تليفزيون "اليوم السابع" يستعرض قرارات رئيس الوزراء لترشيد استهلاك الطاقة    شركة الطيران الإسرائيلية تلغي رحلاتها إلى 28 وجهة بعد أضرار بمطار بن جوريون    الداخلية الكويتية: تعاملنا مع 17 بلاغًا لشظايا صاروخية    وزير الصحة يدين الاعتداءات على المنشآت الصحية فى لبنان    يامال يشعل الحماس قبل مواجهة نيوكاسل: كامب نو سيشهد التاريخ    فتح طريق سفاجا قنا من الاتجاهين بعد استقرار حالة الطقس    الجمعة.. السعودية تعلن أول ايام عيد الفطر المبارك    ألقى كلمة الافتتاح.. الزمالك يطلق اسم الراحل فهمي عمر على استوديو الراديو    مجموعة إي اف چي القابضة تحقق نتائج قوية لعام 2025، حيث بلغ صافي الربح 4.1 مليار جنيه مع ارتفاع الإيرادات التشغيلية إلى 26.0 مليار جنيه    تقرير تونسي: لأول مرة.. جلال جيد حكما لمباراة الأهلي والترجي    وزير الدفاع يلتقي مقاتلي الجيش الثالث الميداني وقوات شرق القناة لمكافحة الإرهاب ويشاركهم تناول وجبة الإفطار    ارتفاع قوي للبورصة المصرية قبل إجازة عيد الفطر    بالتعاون مع اليابان.. تدريس مقرر الثقافة المالية لطلاب أولى ثانوي بدءًا من العام المقبل    مياه سوهاج تناشد المواطنين بعدم "رش الشوارع" قبل عيد الفطر المبارك    ضباط مديرية أمن الأقصر يدعمون أطفال مستشفى الأورام بالهدايا قبل العيد.. صور    د. سيد بكري يكتب: التعليم الجامعي.. قوة الدولة الحقيقية    بث مباشر للمؤتمر الصحفى للدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء    إخلاء سبيل البلوجر حبيبة رضا بتهمة نشر فيديوهات بملابس خادشة    الانتهاء من ترميم رأس تمثال من الجرانيت للملك رمسيس الثاني داخل معبده في أبيدوس    تطبيق إذاعة القرآن الكريم يتصدر قوائم البحث على جوجل    بعد اتهامها بسرقة لوحات.. قبول استئناف مها الصغير وإلغاء الحبس والاكتفاء بتغريمها 10 آلاف جنيه    الفائزون بالموسم الأول لدولة التلاوة فى جولة باليوم السابع    التمسوها لعلها تكون ليلة القدر.. آخر الليالى الوترية فى شهر رمضان    محافظ الدقهلية 1331 شخصا استفادوا من القافلة الطبية المجانية بقرية ميت يعيش    نصائح "الصحة" للوقاية من تداعيات التقلبات الجوية    عبدالرحيم علي: مصر أول دولة تحركت بخطوات فعلية لمجابهة العدوان على الدول العربية    مراكز شباب القليوبية تستعد ب126 ساحة لاستقبال المصلين لأداء صلاة عيد الفطر    رئيس جامعة المنصورة الأهلية يلتقى أوائل برامج كلية الهندسة    عبدالرحيم علي: النظام الإيراني سيسقط خلال أسابيع    النقل تعلن مواعيد التشغيل للمترو والقطار الكهربائي الخفيف خلال أيام عيد الفطر المبارك    تشواميني: سنقدم هدية لدياز بعد تتويج المغرب بأمم إفريقيا    إهانة راكب رفض دفع أجرة زيادة.. الداخلية تكشف تفاصيل الواقعة| فيديو    الطقس غدًا في مصر.. استمرار عدم الاستقرار وأمطار رعدية ورياح مثيرة للأتربة    استعدادًا لعيد الفطر.. «صحة المنوفية» ترفع درجة الجاهزية وتقر إجراءات حاسمة لضبط الأداء    عيد الفطر 2026.. "صحة الأقصر" تعلن خطة متكاملة للتأمين الطبي ورفع درجة الاستعداد    ريهام عبد الغفور تتألق على ريد كاربت فيلم "برشامة".. واحتفال النجوم بفرحة العرض الخاص    مداهمة مخزن بدون ترخيص وضبط 650 ألف قرص دوائي مجهول المصدر    «وجوه الأمل» | نماذج مشرفة لذوي الإعاقة في سباق رمضان    وزير الداخلية يتابع خطط تأمين احتفالات الأعياد ويوجه برفع درجات الاستعداد القصوى على مستوى الجمهورية    الزمالك يخوض ودية استعدادًا لمواجهة أوتوهو في كأس الكونفدرالية    محافظ أسيوط يستقبل قيادات ورجال الدين الإسلامي والمسيحي لتبادل التهنئة بعيد الفطر المبارك    قبل "ساعة الصفر" فى العيد.. الداخلية تطارد شبكات السموم المستحدثة    حكم صلاة الجمعة إذا وافقت يوم العيد؟ دار الإفتاء تجيب    وزير التعليم العالي ومجدي يعقوب يناقشان تعزيز التعاون المشترك لدعم الرعاية الصحية    محافظ أسيوط: إزالة 18 حالة تعدي على أراضي زراعية وأملاك دولة ب4 مراكز بالمحافظة    شؤون الحرمين: خدمات دينية وتوعوية متكاملة لتهيئة الأجواء لقاصدي بيت الله الحرام    بث مباشر الآن.. "كلاسيكو سعودي ناري" الأهلي والهلال يلتقيان في نصف نهائي كأس الملك والحسم الليلة    هيئة المساحة تعلن مواقيت صلاة عيد الفطر المبارك 2026 بالمحافظات    العراق يبدأ ضخ شحنات من النفط الخام إلى الأسواق العالمية عبر ميناء جيهان التركي    تشكيل برشلونة المتوقع أمام نيوكاسل في إياب دور ال 16 لدوري أبطال أوروبا    عمرو سعد يحتفل بانتهاء تصوير «إفراج».. وفريق المسلسل يهتف: أحسن دراما في مصر    جومانا مراد تنتهي من تصوير مشاهدها في مسلسل اللون الأزرق    محافظ الوادي الجديد تكرم حفظة القرآن الكريم في احتفالية ليلة القدر ب20 رحلة عمرة    ملتقى الأزهر يناقش دور زكاة الفطر في تحقيق التكافل الاجتماعي    الأزهر يدين استمرار الاعتداءات الإيرانيةوغير المبررة على الخليج والدول العربية والإسلامية المجاورة    تكريم أبطال مسلسل صحاب الأرض بالهلال الأحمر.. وزيرة التضامن: المسلسل وثق البطولات المصرية في غزة.. وتشيد بالشركة المتحدة: ما قدمتموه سيبقى شاهدا للأجيال.. والمنتج: طارق نور قاد دعم العمل لإبراز المعاناة    وكيل«صحة قنا» يتفقد مستشفى فرشوط المركزي لمتابعة الخدمات الطبية|صور    الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير 7 مسيرات فى المنطقة الشرقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما ينبغي ان يقال عن الثقافة والمثقفين!!
نشر في الواقع يوم 18 - 05 - 2012


بقلم نبيل عودة
ما ينبغي ان يقال عن الثقافة والمثقفين!!
الثقافة والإبداع الثقافي بالتحديد يحتلان حيزا واسعا من تفكيرنا كمبدعين . هل واقع مجتمعنا يتماثل مع أحلامنا الابداعية ؟ وهل استطعنا كمبدعين ان نتحول الى الصوت المعبر عن واقعنا ،الدافع لانجاز أهدافنا والمؤثر على صيرورتنا الفكرية ؟
للإذاعات برامج ثقافية ، للتلفزيونات أيضا برامج ثقافية ، مواقع الانترنت ملأى بالزوايا الثقافية ، وللصحافة المكتوبة توجد صفحات ثقافية ، وصدقوا أو لا تصدقوا ، حتى لصحافتنا العربية في اسرائيل توجد زوايا ثقافية ، أحيانا مع تسمية محرر ثقافي وعلى الأغلب بلا تسمية محرر ثقافي (من يحتاجه؟) ورغم ذلك بالكاد يقع القارئ العاشق للأدب على ما يستحق جهد القراءة. فهل يستهجن أحد ان صحافتنا لم تعد تشد جمهور الأدباء والمثقفين والقراء عامة ، صحافة يحتل الاعلان مساحتها الأعظم، وما تبقى هو حشو لمواد "لمم" بلا رؤية الحد الأدنى المطلوب من النشاط الاعلامي . فهل نستهجن ان الصفحات الثقافية هي أول ما تلغى لجلالة الاعلان التجاري ؟ وهل من شك بعد ما ذكرته ، بأن المثقفين في مجتمعنا يعلوهم الغبار والنسيان من صحافتنا وجرى "استبدالهم " بمبتدئين يفتقدون للتجربة، ومعظم ما ينشر لا يمكن تصنيفه تحت اصطلاح ابداع ادبي؟
أعرف ان كلامي يثير غضب الكثيرين ، ولكني لست ممن يكتبون ، أو يتحدثون .. من أجل رفع أسهمهم ، ولأكون ولدا طيبا وخلوقا بشهادات بعض المتأدبين ، ولأكسب أعجاب بعض المقعدين ثقافيا، الذين ضاعفوا احباط ثقافتنا.. ولألحق ربعي في مديح الظلال الثقافية ، ولأصبح "مقياسا نقديا" له طوله وعرضه المعروف والثابت في " حلقة الذكر " النقدية ، نقد يصح وصفه بأنه "مديح واعجاب مع سبق الاصرار والترصد" أو "نقدا عشائريا " بمفهوم ما،او نقد بأسلوب تشجيع فريق كرة قدم، ليس مهما مستواه ، المهم انه فريقي!!
لم اعد اعترض على ما يكتب ، بت اكتب ، احيانا نادرة فقط، عندما يحركني الحد الأدنى على الأقل.
وأحيانا ألتفضيل يميل للتجاهل.
أعرف ان ما أسببه من غضب البعض، يجد دعما وتأييدا من الأكثرية الصامتة والمتألمة لحالتنا الثقافية ، ليس عجزا، انما بعدا عن المواجهة التي لن تظل مواجهة ثقافية ، كما وصلني بوضوح من بعض الغاضبين.
لا أقبل الصمت من أي مبدع أو صاحب رأي ، صمت المثقف يعني نفيه لذاته، ومزيدا من الضياع الثقافي .
الخيار صعب اذن.
الذي اريد ان أقوله باختصار بعد هذه المقدمة الاستفزازية مع معرفة ، ان حياتنا الثقافية تفتقد للفعل الثقافي . نفتقد لحياة ثقافية نشطة ولحركة ثقافية قادرة على التأثير . حركة لها كيان وصوت وقرار.
المؤسسات المحلية المصنفة كثقافية هي اسم بلا فعل.وأحيانا عالة على الحياة الثقافية، كذبة.
من ناحية اخرى يبدو ان الثقافة هي آخر ما يلفت انتباه واهتمام مؤسساتنا المنتخبة (سلطات محلية) او منظمات المجتمع المدني (الأحزاب والجمعيات) . ويجري تعيين بعض المسؤولين الثقافيين حسب مقاييس مخلة بالمنطق الثقافي الأولي. مما يعني مزيد من الشلل . مزيد من التباعد. مزيد من الانطواء. ربما التعيين بحساب مؤسساتنا هو حل لمشاكل شخصية.
سيحين الوقت لفتح هذه الصفحة الفاسدة.
بعض المؤسسات والجمعيات تحمل اسم الثقافة ولا يعنيها غير الميزانيات التي يحصلون عليها.
حادث لفت انتباهي ، اثار استهجاني وضحكي بنفس الوقت. صديق باحث ،الدكتور الياس عفيف سليمان، من لاجئي كفر برعم ومقيم في قرية الجش، له كتب ابحاث هامة على رأسها كتاب نوعي هام جدا عن حرب السويس حسب مذكرات بن غوريون وديان، ويكشف في دراساته ( مقالاته) تفاصيل المجازر التي ارتكبت ضد الشعب الفلسطيني،وبعضها يجهله معظمنا. نشرت له مقالين على الشبكة العنكبوتية. يعتمد على الأرشيفات العسكرية والصهيونية والحكومية، وما ينشره مذهل بعمقه ومضمونه.خاصة وانه ليس بالاستناد فقط على ارشيفات عربية ، والتي له اطلاع جيد عليها،. بل يعتمد أيضا على ارشيفات مرتكبي المجازر ، وللأسف هي أكثر دقة وأكثر فضحا للجرائم المرتكبة. وهي شهادة من المذنب بما ارتكبه بوعي وتخطيط مسبق. اتصل بمؤسسة ثقافية مرموقة للحصول على دعم لنشر دراساته الهامة والتي لقيت اهتماما واسعا بعد نشر اول مقالين.خاصة وان هذا النشاط يكلف وقتا ومالا ولا مردود يغطي النفقات. الجواب كان بما انه يعتمد على الأرشيفات الصهيونية، لذلك، "المؤسسة الثقافية القومية المحترمة" ترفض ترويج الرواية الصهيونية. بهذا الأسلوب ألعبقري تملصت المؤسسة من الدور المفترض انه جزء من برنامجها ومن الأموال التي تجمعها،لا اعتقد انهم يجهلون اهمية دراساته وانهم اغبياء لدرجة عدم فهم ان الأرشيفات الصهيونية هي ادانة اقوى ومضاعفة عشرات المرات عن الأرشيفات العربية وأرشيفات الفلسطينيين. وان اي مقارنة بسيطة تظهر ان الأرشيف الصهيوني مليء بتفاصيل دقيقة جدا ومذهلة أكثر ببشاعتها مما نعرفه من روايتنا التاريخية.
صحيح ان بعض المؤرخين اليهود يقومون بتحريف الحقائق وتبريرها. لذلك العودة الى المصادر التي اعتمدوها تكشف التزوير وتدحضه. وتكشف كم هم مرتعبون من أرشيفاتهم لذلك مدد رئيس الحكومة نتنياهو اغلاقها ب 20 سنة أخرى بناء على طلب مدير الأرشيفات والأجهزة الأمنية. اما "المؤسسة الثقافية القومية" فلا تريد ان نكشف عمق الجريمة حسب ارشيفاتهم. وفي الابداع الأدبي لا صوت للمؤسسة رغم كثرة أموالها.وفي الساحة "الوطنية" الشعارات بلا حساب، مثل شخص مصاب بالانتفاخ المزمن.
اتابع عادة نشاطات ثقافية عدة ، لم تزدني تفاؤلا بقدر ما أشعرتني بعمق أزمتنا . وعلى رأس هذه الأزمة اندماج العديدين من أصحاب القلم والرأي الثقافي والفكري ، بالتحايل الثقافي بعيدا عن النقد الثقافي، أو ببساطة جارحة ، بالتزوير الثقافي ، متناسين أن صفة المثقف التي يلتصقون بها ،لا تكتمل بدون الاستقامة الشخصية والمصداقية الثقافية.
ان غياب المصداقية من فعلنا الثقافي له اسقاطات سلبية ، آنية وعلى المدى البعيد ، خصوصا على تطور حركتنا الثقافية وجعلها حركة فكرية اجتماعية لها صوتها المسموع والمؤثر .
هل سرا ان موقف المثقفين من قضايا مجتمعهم وعالمهم يشكل حاجزا امام الكثير من القرارات الخرقاء لدول عديدة في العالم ؟ وهل نتجاهل ان صوت المثقف في مجتمع حضاري أقوى من البنادق في التأثير على الرأي العام – الم يسبب الشاعر الألماني جونتر غراس الفزع لدولة اسرائيل ، التي تقارن قوتها العسكرية بالدول العظمى، بعد نشر قصيدته الهامة :"ما ينبغي ان يقال" والتي جاء فيها:
لماذا امتنع عن تسمية ذلك البلد الآخر
الذي يمتلك ومنذ سنوات -رغم السرية المفروضة-
قدرات نووية متنامية لكن خارج نطاق المراقبة،
لأنه لا يسمح بإجراء الكشف عليها
التستر العام على هذه الحقيقة
وصمتي جاء ضمنه
احسها ككذبة مرهقة لي
واتهم كالعادة المملة باللاسامية، وكأن هذه التهمة تنهي صوته المجلجل، وتسقط قوله:
ان اسرائيل القوة النووية تهدد
السلام العالمي الهش اصلا!
هذا نموذج لأهمية الثقافة ودور المثقفين في التأثير على مسارات عالمنا ومجتمعاتنا.
للأسف هذه ليست حالنا الثقافية.. هنا في المجتمع العربي داخل اسرائيل ، والى حد كبير في العالم العربي . حقا بعض المثقفين العرب باتوا يشكلون خطرا على أمن "الفساد الحاكم" أو " الحكم الفاسد " ( ما الفرق ؟) في عالمنا العربي . المثقفون يحاكمون ، يسجنون ، يقتلون ، ويتعرضون لسيف الارهاب السلطوى والغيبي .. وكلما ازداد الارهاب على الثقافة والمثقفين ، كلما أيقنت ، ان ثقافتنا العربية ما زالت بخير .
ما قيمة الثقافة اذا لم تحدث حركة اجتماعية ؟ .. حركة فكرية ؟.. نقدا صريحا .. نقاشا ... حوارا .. تعدد آراء .. تعدد أذواق .. تعدد مفاهيم .. تعدد تجارب ، وتعدد تحديات ؟
السياسة بانفصالها عن الثقافة تفقد توازنها. هذا ما نشهده اليوم في مواقف اليسار العربي الماركسي ،الذي اضحى بمعظمه مجردا من المثقفين امثال حسين مروة ومهدي عامل ومحمود امين العالم واميل حبيبي واميل توما وسالم جبران وآخرين ابتعدوا عن تنظيماتهم بيأس واضح، ومع فقدان التوازن الماركسي العربي مما يحدث في سوريا وخاصة جرائم النظام التي لا يمكن تفسيرها وتبريرها بما يدعيه نظام الأسد ارى ان الماركسيين الرسميين فقدوا بوصلتهم السياسية والاجتماعية والانسانية وان اليسار الماركسي يتراجع عن كل منجزاته التاريخية، وسيدفع ثمن مواقفه غاليا.
ما قيمة المثقف اذا كان ما يكتبه يذهب للدفن بلا مراسيم ، وبدون فتح ديوان للتعازي ؟ ما قيمة الكتابة اذا "ولدت ميتة " على صفحات وسائل اعلام ، كل دورها انها تعبئ فراغات الورق بما تيسر وليس بما هو ضروري..؟
من هنا رؤيتي لواقع أزمة ثقافتنا العربية في إسرائيل بأنه توجد قطيعة شبه كاملة في العلاقات بين حياتنا الثقافية والفكرية من جهة ، وبين القارئ والمجتمع الذي يدعي الكثيرون انهم يمثلوه في ابداعهم ونصوصهم المختلفة. وما يزيد أزمتنا غياب واسع للثقافة النقدية . ولكن من تجربتي أعرف ان مجتمعنا متعطش للصدق مهما كان مؤلما .. ومتعطش للنقد بكل مجالاته وامتداداته .
نحن مجتمع متهم أيضا انه لا يعطي للمثقفين دورا ، ومعروف ان أصحاب الأدوار وصلوا بدون وجه حق ، وفي غفلة من الزمن ، عبر تسلق أجسام سياسية ، وهم بالكاد يمثلون رأيا يستحق الاجماع ، أو الانصات اليه . وأصحاب الأدوار الاجتماعية أو السياسية بحالة انقطاع متواصلة عن الفكر الثقافي الذي تدعمه المؤسسات، والذي لا يمت للثقافة الحقة بصلة ، تشغل أصحابه مكانتهم ، وبعضهم يتمسك بألقاب لا ترجمة لها على ارض الواقع، وتحول مفهوم الأديب الى مفهوم وظيفي.
من المؤسف أن الثقافة في حياتنا لا تشكل إلا بندا غير قابل للتنفيذ في أجندة المؤسسات والأحزاب ، وهي نتيجة تلقائية للرؤية المغلوطة والتي لا تقيم وزنا حقيقيا للمشروع الثقافي، ولا أستثني أحدا ، بغالبيتهم لا يرون أهمية الدور الاجتماعي والحضاري للثقافة ، أهمية دورها التربوي ، قيمتها في النضال الاجتماعي والسياسي ودورها في صيرورة انسان المستقبل وتشكيل عالمه الفكري .
ان تكتب قصيدة جميلة ، قصيدة حب مثلا ، هذا أمر جيد ورائع ... والسؤال ، عدا جمالية اللغة والموسيقى والمشاعر ، هل أوصلت ، ايها الشاعر أو القصصي ، في حالة النص القصصي ، هل أوصلت رسالة حضارية ؟ فكرة انسانية ما ؟ تجربة حياتية تستحق جهد القراءة ؟ نقدا ما حول واقع يجب ان نتجاوزه ؟
الأدب والثقافة لهما وظيفة اجتماعية ، ومهمة انسانية عامة . عبر الابداع الأدبي انت تقوم بنشاط جديد . نشاط لذاتك ، ونشاط لمجتمعك . نشاط للعالم الخارجي حولك ، ونشاط للعالم الأكثر اتساعا من رقعتك المحدودة جغرافيا . وقد يشكل الابداع ولادة حقيقية جديدة للمبدع ، نقلة نوعية ، فكرا وموقفا وإبداعا.
الابداع هو فعل هادف منظم ومسؤول نحو هدف . ادوات المبدع هنا هي اللغة والفكر ، ولكن اللغة لوحدها ليست هي الهدف ، كما لاحظت في كتابات كثيرة . لا شك ان استعمال اللغة ومفرداتها ، هو فن بحد ذاته ، ويضفي على الإبداع الحقيقي جماليات خاصة تعمق قيمة الابداع وأثره.
الانسان الذي لا يملك هدفا في الحياة ، هو بنفس الوقت لا يملك مشروعا ثقافيا ، حتى لو كان استاذا في تاريخ الثقافة.
في العام 600 قبل الميلاد حدث التحول الأهم في العقل البشري. نشأت الفلسفة في بلاد الإغريق.الفلسفة رفضت الأساطير عن الآلهة ، وطرحت بدلا منها المنطق العقلي في فهم الظواهر الطبيعية وتفسيرها. في مجتمعاتنا نلاحظ أن الأساطير تزداد قوة . بمعنى آخر حيث لم تتطور فلسفة استمر التراجع واشتد الارتباط بالأساطير. اين نحن من ذاك التحول بعد 2700 سنة من ظهور الفلسفة؟ ولماذا تقف ثقافتنا عاجزة عن تثبيت العقل والعقلانية (لوغوس) بدل الأساطير؟ وهل كان حرق كتب ابن رشد واتهامه بالزندقة والكفر دورا في القضاء على تطوير فلسفة عربية، وبالتالي ما يسود مجتمعنا اليوم من أزمة ثقافية؟
من هنا أقول يقتضي ان يكون للأديب أو المثقف ، مشروع حياة يرتبط بقضايا مجتمعه وعالمه وان يكون صاحب رؤية فلسفية. بدون فلسفة نحن لا نتعلم ، وكما يقول غوتة: "الذي لا يعرف ان يتعلم دروس الثلاثة الاف سنة الأخيرة يعيش في العتمة"..
ما هو العالم الذي نريد ان نعيش فيه ؟ هل نريده مجتمعا مغلقا أم مجتمعا مفتوحا؟ مجتمعا حرا أم مجتمعا خاضعا؟ مجتمعا يكفل حقوق الانسان أم مجتمعا يميز بين البشر؟
بالطبع لا يمكن نفي ذاتية المبدع ، خصوصياته... وتطويرها لآفاق أكثر اتساعا في تفكيره وقدرته على التأثير .
للأسف هذا ما نفتقده في الأكثرية المطلقة مما ينشر من ابداعات شعرية أو قصصية ، ومن نقد أدبي ومحاورات فكرية وثقافية... وحتى من مقالات ومواقف سياسية.
ان ما نحتاجه ليس المثقف الخامل ، الباحث عن المصفقين .. انما المثقف النقدي والموضوعي المرتبط بقضايا مجتمعه ، المثقف الذي ينقد ذاته وتجربته ،وان يكون ارتباطه الأساسي مع الثقافة بمفهومها الكوني وليس القبلي العشائري أو القومي المتعصب او الديني المنغلق. وان يكون مثقفا متحررا من التبعية مهما كان نوعها وشكلها الفكري او السياسي أو الاجتماعي او الديني.
لنا تجربة غنية . حققنا انجازات ثقافية في مسيرتنا غير السهلة. يجب ان ندرس تجربتنا . . في لحظة معينة لا بد ان ينبثق شيء جديد، ولكن لا شيء يظهر لوحده....


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.