رئيس الوزراء يصدر قرارًا بإسقاط الجنسية المصرية عن 5 أشخاص    البابا تواضروس الثاني يستقبل وفد الحزب المصري الديمقراطي للتهنئة بعيد الميلاد المجيد    تراجع معظم مؤشرات الأسهم الآسيوية بعد تلاشي زخم ارتفاع وول ستريت في بداية العام    اعتماد تعديل بالمخطط التفصيلي ل3 مدن بمحافظة كفر الشيخ    وزير «التعليم العالي» يبحث سبل تعزيز التعاون الأكاديمي مع جامعة ولفرهامبتون    محافظ المنوفية يتابع آليات التشغيل التجريبي لمجزري شبين الكوم وجنزور ببركة السبع    رئيس وزراء إسبانيا: مستعدون لإرسال جنود ضمن قوات لحفظ السلام في فلسطين    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره البوركيني سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين    مزارعون فرنسيون يشقون طريقهم إلى باريس بجرارات للاحتجاج على اتفاق تجارة حرة    تقرير- مصر تبحث عن الفوز السابع في ربع نهائي كأس أمم أفريقيا    برشلونة يحدد توقيت الإعلان الرسمي عن عودة جواو كانسيلو    وزير «الرياضة» يصدر قرارًا بتشكيل اللجنة المؤقتة لإدارة الاتحاد المصري للألعاب المائية    تهدد المحاصيل والمواطنين.. تغير المناخ يحذر بشتاء أكثر برودة وتقلبات حادة    مديرية تموين الجيزة تضبط 14 طن دقيق بلدي مدعم خلال حملة ليلية    كيفية استعدادات الطلاب لامتحانات نصف العام؟.. نصائح خبير تربوي    عرض «تكنزا.. قصة تودة» يتألق خلال فعاليات برنامج أهلًا بمهرجان المسرح العربي    أنغام وتامر عاشور يجتمعان في حفل غنائي مشترك بالكويت 30 يناير    وكيل وزارة الصحة بأسيوط يعقد اجتماعا لبحث تطوير الرعاية الحرجة وتعزيز الخدمات الطبية للمواطنين    في غياب محمد صلاح.. تشكيل ليفربول المتوقع لمواجهة آرسنال    ميلان يستضيف جنوى سعيا لفوز ثالث تواليا بالدوري الإيطالي    وزيرة التنمية المحلية تعلن إطلاق مبادرة «أنا متعلم مدى الحياة»    السبت.. وزير الاستثمار والتجارة الخارجية يزور قنا    أكثر من مليون أسرة في أوكرانيا أصبحت بلا تدفئة ولا مياه    مصرع سائق في حادث مروع بطريق القاهرة أسيوط الغربي    مياه الفيوم: نتخذ إجراءات استباقية لمواجهة السدة الشتوية وتوفر سيارات مياه نقية مجانية    اسعار المكرونه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى محال المنيا    شروط مسابقة الأم المثالية لعام 2026 في قنا    بعد أزمة زوجها | ريهام سعيد توجه رسالة دعم ل« لقاء الخميسي»    تعرف على متحف قرّاء القرآن الكريم بمركز مصر الإسلامي بالعاصمة الجديدة (صور)    التعامل مع 9418 شكوى موظفين و5990 اتصالات خلال ديسمبر 2025    بدء ثاني جلسات محاكمة المتهمين بالتسبب في وفاة السباح يوسف محمد    جدول ترتيب دوري المحترفين قبل الدور الثاني    معتمد جمال: لم أتردد في قبول مهمة تدريب الزمالك.. واللاعبون مظلومون    إصابة 3 مواطنين فى مشاجرة لخلافات على قطعة أرض بحوض 18 بالأقصر    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : و يا لها من رفقة!?    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    "مودة" ينظم المعسكر التدريبي الأول لتأهيل كوادر حضانات مراكز تنمية الأسرة    أسباب الشعور ببعض الاضطرابات بعد عمر ال 35    البابا: الرئيس رسخ تقليدًا وطنيًا بزيارة الكاتدرائية عبر فيه عن مصر الأصيلة وقيادتها الحكيمة    القومي للطفولة والأمومة يتقدم ببلاغ بعد استضافة طفلين في برنامج للمواعدة    مصرع عنصرين إجراميين شديدي الخطورة في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة بالشرقية    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    حالة الطقس في الكويت اليوم الخميس 8 يناير 2026    تراجع أسعار الذهب بضغط من الدولار وترقب تقرير الوظائف الأمريكي    فوائد الترمس الحلو ودوره في دعم استقرار سكر الدم    لبنان.. انهيار مبنى سكني في طرابلس    وزير الثقافة ينعى المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة    اليمن.. قرارات رئاسية تطال محافظ عدن وعددا من القيادات العسكرية البارزة    رمضان 2026.. رياض الخولي وسامي مغاوري على قنوات «المتحدة»    واشنطن تفرض إشرافًا صارمًا على إيرادات النفط الفنزويلي    حرب المخدرات على طاولة الحوار بين كولومبيا وترامب    رئيس المجلس الأوروبي: الاتحاد يدعم جرينلاند والدنمارك ولن يقبل بانتهاك القانون الدولي    شركة النفط الفنزويلية: محادثات مع إدارة ترامب لتخفيف انتقائي للعقوبات    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إبهار التقنية وتغييب النص.. مقاربة لأزمة الدراما والسينما في مصر
نشر في صوت البلد يوم 02 - 11 - 2017

في العرض الافتتاحي للمهرجان القومي للمسرح المصري في نسخته العاشرة (صيف 2017)؛ قدِّمت مسرحية «علاء الدين»، المعتمدة على نص تراثي مأخوذ من حكاية «علاء الدين والمصباح السحري»، إحدى حكايات «ألف ليلة وليلة»، التي تشكل معينا لا ينضب للاستلهام السردي.
جاء عرض المسرحية، ليكون نموذجا على بعض ملامح أزمة تعيشها الفنون الأدائية البصرية العربية بشكل عام، فقد اعتمدت الرؤية الإخراجية على تقديم لوحات بديعة من فن الباليه والرقص الاستعراضي، بديكورات وملابس وأداء حركي مبهر، وقد تفاعل الجمهور بداية مع العرض، عندما وجد طفلا يحاور عجوزا يحكي له عن البطل علاء الدين، ومغامراته مع السحرة، من أجل الفوز بقلب حبيبته الجميلة، لم يستكمل العجوز الحاكي سرديته، وإنما ترك الجمهور ليغوص أمام المشاهد الحركية الممتعة، واستمر الحال به، وبمرور الوقت، تململ المتفرجون، ثم تحركت بعض الأرجل من المقاعد مغادرة ؛ فلا جديد يُقدَّم على مستوى النص والرؤية الفكرية، فقط لوحات متتالية. أهي مبهرة؟ نعم، ولكن بلا مضمون درامي، يمكن أن يجذب المتفرج، ويجعله يستقبل نص علاء الدين بشكل جديد وبطرح رؤيوي مختلف. وتهامس البعض عن جدوى تلك التكلفة الباهظة، وهذا التدريب الشاق الذي أسفر عن مواهب متميزة في الأداء الحركي.
وليبرز السؤال المحوري، الذي يتردد همسا وجهرا في ردهات المقاعد الخاوية في سائر العروض المسرحية المشابهة: لماذا تطغى السينوغرافيا والموسيقى والديكورات والرقص الإيقاعي على النص المسرحي ذاته؟ ويتفرع من هذا السؤال عشرات الاستفهامات عن الرسالة المبتغاة للمتلقي، وعن هذا الإسراف في المبهرات البصرية والموسيقية على حساب النص الدرامي، الذي هو أحد نواتج انحصار مفهوم التجريب في الجانب الشكلاني فقط على حساب الرؤية الدرامية. ويبزغ سؤال آخر عن النص المختار نفسه: إن هذه الحكاية التراثية الأسطورية تقدم عادة للأطفال (قصة أو مسرحا) وليس للكبار. ومن هنا نتساءل: لمن يتوجه المخرج في هذا العرض بكل ما فيه من غموض وتغييب للنص الدرامي؟ أهو للطفل أم للكبير؟ أم هو مجرد لوحات راقصة بإضاءة ملونة؟
تتبلور القضية أكثر، عندما نتأمل واقع الفنون المرئية العربية، التي باتت تتأرجح بين عروض لنخبة النخبة تستعصي على المتلقي العادي، والعروض التجارية ذات المنحى المضموني السهل، وبالأدق المكرر لموضوعات معينة، وكأنها ألحان واحدة تُعزَف بآلات موسيقية متعددة، وعلينا سماعها كلما أعيد توزيعها.
إن المتلقي – في كل هذا – حائر ما بين المكرر في موضوعاته، المرتكز على شهرة نجومه، والنخبوي الذي لا يضع المتفرج العادي ولا أقصد البسيط في حسبانه، وإنما يقدِّم عرضا أو ينتج فيلما من أجل إرضاء النقاد ونخبة المتفرجين، المحتفين عادة بالإبهار الشكلي، الذين سيدبجون مقالات – تغوص في تحليل مفردات وعناصر العمل الفني، بدون النظر كثيرا أو قليلا لطبيعة المتلقي، الذي يريد عروضا ترقى بتفكيره، مع توافر التشويق والتسلية بما يمتعه.
إذن، ثمة أزمة واضحة في العروض التي صرنا نشاهدها في الفنون الأدائية البصرية ونعني بها المسرح والسينما بشكل خاص ألا وهي إبهار ممتع في العرض والتقنيات، وغموض رسالة العرض/ النص المقدّم، إلى درجة الإبهام، فصار المتفرج مأخوذا بما يراه على الشاشة الفضية أو خشبة المسرح من براعة في السينوغرافيا، والملابس، والإضاءة، وحركة الكاميرا، والأداء الحركي، ولكن المشكلة التي يستشعرها المتلقي إبان العرض وبعد مشاهدته، تتمثل في فقدانه الاتصال مع الفن المرئي المقدَّم إليه، فما ترسّب في ذاته عقب تلقيه العرض مجرد موسيقى وحركات استعراضية، وأضواء مبهرة، ولا عزاء للنص الدرامي.
هذه الظاهرة جلية واضحة، وتبدو أكثر في العديد من العروض المسرحية، وأيضا أفلام الشباب السينمائية، خاصة الأفلام القصيرة ؛ تلك المعَدَّة خصيصا للمهرجانات والمسابقات، فكل مخرج يظهر براعته في سائر العناصر المكونة للفن، باذلا جهده لإبداع الجديد في تقنيات الأداء والعرض، بدون نظر في كثير من الأحيان لقضية النص نفسه: هل معطيات رسالته واضحة؟ وهل يمكن للمتلقي أن يعيها وتتفاعل في أعماقه لما بعد العرض أم تتلاشى سريعا؟
علينا إذن تقرير حقيقة مهمة، تمثل أولية محورية في العمل الفني المقدّم، ألا وهي: أن الركيزة الأولى للعرض المسرحي أو الفيلم السينمائي، هي النص الدرامي وعليه يتأسس العرض كله، فالنص يحمل رؤية المؤلف، ويمكن للمخرج أن يضيف عليها، ويعيد إنتاجها وتقديمها بدلالات جديدة، وبزوايا متعددة، أما تغييب النص، وتحويله إلى مجرد لوحات حركية وإن كانت ممتعة فإن هذا يخرج العرض من مفهوم العرض المسرحي بدلالته الدرامية، بكل ما فيها من معان وأفكار ومضامين.
والسبب في رأيي، يعود إلى طغيان الرؤية الإخراجية الشكلانية على النص بما فيه من صراع درامي وثيمات فكرية، فقد بات كثير من المخرجين، يحصرون التجديد في الأداء التمثيلي النوعي بالحركات والقفزات، أو الصمت أو الكلمات الموجزة، ثم يصرف اهتمامه إلى عناصر السينوغرافيا، الديكور، والملابس، والإضاءة، والماكياج، وحركة الممثل، والدراما الحركية والاستعراضات، والموسيقى التصويرية والأغاني إلخ. وهي كلها وبدون شك – أدوات التعبير اللازمة في العرض، ويحتاج المخرج لتفعيلها، والتجديد فيها، من أجل طرح أفكاره ورؤيته الإخراجية للنص على الجمهور.
فالنص المسرحى بما فيه من درامية وصراع وشخصيات يظل دائما حاملا دلالات متعددة، بما يجعله قادراً على إيصال رسائل عدة لجمهور المتفرجين، خاصة عندما يستقر المخرج ومعه فريق العمل على رؤية مفسرة/ واعية للكلمة والموقف والحدث الدرامي، مع رسم الشخصيات وطريقة أدائها، وتأتي المكونات الجمالية في المسرح على اختلاف أنواعها لتكون قادرة على المساهمة بفاعلية في عملية الاتصال، وإبلغ رسالة النص، التي ستظل راسخة في وعي المتلقي.
ولا يهمنا في هذا الصدد ما يقال عن ضعف ذائقة المتلقي وسطحيته، وأن الفنان/ المخرج/ فريق العمل غير معنيين بإفهام المتفرجين لما يقدمونه، فعليهم الإبداع فقط، وليس عليهم شرح العمل. وبعض المخرجين يهز أكتافه استخفافا وهو يقول: هذا ليس شغلي. لينتج سؤال: إذن، هو شغل مَنْ؟ إذا كان المخرج هو قائد فريق العمل، الذي يختار النص، ويعيد تشكيله وفقا لرؤية إخراجية مفسرة، تضيف جديدا للنص . وبعض المخرجين المبدعين، يجعلون من النص إذا كان معلوما مجرد وعاء، لبناء فكري ودرامي وجمالي جديد.
وجهة النظر هذه تمثّل تعاليا على المتلقي، عندما تبرّئ صناع الفن من المسؤولية، وتحصر القضية في ذائقة المتلقي ووعيه فقط. وتنسى أن هذا المتلقي استقبل بفهم وحماسة مختلف الفنون والعروض الراقية، ووعى رسالتها، بل فسّر معطياتها البصرية، ولنا في الأفلام العالمية الخالدة نماذج للاستشهاد في ذلك.
ومن هنا، علينا أن نعيد الاعتبار لمفهوم الاتصال في الفنون المرئية، الذي يتمحور في ثلاثة عناصر: المرسل والمستقبِل والرسالة، فالمرسِل (فريق العمل كله)، عليه أن يختار النص ويبدعه في ضوء الهموم والقضايا الفكرية التي تشعل بال المستقبِل، ليتوحّد مع الرسالة المقدمة إليه، وساعتها سيعي جيدا لكل العناصر الجمالية المصاغة بها الرسالة والمقدمة إليه، ففهم المتفرج للنص – فكرةً وصراعا وشخصياتٍ يمثل مفتاحا لفهم العرض كله، بل يكون قادرا على تحليل أبعاده الفكرية وإشاراته الجمالية. وساعتها ستسترد المقاعد الخاوية متفرجيها، الذين سيظلون متشوقين للنص كلما وضح طرحه وبانت أحداثه، وظهرت أبعاد شخصياته، وهم في كل ذلك مدركون أبعاد رسالته.
٭ كاتب وأكاديمي مصري
في العرض الافتتاحي للمهرجان القومي للمسرح المصري في نسخته العاشرة (صيف 2017)؛ قدِّمت مسرحية «علاء الدين»، المعتمدة على نص تراثي مأخوذ من حكاية «علاء الدين والمصباح السحري»، إحدى حكايات «ألف ليلة وليلة»، التي تشكل معينا لا ينضب للاستلهام السردي.
جاء عرض المسرحية، ليكون نموذجا على بعض ملامح أزمة تعيشها الفنون الأدائية البصرية العربية بشكل عام، فقد اعتمدت الرؤية الإخراجية على تقديم لوحات بديعة من فن الباليه والرقص الاستعراضي، بديكورات وملابس وأداء حركي مبهر، وقد تفاعل الجمهور بداية مع العرض، عندما وجد طفلا يحاور عجوزا يحكي له عن البطل علاء الدين، ومغامراته مع السحرة، من أجل الفوز بقلب حبيبته الجميلة، لم يستكمل العجوز الحاكي سرديته، وإنما ترك الجمهور ليغوص أمام المشاهد الحركية الممتعة، واستمر الحال به، وبمرور الوقت، تململ المتفرجون، ثم تحركت بعض الأرجل من المقاعد مغادرة ؛ فلا جديد يُقدَّم على مستوى النص والرؤية الفكرية، فقط لوحات متتالية. أهي مبهرة؟ نعم، ولكن بلا مضمون درامي، يمكن أن يجذب المتفرج، ويجعله يستقبل نص علاء الدين بشكل جديد وبطرح رؤيوي مختلف. وتهامس البعض عن جدوى تلك التكلفة الباهظة، وهذا التدريب الشاق الذي أسفر عن مواهب متميزة في الأداء الحركي.
وليبرز السؤال المحوري، الذي يتردد همسا وجهرا في ردهات المقاعد الخاوية في سائر العروض المسرحية المشابهة: لماذا تطغى السينوغرافيا والموسيقى والديكورات والرقص الإيقاعي على النص المسرحي ذاته؟ ويتفرع من هذا السؤال عشرات الاستفهامات عن الرسالة المبتغاة للمتلقي، وعن هذا الإسراف في المبهرات البصرية والموسيقية على حساب النص الدرامي، الذي هو أحد نواتج انحصار مفهوم التجريب في الجانب الشكلاني فقط على حساب الرؤية الدرامية. ويبزغ سؤال آخر عن النص المختار نفسه: إن هذه الحكاية التراثية الأسطورية تقدم عادة للأطفال (قصة أو مسرحا) وليس للكبار. ومن هنا نتساءل: لمن يتوجه المخرج في هذا العرض بكل ما فيه من غموض وتغييب للنص الدرامي؟ أهو للطفل أم للكبير؟ أم هو مجرد لوحات راقصة بإضاءة ملونة؟
تتبلور القضية أكثر، عندما نتأمل واقع الفنون المرئية العربية، التي باتت تتأرجح بين عروض لنخبة النخبة تستعصي على المتلقي العادي، والعروض التجارية ذات المنحى المضموني السهل، وبالأدق المكرر لموضوعات معينة، وكأنها ألحان واحدة تُعزَف بآلات موسيقية متعددة، وعلينا سماعها كلما أعيد توزيعها.
إن المتلقي – في كل هذا – حائر ما بين المكرر في موضوعاته، المرتكز على شهرة نجومه، والنخبوي الذي لا يضع المتفرج العادي ولا أقصد البسيط في حسبانه، وإنما يقدِّم عرضا أو ينتج فيلما من أجل إرضاء النقاد ونخبة المتفرجين، المحتفين عادة بالإبهار الشكلي، الذين سيدبجون مقالات – تغوص في تحليل مفردات وعناصر العمل الفني، بدون النظر كثيرا أو قليلا لطبيعة المتلقي، الذي يريد عروضا ترقى بتفكيره، مع توافر التشويق والتسلية بما يمتعه.
إذن، ثمة أزمة واضحة في العروض التي صرنا نشاهدها في الفنون الأدائية البصرية ونعني بها المسرح والسينما بشكل خاص ألا وهي إبهار ممتع في العرض والتقنيات، وغموض رسالة العرض/ النص المقدّم، إلى درجة الإبهام، فصار المتفرج مأخوذا بما يراه على الشاشة الفضية أو خشبة المسرح من براعة في السينوغرافيا، والملابس، والإضاءة، وحركة الكاميرا، والأداء الحركي، ولكن المشكلة التي يستشعرها المتلقي إبان العرض وبعد مشاهدته، تتمثل في فقدانه الاتصال مع الفن المرئي المقدَّم إليه، فما ترسّب في ذاته عقب تلقيه العرض مجرد موسيقى وحركات استعراضية، وأضواء مبهرة، ولا عزاء للنص الدرامي.
هذه الظاهرة جلية واضحة، وتبدو أكثر في العديد من العروض المسرحية، وأيضا أفلام الشباب السينمائية، خاصة الأفلام القصيرة ؛ تلك المعَدَّة خصيصا للمهرجانات والمسابقات، فكل مخرج يظهر براعته في سائر العناصر المكونة للفن، باذلا جهده لإبداع الجديد في تقنيات الأداء والعرض، بدون نظر في كثير من الأحيان لقضية النص نفسه: هل معطيات رسالته واضحة؟ وهل يمكن للمتلقي أن يعيها وتتفاعل في أعماقه لما بعد العرض أم تتلاشى سريعا؟
علينا إذن تقرير حقيقة مهمة، تمثل أولية محورية في العمل الفني المقدّم، ألا وهي: أن الركيزة الأولى للعرض المسرحي أو الفيلم السينمائي، هي النص الدرامي وعليه يتأسس العرض كله، فالنص يحمل رؤية المؤلف، ويمكن للمخرج أن يضيف عليها، ويعيد إنتاجها وتقديمها بدلالات جديدة، وبزوايا متعددة، أما تغييب النص، وتحويله إلى مجرد لوحات حركية وإن كانت ممتعة فإن هذا يخرج العرض من مفهوم العرض المسرحي بدلالته الدرامية، بكل ما فيها من معان وأفكار ومضامين.
والسبب في رأيي، يعود إلى طغيان الرؤية الإخراجية الشكلانية على النص بما فيه من صراع درامي وثيمات فكرية، فقد بات كثير من المخرجين، يحصرون التجديد في الأداء التمثيلي النوعي بالحركات والقفزات، أو الصمت أو الكلمات الموجزة، ثم يصرف اهتمامه إلى عناصر السينوغرافيا، الديكور، والملابس، والإضاءة، والماكياج، وحركة الممثل، والدراما الحركية والاستعراضات، والموسيقى التصويرية والأغاني إلخ. وهي كلها وبدون شك – أدوات التعبير اللازمة في العرض، ويحتاج المخرج لتفعيلها، والتجديد فيها، من أجل طرح أفكاره ورؤيته الإخراجية للنص على الجمهور.
فالنص المسرحى بما فيه من درامية وصراع وشخصيات يظل دائما حاملا دلالات متعددة، بما يجعله قادراً على إيصال رسائل عدة لجمهور المتفرجين، خاصة عندما يستقر المخرج ومعه فريق العمل على رؤية مفسرة/ واعية للكلمة والموقف والحدث الدرامي، مع رسم الشخصيات وطريقة أدائها، وتأتي المكونات الجمالية في المسرح على اختلاف أنواعها لتكون قادرة على المساهمة بفاعلية في عملية الاتصال، وإبلغ رسالة النص، التي ستظل راسخة في وعي المتلقي.
ولا يهمنا في هذا الصدد ما يقال عن ضعف ذائقة المتلقي وسطحيته، وأن الفنان/ المخرج/ فريق العمل غير معنيين بإفهام المتفرجين لما يقدمونه، فعليهم الإبداع فقط، وليس عليهم شرح العمل. وبعض المخرجين يهز أكتافه استخفافا وهو يقول: هذا ليس شغلي. لينتج سؤال: إذن، هو شغل مَنْ؟ إذا كان المخرج هو قائد فريق العمل، الذي يختار النص، ويعيد تشكيله وفقا لرؤية إخراجية مفسرة، تضيف جديدا للنص . وبعض المخرجين المبدعين، يجعلون من النص إذا كان معلوما مجرد وعاء، لبناء فكري ودرامي وجمالي جديد.
وجهة النظر هذه تمثّل تعاليا على المتلقي، عندما تبرّئ صناع الفن من المسؤولية، وتحصر القضية في ذائقة المتلقي ووعيه فقط. وتنسى أن هذا المتلقي استقبل بفهم وحماسة مختلف الفنون والعروض الراقية، ووعى رسالتها، بل فسّر معطياتها البصرية، ولنا في الأفلام العالمية الخالدة نماذج للاستشهاد في ذلك.
ومن هنا، علينا أن نعيد الاعتبار لمفهوم الاتصال في الفنون المرئية، الذي يتمحور في ثلاثة عناصر: المرسل والمستقبِل والرسالة، فالمرسِل (فريق العمل كله)، عليه أن يختار النص ويبدعه في ضوء الهموم والقضايا الفكرية التي تشعل بال المستقبِل، ليتوحّد مع الرسالة المقدمة إليه، وساعتها سيعي جيدا لكل العناصر الجمالية المصاغة بها الرسالة والمقدمة إليه، ففهم المتفرج للنص – فكرةً وصراعا وشخصياتٍ يمثل مفتاحا لفهم العرض كله، بل يكون قادرا على تحليل أبعاده الفكرية وإشاراته الجمالية. وساعتها ستسترد المقاعد الخاوية متفرجيها، الذين سيظلون متشوقين للنص كلما وضح طرحه وبانت أحداثه، وظهرت أبعاد شخصياته، وهم في كل ذلك مدركون أبعاد رسالته.
٭ كاتب وأكاديمي مصري


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.