اليوم 23 سبتمبر 2013 .. يتم الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل عامه التسعين حاملا فوق كتفيه سبعين عاما من الصحافة وملايين الكلمات التي أضاءت كتبه وآلاف الشخصيات التي حملتها ذاكرته بالاضافة إلى عالم كبير خبره هذا الرجل الاستثنائي بحروبه وعلومه وآدابه وفنونه.. وفي القلب من ذاكرته ترقد «برقاش» التي لا تمثل له مجرد مكان ولكنها دنيا هيكل وعالمه الخاص ودولته المتوج عليها ملكا منذ أكثر من ستة عقود يستقبل فيها كبار العالم من زعماء وثوار ومفكرين وتحت ظلال أشجارها جلس من كتبوا تاريخ مصر الحديث ساسة وكتاب ومبدعين.. أكاد أري الأستاذ محمد حسنين هيكل أقرب ما يكون لأبطال المسرح الإغريقي الذين تحركهم الأقدار حينا ويصنعونها حينا. أكاد أري الأستاذ مثل الجبلاوي في «أولاد حارتنا» وحارته هنا حارة السياسة والصحافة والفكر التي لا يخلو ركن فيها ولاشارع ولا زقاق من تأثير الجبلاوي وقوة حاله ورجاء عونه.. حارته التي صنعها وتركها تعيش جيلا بعد جيل مراقبا ومتابعا لها ومطلا عليها من شرفة الزمن سعيدا بما قدم وأحيانا ساخرا ممن يقتربون أكثر مما يجب من قصره المنيف وممن يفكرون أحيانا في التسلل إلى خزائن أسراره .. ومثل ابن رشد (1126م 10 - ديسمبر 1198م) الفليسوف والفقيه والقاضي الأندلسي العظيم يكتب هيكل كلمته ويمضي، وكأن حروفه مفجرة للوعي والثورة حيث ظل هيكل منذ كتابه الأول «إيران فوق بركان» قادراً على أن يفلق الناس إلى نصفين.. قادراً على أن يحيي موتى الأفكار وأن يهز موتي الضمائر وأن يقفز نحو كثير من المناطق المحرمة والمكهربة منذ أكثر من الف عام بالخوف والتشدد والعصبية ورفض العقل. ومنذ ثمانية قرون كانت محنة ابن رشد عندما اتهمه علماء الأندلس بالكفر والإلحاد وأحرقوا كتبه .. والحقيقة أن الفارق بين من أحرقوا كتب ابن رشد ومن أحرقوا مكتبة الأستاذ هيكل أن علماء الأندلس وأهلها قرأوا ابن رشد أما إخوان آخر الزمان فلم يعرفوا غير حسن البنا وسيد قطب.. رجل جاهر بالدعوة حالما حلما صبيانيا مريضا بخلافة مضي زمانها وآخر جاهر بالقتل والتكفير والخروج على مجتمع ودنيا رأي فيهما جاهلية وكان هو الجهل والجاهلية معا.. من حرقوا كتب ابن رشد اختلفوا مع الرجل حول قضية فكر ومن حرقوا مكتبة الأستاذ إخوان للشر والجهل وكراهية النور خاصة نور العقل.. خاصة نور عقل مبهر وعملاق مثل عقل الأستاذ الذي استوعب طوال سبع حضارات الدنيا والتاريخ وحكمة الكون والأديان.. سيدى.. الأستاذ هيكل.. لم ألتقيك يوما ولكنك لم تفارقني طيلة عمرى وشرفت بالحياة بين سطور كتبك، ودعنى أقل لك ما قال المتنبي لسيف الدولة (مالي أكتم حبا قد برى جسدي... وتدعي حب سيف الدولة الأمم) - من حقك على أن أهنئك بيوم ميلادك وأن أنحنى لك احتراما وإجلالا لقدرك، وأن أدعو الدولة المصرية لأن تحتفي وتحتفل بك وبيوم ميلادك التسعين لترد على همجية التتار الجدد بأنها دولة تحترم الفكر والإبداع والرقي والحضارة والتحضر والحرية والكرامة والنبل والتسامح.. وهذا كله أنت.. وكل لحظة وانت طيب ورائع الحضور.