ ليزيد من آلامهم وحصارهم، بدلاً من البحث عن طريقة تحل هذه القيود؟!
إلى عبير صبري.. ليتكِ أدركتِ معنى الوسطية في الإسلام كلمات أخيرة * المخرج المتميز مجدي أحمد علي في ندوة أقيمت بمعرض الكتاب في دورته الماضية، احتدّ بكلامه على شخص ملتحٍ سأله هو والفنانة إلهام شاهين على هامش ندوة حول فيلم "خلطة فوزية"، إذا ما كانا يتوقعان دخول الجنة، فأجاب المخرج منفعلاً ومؤكداً أنهما سيدخلان الجنة قبل منه؛ لأنهما يقدّمان رسالة في الحياة، فهل الرسالة يا سيادة المخرج "الموهوب" أن توظف موهبتك في الجنس الفجّ، لتحشر الخمسين ثانية مدة إعلان الفيلم بكل مشاهد الفيلم الجنسية، حتى ظن الجماهير أنه إعلان فياجرا وليس إعلان فيلم سينمائي؟ وإذا كان الجنس يوظّف في خدمة السياق الدرامي كما يؤكد كل مخرج متهم بالابتذال ومخاطبة الغرائز، فلماذا لم تغرِ الجمهور بدخول الفيلم من خلال إظهار عبقرية السياق الدرامي والرسالة الفنية التي تتحدث عنها في الإعلان بدلاً من التركيز على الجنس فقط؟ أعتقد أنك تناقض نفسك وتعرف جيداً أن الجنس مجرد هدف تجاري رخيص بحت، وليس رسالة ولا يحزنون!
* عبير صبري أكدتِ أن الأخطاء والسلبيات التي وجدتِها في مجتمع المشايخ والإسلاميين خلال فترة حجابك، أكثر سوءاً من التفاصيل التي عايشتِها خلال فترة عملك الفني.. نعم هناك بعض مشايخ "الديكور" الذين يتخذون من اللحية و"الزبيبة" والسبحة ستاراً يخفي وراءه حيواناً أشد فتكاً من العلمانيين والملحدين، لكن ديننا دين "وسطية" لا يدعو للانجراف خلف التيار الديني "المزيف"، ولا القبلات والمشاهد الجنسية باسم الفن.. ليتكِ أدركتِ معنى الوسطية، وعرفتِ أنها البديل الأمثل للانضمام لتيار ديني "كده وكده"، بدلاً من أن يكون الجنس والقبلات هما البديل!