بعد خسائر 96 دولار عالمياً.. ننشر أسعار الذهب اليوم السبت 2 مايو    اليوم وغدا، قطع المياه عن مناطق بسيدي سالم في كفر الشيخ لمدة 12 ساعة    الولايات المتحدة تُعدّ أكبر صفقة تسليح لتايوان بقيمة 14 مليار دولار    جيش الاحتلال يتهم "حزب الله" بخرق وقف النار وينذر سكان 9 قرى جنوب لبنان للإخلاء    حرارة ورياح وأمطار|بيان هام من الأرصاد بشأن حالة الطقس اليوم السبت 2-5-2026    واشنطن تحذر مواطنيها في بريطانيا بعد رفع مستوى التهديد الإرهابي    اليوم، فصل جديد في دعوى إلغاء قرار منع النساء من السفر إلى السعودية دون تصريح    بيطارد بركات، سجل مميز ل حسين الشحات في تاريخ مواجهات القمة أمام الزمالك    القضاء يحبط خطة إدارة ترامب لترحيل آلاف اليمنيين من أمريكا    اليوم، أولى جلسات نظر طعن "التعليم المفتوح" على تعديلات لائحة تنظيم الجامعات    الحصار الأمريكي يكبد إيران خسائر ب4.8 مليار دولار    "طاير يا هوى"| محمد رشدي صوت مصري أصيل ورمز الأغنية الشعبية    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    البنتاجون: الولايات المتحدة تعتزم سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا    بمناسبة عيد العمال، وزارة العدل تسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    محافظة سوهاج ترد على عدم إنشاء كوبري بديل للكوبري المنهار في قرية العتامنة    محمد عبد الجليل يكتب: "فيزتك" فضيت ورصيدك اتبخر! هذه حكاية 6 شياطين نهبوا أموالك من البنوك تحت ستار "السياحة"    في ظهور مميز، عمرو دياب يغني مع نجله عبد الله وابنته كنزي بحفله بالجامعة الأمريكية (فيديو)    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    صلاح: كنت أركض أكثر من زملائي في منتخب مصر خلال كأس أمم أفريقيا    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    كرة طائرة - الأهلي يتفوق على بتروجت ويتأهل لنهائي إفريقيا    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    تفاصيل | وفاة شخص وإصابة 13 آخرين في حادث البهنسا بصحراوي المنيا    القبض على عاطل ظهر في فيديو مشاجرة بالسلاح الأبيض بالقاهرة    خناقة الديليفري وعمال المطعم.. معركة بين 11 شخصا بسبب الحساب    دفع ثمن شهامته.. اعتداء صادم على مسن الهرم والداخلية تضبط المتهم    محاضرة دولية تكشف تحديات جودة التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي    ميناء دمياط يعزز الأمن الغذائي ويربط مصر بأوروبا والخليج    ماذا يريد شيخ الأزهر؟    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    نصف فدان.. السيطرة على حريق نشب داخل زراعات القصب بقنا    جرح غائر وغرز، طبيب الأهلي يكشف تفاصيل إصابة تريزيجيه أمام الزمالك    البيت الأبيض يبلغ الكونغرس بأنه يعتبر العملية ضد إيران منتهية    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع تأثير العوامل الجوية على جودة الهواء غداً السبت    رئيس هيئة تنشيط السياحة يلتقي مع ممثلي شركات إنتاج محتوى السياحة الروحانية    منتخب المصارعة للرجال يتوج ب10 ميداليات في البطولة الأفريقية    ليدز يونايتد يسحق بيرنلي بثلاثية في الدوري الإنجليزي    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    شرطي ينقذ الموقف.. تفاصيل حادث تصادم في الإسكندرية    صفحات مزيفة.. سقوط تشكيل عصابي دولي للنصب على راغبي زيارة الأماكن السياحية    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تصاعد التوترات بين أمريكا وأوروبا.. الناتو يتحرك نحو الاستقلال الدفاعي    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    "15 مايو التخصصي"تنجح في إنقاذ شاب من اختناق حاد بالمريء    استشاري غدد صماء: "نظام الطيبات" فتنة طبية تفتقر للبحث العلمي وتؤدي للوفاة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    القومي للبحوث يطلق قافلة طبية كبرى بالشرقية تستهدف 2680 مواطنا    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    أخبار الفن اليوم الجمعة.. أزمة بنقابة التشكيليين بسبب تفاوت الرواتب والمعاشات.. تكريم يسرا اللوزي وريهام عبد الغفور في ختام المهرجان الكاثوليكي    ترامب يعتزم توسيع الحصار البحري على إيران وإغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    منير أديب يكتب: ردود فعل الإخوان على وفاة مختار نوح بين الأيديولوجيا والتحولات الأخلاقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بديعة مصابني.. حققت الشهرة واعتزلت في قمة المجد
نشر في صوت البلد يوم 11 - 10 - 2017

في بدايات القرن الماضي تميزت الحياة الفنية في مصر بالنشاط والحيوية، وكان شارع عماد الدين في العشرينيات وحتى الأربعينيات يموج بالعديد من الفرق المسرحية، مثل فرق: "الكسار" و"الريحاني" وفرقة "رمسيس" ليوسف وهبي " و"فاطمة رشدي" و"عزيز عيد" و"جورج أبيض" و"عبد الرحمن رشدي.. وغيرها، كما كانت هناك صالات الرقص التي تديرها أجنبيات مثل صالة "ديناليسكا"، و"كازينو دي باري"، الذي كانت تديره مدام مارسيل، إضافة إلى صالات تديرها مصريات مثل ماري منصور وسعاد محاسن و ورتيبة وأنصاف رشدي .. أما أكبر صالات الفنانات العربيات، فقد كانت صالة بديعة مصابني بشارع عماد الدين، مكان سينما "ليدو" حاليًا بجوار مسرح الريحاني.
وكانت بديعة مصابني اللبنانية الأصل قد حضرت إلى القاهرة لأول مرة عام 1910، لتبدأ رحلة فنية ثرية، وتضع بصمتها التي لا تنسى على تاريخ الفن المصري بشكل عام، خاصة وأن عددًا من أكبر الفنانين المصريين برزوا من خلالها، مثل تحية كاريوكا، ومحمد فوزي، وزينات صدقي، وإسماعيل ياسين.
في عاصمة الفن
أطلت الطفلة بديعة على الدنيا في العام 1892 في بيروت، من عائلة مصابني المارونية، وسرعان ما شبت عن الطوق وأصبحت فتاة رائعة الجمال رشيقة القوام ، شغلت شباب الحي بجمالها ورشاقتها، كان والدها تاجرًا ميسور الحال لكن الدنيا لا تدوم على حال، فقد اضطرتها الظروف إلى أن تنزل إلى ميدان العمل وهي في مرحلة الصبا، فعملت في بعض حرف حياكة الملابس، ولكن موهبتها الفنية كانت قد بدأت الإعلان عن نفسها، وراحت تلح عليها. وفي عام 1910 قررت بديعة أن تطلق العنان لنفسها، فتركت لبنان وجاءت إلى القاهرة، ولم يكن عمرها قد تجاوز الثامنة عشرة، ووصلت مصر بصحبة والدتها ولم تكن تعرف فيها أحدًا، وراحت تتجول في شوارع القاهرة مع والدتها حتى وقع نظرها على حديقة الأزبكية بوسط القاهرة، التي كانت تموج بالصالات والمسارح التي تقدم الفن المصري، وكان أشهرها صالة "سانتي"، التي كانت تغني فيها "توحيدة" واحدة من أشهر مطربات مصر في ذلك الزمن، وهي نفس الصالة التي شهدت بداية شهرة سيدة الغناء العربي أم كلثوم.
وأدركت بديعة أن هذا مكانها وأن شأنًا كبيرًا سوف يكون لها فيه، فذهبت أولًا إلى جورج أبيض وعملت معه في مسرحه فترة قصيرة، ولكنها سرعان ما تركته لتنضم إلى فرقة الفنان أحمد الشامي الذي كوّن فرقة تمثيلية يجوب بها مدن ومراكز مصر، يقدم مسرحيات فيها من الغناء والرقص ما يرضي ذوق المتفرج الشرقي، وفاقت بديعة مصابني كل بطلات الشامي برقصها وغنائها وتمثيلها لتكون هي البطلة الأولى في فرقته ، ورغم أن نجاح بديعة مع فرقة الشامي كان كبيرًا إلا إنها تركتها وعادت إلى بيروت، وفي لبنان وواصلت مشوارها الفني بنجاح، حيث غنت ورقصت وأصبح لها اسمها في بلدها .
مع الريحاني
ولكن عشقها لمصر التي وقعت في هواها من أول نظرة، جعلها تقرر العودة مرة أخرى، غير أنها هذه المرة أصبحت بطلة مسرح نجيب الريحاني الذي قدمها في عشرات المسرحيات الغنائية التي اشتهر بها مسرحه في منتصف القرن العشرين، فقد أثرى الموسيقيون المصريون هذا المسرح بألحان رائعة، ومنهم فنان الشعب سيد درويش وكامل الخلعي وإبراهيم رمزي وداود حسني ومحمد القصبجي وزكريا أحمد.. وغيرهم.
وقدمت بديعة مع الريحاني عدة أعمال فنية ناجحة منها: "الشاطر حسن، الليالي الملاح، أيام العز، مجلس الأنس، ريا وسكينة، والبرنسيسة" وغيرها، وكانت نتيجة هذا التعاون الفني، شراكة إنسانية أيضًا، حيث تزوجت من نجيب الريحاني، وعاشا معًا أسعد أيامهما الفنية والإنسانية، غير أن السعادة لم تدم، وتم الطلاق في فبراير/شباط 1925.
وبعد الطلاق عرض عليها أحد الأصدقاء فكرة العمل بمفردها بعيدًا عن المشاركة في المسرحيات والأوبريتات الغنائية، فاقتنعت بالفكرة واستأجرت صالة في عماد الدين، وبدأت في تكوين فرقتها الغنائية الراقصة التي ولدت عملاقة، فقد ضمت إليها أشهر مطربي ذلك الزمن، مثل فاطمة سري التي لحن لها "صفر علي" أغنية "رنة خلخالي يا أمه"، كما انضمت إلى الفرقة الفنانة الناشئة في ذلك الوقت "نجاة علي" واشتهرت بطقطوقتها "سر السعادة في شفتيك"، وأيضًا انضم إلى الفرقة الشيخ سيد الصفتي، الذي كان يجيد غناء الأدوار التي صاغها الرواد عبده الحامولي ومحمد عثمان وإبراهيم القباني.. وغيرهم .
ومن أهم الفنانات اللاتي نجحت بديعة في ضمهن لفرقتها الوليدة مطربة القطرين "فتحية أحمد" التي كانت المنافسة الأولى لأم كلثوم عند ظهورهما معاً، ومن لبنان جاءت بالراقصة الشهيرة حينئذ في بلدها ببا عز الدين وشقيقتها شوشو عز الدين، كما جاءت بالمطربة ماري جبران التي كانت تجيد الموشحات والأدوار المصرية.
كوبري بديعة!
وغطت شهرة صالة بديعة على كل الصالات الأخرى في ذلك الوقت، ونجحت في جذب العديد من المطربين والمطربات والراقصات إلى صالتها، فتركت تحية كاريوكا صالة سعاد محاسن من أجل بديعة، وفريد الأطرش وأسمهان تركا ماري منصور من أجلها، وهجرت زينات صدقي صالات الإسكندرية كراقصة، وانضمت لبديعة قبل أن تعتزل الرقص وتصبح من نجمات الكوميديا، وتزاحم في الصالة عدد من المطربين الذين أصبح لهم باع طويل في عالم الفن مثل إبراهيم حمودة الذي كان مطرب الفرقة الأول، ثم جاء بعده محمد فوزي والملحن محمود الشريف الذي كان يغني ويلحن ، وتولى قيادة الفرقة الموسيقية واحد من ألمع الملحنين وعازفي القانون في ذلك الوقت وهو أحمد شريف ومعه زوجته سيدة حسن مطربة الأفراح، كما قدمت بديعة المطرب الناشئ أحمد عبد القادر الذي اشتهرت له أغنيته"وحوي يا وحوي" ، وقدمت أساطين فن المنولوج الفكاهي، وكان أشهرهم سيد سليمان وموسى حلمي، والدويتو الفكاهي، "حسين ونعمات المليجي" وإسماعيل ياسين وثريا حلمي وشقيقتها المطربة ليلى حلمي، وكان الملحن الأول للفرقة الفنان عزت الجاهلي، وكان والده الممثل عبد العزيز الجاهلي يمثل بعض المسرحيات وفيها تعرف إلى بديعة.
واستطاعت أن تشيد صالة فنية حديثة على أحدث طراز في ذلك الوقت في "ميدان الأوبرا" على بعد خطوات من دار الأوبرا الملكية التي بناها الخديوي إسماعيل. وقامت بعمل أول مسرح دائري ليرى كل المشاهدين ما يجري على المسرح وهم جالسون في أي مكان بالصالة، وفي الصيف كانت تنتقل بنشاطها إلى كازينو بديعة- مكان شيراتون القاهرة الحالي - حتى أصبح هذا المكان يشتهر باسمها، وكان العامة يسمون الكوبري الذي يوصل إليها، "كوبري بديعة" وأطلق عليه فيما بعد "كوبري الجلاء".
ورغم ظهور السينما منذ عشرينيات القرن الماضي، وتقديم الأفلام الناطقة منذ عام 1927 فإن السينما لم تستهوها، وإن كانت قدمت أدوارًا قليلة في السينما مع بنت بلدها ماري كويني، أهمها فيلم "أم السعد" الذي أخرجه أحمد جلال، كما قامت ببطولة فيلم "ملكة المسارح" من إخراج الإيطالي أريو خولبي وبطولة مختار عثمان، وبشارة واكيم، لكن الفيلم فشل فشلًا ذريعًا فابتعدت عن السينما، ثم قامت بتمثيل عدة أفلام تسجيلية دعائية لشركات "بنك مصر"، خاصة شركة "غزل المحلة"، حيث قدمت في فيلم "المحلة" دور فلاحة تتعارك مع زميلتها التي تقوم بتمزيق جلبابها، ثم تقوم فلاحة أخرى بإهدائها جلبابًا من صنع "المحلة" فتغني وترقص مع المجموعة "جلابيتي حلوة محلاوي"، حيث كان الاقتصادي الكبير طلعت باشا حرب يبذل كل جهده من أجل تمصير الصناعة المصرية ويقوم بالدعاية لكل شركاته وبكل الوسائل، حتى نجح في إقامة صروح صناعية ضخمة.
وكان عام 1949 هو عام الأحزان لبديعة، حيث شهد رحيل زوجها السابق وحبيبها الفنان نجيب الريحاني، وفي العام نفسه طالبتها مصلحة الضرائب بمبالغ مالية كبيرة ، غير أن بديعة رفضت أن تدفع ورتبت عملية للهروب بأموالها من مصر، وبالفعل استطاعت عن طريق أصدقائها أن تهرب إلى لبنان بعد أن باعت مسرحها إلى تلميذتها ببا عز الدين.
وفي بيروت اشترت بديعة مزرعة في منطقة "شتورة" وشيدت بها مزرعة دواجن وابتعدت عن الفن تمامًا، كما أقامت مطعمًا لتناول المأكولات اللبنانية، مع تقديم بعض الفقرات الغنائية والراقصة، غير أنها لم تعد تشارك بالغناء أو الرقص، وظلت تباشر أعمالها حتى رحلت في 23 يوليو/تموز 1976 عن عمر يناهز 84 عامًا.
خدمة ( وكالة الصحافة العربية )
في بدايات القرن الماضي تميزت الحياة الفنية في مصر بالنشاط والحيوية، وكان شارع عماد الدين في العشرينيات وحتى الأربعينيات يموج بالعديد من الفرق المسرحية، مثل فرق: "الكسار" و"الريحاني" وفرقة "رمسيس" ليوسف وهبي " و"فاطمة رشدي" و"عزيز عيد" و"جورج أبيض" و"عبد الرحمن رشدي.. وغيرها، كما كانت هناك صالات الرقص التي تديرها أجنبيات مثل صالة "ديناليسكا"، و"كازينو دي باري"، الذي كانت تديره مدام مارسيل، إضافة إلى صالات تديرها مصريات مثل ماري منصور وسعاد محاسن و ورتيبة وأنصاف رشدي .. أما أكبر صالات الفنانات العربيات، فقد كانت صالة بديعة مصابني بشارع عماد الدين، مكان سينما "ليدو" حاليًا بجوار مسرح الريحاني.
وكانت بديعة مصابني اللبنانية الأصل قد حضرت إلى القاهرة لأول مرة عام 1910، لتبدأ رحلة فنية ثرية، وتضع بصمتها التي لا تنسى على تاريخ الفن المصري بشكل عام، خاصة وأن عددًا من أكبر الفنانين المصريين برزوا من خلالها، مثل تحية كاريوكا، ومحمد فوزي، وزينات صدقي، وإسماعيل ياسين.
في عاصمة الفن
أطلت الطفلة بديعة على الدنيا في العام 1892 في بيروت، من عائلة مصابني المارونية، وسرعان ما شبت عن الطوق وأصبحت فتاة رائعة الجمال رشيقة القوام ، شغلت شباب الحي بجمالها ورشاقتها، كان والدها تاجرًا ميسور الحال لكن الدنيا لا تدوم على حال، فقد اضطرتها الظروف إلى أن تنزل إلى ميدان العمل وهي في مرحلة الصبا، فعملت في بعض حرف حياكة الملابس، ولكن موهبتها الفنية كانت قد بدأت الإعلان عن نفسها، وراحت تلح عليها. وفي عام 1910 قررت بديعة أن تطلق العنان لنفسها، فتركت لبنان وجاءت إلى القاهرة، ولم يكن عمرها قد تجاوز الثامنة عشرة، ووصلت مصر بصحبة والدتها ولم تكن تعرف فيها أحدًا، وراحت تتجول في شوارع القاهرة مع والدتها حتى وقع نظرها على حديقة الأزبكية بوسط القاهرة، التي كانت تموج بالصالات والمسارح التي تقدم الفن المصري، وكان أشهرها صالة "سانتي"، التي كانت تغني فيها "توحيدة" واحدة من أشهر مطربات مصر في ذلك الزمن، وهي نفس الصالة التي شهدت بداية شهرة سيدة الغناء العربي أم كلثوم.
وأدركت بديعة أن هذا مكانها وأن شأنًا كبيرًا سوف يكون لها فيه، فذهبت أولًا إلى جورج أبيض وعملت معه في مسرحه فترة قصيرة، ولكنها سرعان ما تركته لتنضم إلى فرقة الفنان أحمد الشامي الذي كوّن فرقة تمثيلية يجوب بها مدن ومراكز مصر، يقدم مسرحيات فيها من الغناء والرقص ما يرضي ذوق المتفرج الشرقي، وفاقت بديعة مصابني كل بطلات الشامي برقصها وغنائها وتمثيلها لتكون هي البطلة الأولى في فرقته ، ورغم أن نجاح بديعة مع فرقة الشامي كان كبيرًا إلا إنها تركتها وعادت إلى بيروت، وفي لبنان وواصلت مشوارها الفني بنجاح، حيث غنت ورقصت وأصبح لها اسمها في بلدها .
مع الريحاني
ولكن عشقها لمصر التي وقعت في هواها من أول نظرة، جعلها تقرر العودة مرة أخرى، غير أنها هذه المرة أصبحت بطلة مسرح نجيب الريحاني الذي قدمها في عشرات المسرحيات الغنائية التي اشتهر بها مسرحه في منتصف القرن العشرين، فقد أثرى الموسيقيون المصريون هذا المسرح بألحان رائعة، ومنهم فنان الشعب سيد درويش وكامل الخلعي وإبراهيم رمزي وداود حسني ومحمد القصبجي وزكريا أحمد.. وغيرهم.
وقدمت بديعة مع الريحاني عدة أعمال فنية ناجحة منها: "الشاطر حسن، الليالي الملاح، أيام العز، مجلس الأنس، ريا وسكينة، والبرنسيسة" وغيرها، وكانت نتيجة هذا التعاون الفني، شراكة إنسانية أيضًا، حيث تزوجت من نجيب الريحاني، وعاشا معًا أسعد أيامهما الفنية والإنسانية، غير أن السعادة لم تدم، وتم الطلاق في فبراير/شباط 1925.
وبعد الطلاق عرض عليها أحد الأصدقاء فكرة العمل بمفردها بعيدًا عن المشاركة في المسرحيات والأوبريتات الغنائية، فاقتنعت بالفكرة واستأجرت صالة في عماد الدين، وبدأت في تكوين فرقتها الغنائية الراقصة التي ولدت عملاقة، فقد ضمت إليها أشهر مطربي ذلك الزمن، مثل فاطمة سري التي لحن لها "صفر علي" أغنية "رنة خلخالي يا أمه"، كما انضمت إلى الفرقة الفنانة الناشئة في ذلك الوقت "نجاة علي" واشتهرت بطقطوقتها "سر السعادة في شفتيك"، وأيضًا انضم إلى الفرقة الشيخ سيد الصفتي، الذي كان يجيد غناء الأدوار التي صاغها الرواد عبده الحامولي ومحمد عثمان وإبراهيم القباني.. وغيرهم .
ومن أهم الفنانات اللاتي نجحت بديعة في ضمهن لفرقتها الوليدة مطربة القطرين "فتحية أحمد" التي كانت المنافسة الأولى لأم كلثوم عند ظهورهما معاً، ومن لبنان جاءت بالراقصة الشهيرة حينئذ في بلدها ببا عز الدين وشقيقتها شوشو عز الدين، كما جاءت بالمطربة ماري جبران التي كانت تجيد الموشحات والأدوار المصرية.
كوبري بديعة!
وغطت شهرة صالة بديعة على كل الصالات الأخرى في ذلك الوقت، ونجحت في جذب العديد من المطربين والمطربات والراقصات إلى صالتها، فتركت تحية كاريوكا صالة سعاد محاسن من أجل بديعة، وفريد الأطرش وأسمهان تركا ماري منصور من أجلها، وهجرت زينات صدقي صالات الإسكندرية كراقصة، وانضمت لبديعة قبل أن تعتزل الرقص وتصبح من نجمات الكوميديا، وتزاحم في الصالة عدد من المطربين الذين أصبح لهم باع طويل في عالم الفن مثل إبراهيم حمودة الذي كان مطرب الفرقة الأول، ثم جاء بعده محمد فوزي والملحن محمود الشريف الذي كان يغني ويلحن ، وتولى قيادة الفرقة الموسيقية واحد من ألمع الملحنين وعازفي القانون في ذلك الوقت وهو أحمد شريف ومعه زوجته سيدة حسن مطربة الأفراح، كما قدمت بديعة المطرب الناشئ أحمد عبد القادر الذي اشتهرت له أغنيته"وحوي يا وحوي" ، وقدمت أساطين فن المنولوج الفكاهي، وكان أشهرهم سيد سليمان وموسى حلمي، والدويتو الفكاهي، "حسين ونعمات المليجي" وإسماعيل ياسين وثريا حلمي وشقيقتها المطربة ليلى حلمي، وكان الملحن الأول للفرقة الفنان عزت الجاهلي، وكان والده الممثل عبد العزيز الجاهلي يمثل بعض المسرحيات وفيها تعرف إلى بديعة.
واستطاعت أن تشيد صالة فنية حديثة على أحدث طراز في ذلك الوقت في "ميدان الأوبرا" على بعد خطوات من دار الأوبرا الملكية التي بناها الخديوي إسماعيل. وقامت بعمل أول مسرح دائري ليرى كل المشاهدين ما يجري على المسرح وهم جالسون في أي مكان بالصالة، وفي الصيف كانت تنتقل بنشاطها إلى كازينو بديعة- مكان شيراتون القاهرة الحالي - حتى أصبح هذا المكان يشتهر باسمها، وكان العامة يسمون الكوبري الذي يوصل إليها، "كوبري بديعة" وأطلق عليه فيما بعد "كوبري الجلاء".
ورغم ظهور السينما منذ عشرينيات القرن الماضي، وتقديم الأفلام الناطقة منذ عام 1927 فإن السينما لم تستهوها، وإن كانت قدمت أدوارًا قليلة في السينما مع بنت بلدها ماري كويني، أهمها فيلم "أم السعد" الذي أخرجه أحمد جلال، كما قامت ببطولة فيلم "ملكة المسارح" من إخراج الإيطالي أريو خولبي وبطولة مختار عثمان، وبشارة واكيم، لكن الفيلم فشل فشلًا ذريعًا فابتعدت عن السينما، ثم قامت بتمثيل عدة أفلام تسجيلية دعائية لشركات "بنك مصر"، خاصة شركة "غزل المحلة"، حيث قدمت في فيلم "المحلة" دور فلاحة تتعارك مع زميلتها التي تقوم بتمزيق جلبابها، ثم تقوم فلاحة أخرى بإهدائها جلبابًا من صنع "المحلة" فتغني وترقص مع المجموعة "جلابيتي حلوة محلاوي"، حيث كان الاقتصادي الكبير طلعت باشا حرب يبذل كل جهده من أجل تمصير الصناعة المصرية ويقوم بالدعاية لكل شركاته وبكل الوسائل، حتى نجح في إقامة صروح صناعية ضخمة.
وكان عام 1949 هو عام الأحزان لبديعة، حيث شهد رحيل زوجها السابق وحبيبها الفنان نجيب الريحاني، وفي العام نفسه طالبتها مصلحة الضرائب بمبالغ مالية كبيرة ، غير أن بديعة رفضت أن تدفع ورتبت عملية للهروب بأموالها من مصر، وبالفعل استطاعت عن طريق أصدقائها أن تهرب إلى لبنان بعد أن باعت مسرحها إلى تلميذتها ببا عز الدين.
وفي بيروت اشترت بديعة مزرعة في منطقة "شتورة" وشيدت بها مزرعة دواجن وابتعدت عن الفن تمامًا، كما أقامت مطعمًا لتناول المأكولات اللبنانية، مع تقديم بعض الفقرات الغنائية والراقصة، غير أنها لم تعد تشارك بالغناء أو الرقص، وظلت تباشر أعمالها حتى رحلت في 23 يوليو/تموز 1976 عن عمر يناهز 84 عامًا.
خدمة ( وكالة الصحافة العربية )


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.