سعر الدولار اليوم في مصر الجمعة 17-4-2026.. استقرار بالبنوك    وزير الصناعة يبحث مع شركة «جي بي أوتو» مشروعاتها الحالية    الرصيف السياحي بميناء غرب بورسعيد يستقبل السفينة السياحية AIDA STELLA    مضيق هرمز تحت الضغط.. تحركات أمريكية تضرب تجارة النفط الإيرانية    وقف هش لإطلاق النار عقب الاتفاق بين إسرائيل ولبنان    أزمة الوقود تهدد الطيران العالمي.. حالة طوارئ في مطارات أوروبا تربك رحلات 90 مليون مسافر سنوي.. بريطانيا وفرنسا وإسبانيا أكبر المتضررين    كاتس: نزع سلاح حزب الله سيتم بوسائل سياسية أو عسكرية بعد الهدنة    أبو الغيط يدين بشدة تعيين إسرائيل سفيرا لدى «أرض الصومال»    مشاهدة البث المباشر لمباراة الأهلي السعودي وجوهور فيديو الآن    سلوت: هدفنا الأساسي تعويض رحيل محمد صلاح    حقيقة تعرض البلاد ل عاصفة رعدية.. الأرصاد تكشف التفاصيل    خلال 24 ساعة.. تحرير 1135 مخالفة لعدم ارتداء الخوذة    ضبط 1200 عبوة زيت طعام داخل مصنع يستخدم علامات تجارية وهمية بمركز المحلة    إصابة شخص في تصادم سيارة نقل مع ملاكي بالهرم    سألنا ChatGPT.. ماذا تقول لغة الجسد في صورة خاطفة رضيع مستشفى الحسين ؟    «الأمم المتحدة» تختار تجربة التطوع لصندوق مكافحة الإدمان    «مؤسسة الإمارات للآداب» تفوز بجائزة الشيخ زايد للكتاب فرع «النشر والتقنيات الثقافية»    الملك "الأخير" في ضيافة "عروس المتوسط".. أحمد فؤاد الثاني يستعيد ذكريات والده بقلب الإسكندرية    دار الإفتاء: قيام المرأة بشئون بيت زوجها وأولادها بنفسها من حسن العشرة    «الصحة» تعلن نجاح زراعة الكبد بتقنيات الطب «عن بُعد»    إيران تهدد برد مدمر على أي انتهاك أمريكي إسرائيلي للهدنة    البترول: بتروتريد تحقق نموا 16% في تحصيل مستحقات كبار المستهلكين من قطاعات الصناعة    خالد فتحي يطالب أبطال 2008 بالفوز على إسبانيا واعتلاء القمة    بحضور وزير الشباب وسفير الإمارات.. انطلاق سباق "FACE" الخيري لدعم الأطفال بالقاهرة    انطلاق منافسات السيدات ببطولة كأس العالم لسلاح الشيش في القاهرة    وزير الخارجية يلتقي رئيس مجموعة البنك الدولي    دار الأوبرا على صفيح الانتظار ووزارة الثقافة تحسم الاختيار خلال أسابيع    في ذكرى رحيله ال 56.. جوانب خفية في حياة «الضيف أحمد»    عذرًا عزيزي الصندوق    لا تيأسوا من رحمة الله    رسائل طمأنة.. عالم بالأوقاف يوضح طريق العودة إلى الله دون يأس أو قنوط    أسعار الخضروات اليوم الجمعة 17 أبريل في سوق العبور للجملة    من الرئة إلى الدماغ.. دارسة تكشف تأثير التدخين على زيادة خطر الخرف    الصحة: الهيئة العامة للمستشفيات والمعاهد التعليمية تحقق نقلة نوعية في علاج السكتة الدماغية    45 سنة على ضهرها.. "التأمين الصحي الشامل" يتدخل لدعم مسنة من بورسعيد كرست حياتها لرعاية نجلها    في ذكرى تحرير سيناء، "بيت العائلة" و"الملهمات" في ندوة بقصر الأمير طاز    توروب يبدأ دراسة بيراميدز بالفيديو مع لاعبي الأهلي    موعد والقناة الناقلة لمباراة الأهلي والزمالك في نصف نهائي كأس مصر لكرة السلة    بالصور.. نجوم الوسط الفني في حفل زفاف ابنة محمد السعدي    صالون حجازي يحتفي ب «صلاح جاهين» في بيت الشعر العربي    تقارب لافت بين الأزهر وحقوق الإنسان.. هل يبدأ فصل جديد من الشراكة المؤسسية؟    جامعة المنصورة تستعد لإطلاق أسبوع «دِينًا قِيَمًا» بالتعاون مع الأزهر الشريف    القيادة المركزية الأمريكية: حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" تعبر بحر العرب    وزير الزراعة يوجه بتقديم الدعم الفني العاجل لمتضرري السيول بتجمع "وادي سعال" بسانت كاترين    القيادة الوسطى الأمريكية تؤكد جاهزية قواتها واستعدادها الكامل    منظمتان كنسيتان دوليتان تدينان حملات التضليل والتهديد ضد منتدى تايوان المسكوني    وزير التعليم العالي يبحث سبل تعزيز التعاون مع سفير مملكة إسبانيا    أسفر عن مصرع شخص، انتداب المعمل الجنائي لبيان سبب حريق شقة بعابدين    مصرع شخص وإصابة آخر في إنقلاب سيارة بترعة الحاجر بالبحيرة    الكشف على 219 مواطنا بقافلة قرية المهدية ورفح الجديدة ضمن «حياة كريمة»    برواتب مجزية وتأمينات.. «العمل» تُعلن عن 1800 وظيفة بشركة كبرى    أسرة محمد عبد الوهاب تكشف كواليس حفل لندن: السوبرانو فاطمة سعيد ونادر عباسي قدما صورة مبهرة    نجل الموسيقار محمد عبد الوهاب: والدي لم يبك في حياته إلا مرتين على رحيل عبد الحليم حافظ ووالدته    ترامب يعلن وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة 10 أيام    إصابة 15 عاملا بتسمم داخل مزرعة عنب بالمنيا    ليفاندوفسكي: لم أحسم موقفي من الاستمرار مع برشلونة حتى الآن    هل بعد الفقد عوض من الله كما حدث مع أم سلمة؟ أمين الفتوى يرد    الجندي يوضح الصفات التي تميز بها صحابة الرسول    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شيخ الأزهر: منهج التعليم الأزهري يرسخ ثقافة الحوار
نشر في الوفد يوم 01 - 05 - 2018


كتبت - سناء حشيش:
ألقى الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، رئيس مجلس حكماء المسلمين، صباح اليوم الثلاثاء، الكلمة الرئيسية في الجلسة الافتتاحية للقاء التشاوري العالمي للعلماء والمثقفين حول وسطية الإسلام، بحضور الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو، ولفيف من كبار الشخصيات الدينية في العالم، وذلك في قصر الرئاسة بمدينة بوجور الأندونيسيه
اكد فيها الى ان منهج التعليم الأزهري يمثل وسطية الإسلام ويرسخ ثقافةَ الحوار وشرعيةَ الاختلاف.
وأضاف "الطيب" أن أمَّة الإسلامِ إمَّا أن تكون أمَّة وسَطًا، وإمَّا ألَّا تكون واشار الى ان أيَّ انحرافٍ عن مجال الوسطية إلى طَرَفٍ من طرَفَيها المتقابلين، يصيبُ ديننا الدين العظيم في مَقتل واشار الى ان كلمة «الوسطيَّة» تَرِد دائمًا مقرونة بالإسلام.. إضافةً أو وصف واوضح شيخ الازهر ان علماؤنا الأَجِلَّاء بيَّنوا خطأ التَّوفيق أو التَّلفيق بين وسطيَّةِ الإسلام ووسطية أرسطو ولفت الى ان الوسطية مظهر من مظاهرِ رحمة الله بخَلْقِه وتتجلى بأبهى حُلَلِها في يُسرٍ الإسل وقال الامام الأكبر خلال كلمته ان حديثَنا اليوم عن الوسطيَّة يجب أن يَنتقِلَ من مجالِ البحث والنظر إلى مجال العمل والتَّطبيق واضاف ان الذي يَتشدَّد ويُغالي ويحرِّم الحلال في الدين ليس أقلَّ جُرمًا من الذي يُحِلُّ ما حرم الله وقال شيخ الازهر ندائي إلى الأمة هو أن تتيقظ لما يدبر لها من مكائد ومؤامرات. واضاف ان الأمَّةِ لا تَمتلكُ الآن من أطواق النجاة طوقا آخَرَ غير وحدتها.
وقال "الطيب": "أتضرع إلى الله أن يرد القدس إلى أهله.. وأن يرفع عن الشعب الروهينجي المظلوم ما نزل به من قتل وتشريد وإجرام"
والى نص الكلمة:
فإن الموضوعُ الذي أَشْرُفُ بالحديثِ فيه اليوم هو موضوعٌ بالغُ الخَطَرِ والأهميَّة، رُغم ما حفل به من أبحاثٍ ودراسات لا تكاد تُحصى، ورُغم ما طرقته الأقلام في الكتب والصُّحف والمجلَّات والمؤتمرات، حتى بدا وكأنه لم يَعُد يَقْبَل مزيدًا من البَحْثِ أو النَّظَرِ من كَثرةِ ما قِيلَ فيه وكُتِبَ عنه.
هذا الموضوع، القديم الجديد المُتجَدِّد هو «الوسطيَّة» التي تَرِد دائمًا مقرونة بالإسلام، إضافةً أو وصفًا، فيُقال: «وسطية الإسلام»كمايُقال: إنَّه «دين الوسطية»، ومن المعلوم لدى المسلمين جميعا، أن الله تعالى وصف هذه الأمة بأنها أُمَّة وسط فقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾[البقرة: 143]، وأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَسَّرَ«الوَسط» في هذه الآية بأنه «العدل»، فقال: "الوسط العدل، جعلناكم أُمَّةً وسَطًا".
وقد قيل الكثير في تحليل معنى الوسطيَّة وارتباطها بالعدل وجوامع الخير انطلاقًا من الحديث النبوي السابق، واستنادًا إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾. [القلم: 28]، فقد قال المفسِّرون: أي أعدلُهم وأخيرُهم، ومن هنا قيل: «كلُّ وسَطٍ خَيْرٌ، وكلُّ وسَطٍ أفضل من طرَفَيه دائمًا».
وكما قال الإمام الخطابي في كتابه العزلة:
لَاتَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الأَمْرِ وَاقْتَصِدْ
كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ
ورُغم وضوح معنى «الوسط» في القرآن الكريم والسُّنَّة المطهَّرة، وارتباطِه بمعنى العدل والخيريَّة، إلَّا أنَّ هذا المفهوم تعرَّض لما تعرَّضت له مفاهيمُ أخرى من اختلافٍ وتنازعٍ، مثل: مفهوم أهل السُّنَّة والجماعة، ومفهوم السُّنَّة والبِدعة، بل مفهومِ التَّوحيد الذي هو أصل الأصول وعمودُ خَيمةِ الدِّين، وليس من المبالغة أن أقول: إنَّ اختلافَ المسلمين في القرنين الماضيين حول هذه المفاهيم؛ كان من وراء ما أصاب الأُمَّة من فُرقة واختلافٍ وضَعْفٍ وغَرَقٍ في بحورٍ من الدِّماء.
ومما يُذكر عادةً في معرِض الحديث عن «وسطيَّة الإسلام» أن بعض العلماء قرن بينها وبين وسطيَّةِ أرسطو في الأخلاق، والتي اختصرها في قاعدته الشهيرة التي تُقرِّر أنَّ"الفضيلةَ وسط بين رذيلتين"، فالفضيلة عنده هي «الوسط»، ولكنه الوسطُ الذي يُشكلُ نقطةً متوسطة تمام التوسط بين رذيلتين، كلٌّ منهما تقعُ على مسافةٍ متماثلةٍ من هذا الوسط، فالشجاعةُ فضيلةٌ؛ لأنها وَسَطٌ بين رذيلتين هما: التهوُّر والجُبن، والكرمُ فضيلةٌ؛ لأنَّه وَسَطٌ بين رذيلتين هما: الإسراف والبُخل، والصبرُ فضيلةٌ؛ لأنه وسطٌ بين القَسوةِ والتَّبلُّدِ، وهكذا، فخِيارُ الأمورِ عنده أوساطُها، لكنَّها الأوساطُ التي تنتهي يمينًا وشمالًا برذائل هي شرورٌ وآثامٌ.
ولكن كثيرًا من علمائنا الأَجِلَّاء بيَّنوا خطأ هذا التَّوفيق أو التَّلفيق بين وسطيَّةِ الإسلام ووسطية أرسطو، ونبَّهوا إلى أن الوسطيَّةَ الإسلاميَّةَ ليست من هذا الباب؛ لأنَّ الفضائل الإسلاميَّة قد
يَنطبِق عليها المعيار الأرسطي في نقطة التَّوسُّط في بعض الفضائل، وذلك حين يكون المسلمُ مُضطَرًّا لأن «يختار بين شر وشَرٍّ أهون منه»، فهاهنا تَظهرُ قِيمةُ الوسط أو الاعتدالِ الذي يَحسُنُ التَّمسُّك به، ولكن هذا المقياسَ الذي يُشبِه مقاييسَ الحساب والهندسة لا يَنطبقُ على كثيرٍ من نماذج الفضائل الإسلاميَّة التي لا يُمثِّلُ «الوسط» فيها ذُروةَ القِيمة الخُلُقية، فالكرَمُ في ميزان وسطية الإسلام لا يقال فيه: إنَّه فضيلةٌ لأنَّه وَسَطٌ بين رذيلتينِ، وأنَّه إذا بَعُدَ عن الوَسَط انقلب إلى رذيلةِ السَّرَف، أو رذيلةِ البُخل؛ وإنَّما الأمرُ على العكس من ذلك، إذِ الزيادةُ في الكرمِ –مهما عَظُمت وبَعُدَت عن الوسط- فهي كرمٌ كبيرٌ مطلوبٌ من القادر عليه، ومهما زادَ الكرم يظل فضيلةً مشكورةً لا توصَفُ بالسَّرَف أو التَّبذيرِ.. ومن هذا القَبيل ما رُويَ في الصحيح من أنَّ أبا بكر الصديقَ–رضي الله عنه- تصدَّقَ بكلِّ مالِه على جيش المسلمين، وحين سأله النبيُّ صلى الله عليه وسلم«يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟، قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
ومن هنا قيل: «لا خَيرَ مع السَّرَف، ولا سَرَفَ مع الخير».
وسببُ هذا الاختلاف هو اختلافُ المعيارِ بين الوسطيَّة الإسلاميَّة والوسطية اليونانية: مُنطلَقًا وغايةً، فبينما تُوَجِّه الفلسفة اليونانية وجهَها تِلقاءَ المال المبذول ومصلحةَ مَن يبذُلُه، تنظر الفلسفة الإسلاميَّة إلى «الباعثِ الموجِبِ ومصلحةِ المبذولِ له حتى لو تعارضتْ مع مصلحةِ الباذلِ في بعض الأحيان».
ويذهب بعضُ المفكِّرين المسلمين من المعاصِرين إلى أنَّ مفهومَ «الوسطيَّة والاعتدال» قد اختُطف في الأعوام الأخيرة إلى مجالِ ما يُسمَّى «الإسلام السِّياسي» وذلك حين عمَدَ بعضُ الكُتَّاب الغربيِّين إلى حَشرِ المسلمينَ كلِّ المسلمين في سَلَّة الإرهاب، بما يَستلزِمُ بالضَّرورة إفراغَ «الوسطيَّة والاعتدال» من معناهُما الشَّرعيّ إفراغًا تامًّا، وحتَّى حين ميَّز البعضُ الآخَرُ منهم بين الحركات الإسلاميَّة المتطرِّفة والحركات المعتَدِلة – فإنَّهم خَلَطوا خَلْطًا عجيبًا بين «العَلمانيَّة المتطرِّفةِ» ، وبين «الاعتدالِ والوسطيَّة الإسلامية».
وهذه التأويلات التي ذهبت مذاهب شتَّى في تفسير «الوسطيَّة الإسلامية»حَملَت بعضا آخَرَ من العلماء المسلمين على أن ينظُرَ لهذه الوسطية الإسلامية من منظور آخَرَ مختلِفٍ تماما عن منظور «القِيمة المعيارية» الخُلُقيَّة فنَقَلَها إلى المجال «الأنطولوجي» الوجودي، وفَسَّرَ «الآية الكريمة» على أنها إخبارٌ من الله تعالى بأن أمَّةَ الإسلام إنما جاءت لتُمثِّل «الأمةَ الوسط» بالقياس إلى ما كانت عليه الأمم السابقة، ثمَّ فَسَّر «الوسط» بأنه إحياءُ عهدِ إبراهيم عليه السلام بعد ما تعرَّضَ هذا العهد لما تعرض له على أيدي الأمم السَّابقة، وأن قولَه تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ يؤكدُ ذلك.
وأيًّا كان أمر الاختلافات المعاصِرة في تفسير الوسطيَّة؛ فإنَّ القَدْرَ الذي ينبغي الاحتفاظُ به هو: أن حديثَنا اليوم عن الوسطيَّة يجب أن يَنتقِلَ من مجالِ البحث والنظر إلى مجال العمل والتَّطبيق، وأن يكون حديثُنا عنها في مؤتمراتِنا ليس حديثًا تُملِيه العواطف الجيَّاشة لمجرَّد الكشف عن جماليات هذا الدِّين الجميل، وإنَّما لإعادة استكشافِ هذه الحقيقةٍ القرآنيَّة التي شاءها الله أن تُشكِّل إطارًا حاكِمًا لمضامين هذا الدِّين الحنيف: عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا، والنزول بهذه الحقيقة إلى أرض الواقع وبعثها من جديد في وعي هذه الأمة ومسيرتها، وبحيث يَصْدُق الحُكمُ بأنَّ أمَّة الإسلامِ إمَّا أن تكون أمَّة وسَطًا، وإمَّا ألَّا تكون..والمسلمون –اليوم- هم أمسُّ الناس حاجةً من أي وقتٍ مَضَى لأن يُدركوا أنأيَّ انحرافٍ عن مجال الوسطية إلى طَرَفٍ من طرَفَيها المتقابلين، يصيبُ هذا الدين العظيم في مَقتلٍ، سواءٌ في ذلك الخروج إلى طرف الغُلو والتَّطرُّف، والخروجُ إلى طرف العَلمنةِ أوالحداثة المستوردة، وعلينا أن نَفهمَ من فلسفة الوسطية أنَّ طرَفَ التزيُّدِ لا يقلُّ إفسادا للدِّين
عن طَرَفِ التنقُّصِ منه، فكلاهما مذمومٌ وقبيحٌ ومرفوضٌ، وعلينا أن نعلمَ أيضا أن الذي يَتشدَّد ويُغالي ويحرِّم الحلال في الدين ليس أقلَّ جُرمًا، ولا أنجى مآلا من الذي يُحِلُّ ما حرم الله، كلاهُما معتدٍ على حُرمة الإسلام، وكلاهما خارج على حدوده وتعاليمه، وكلاهما كاذبٌ يزعُمُ لنَفسِه حقَّ التشريع في الدين بما لم يأذن به الله.
وتابع إن الوسطية مظهر من مظاهرِ رحمة الله بخَلْقِه، تتجلى بأبهى حُلَلِها في يُسرٍ هذا الدين ورفعِ الحرج عن عباده المؤمنين به، هذا الدين الذي قال الله عنه:
﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾. البقرة: 185
وقال: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾. الحج: 78
وكررها في آية أخرى: ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾
كما قال عز وجل: ﴿ ونيسرك لليسرى﴾ أي: للشريعة المتميِّزة باليُسر.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدِّين يُسرٌ، ولن يشادَّ الدِّين أحدٌ إلَّا غَلَبه».
ويقول: «هلك المتنطِّعونَ»، قالها ثلاثا. والمتنطعون –فيما يقول علماء الحديث-: المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
ويهمُّنا - أن نشير في كلمات قليلة إلى أن منهج التعليم الأزهري منهج يمثل وسطية الإسلام التي قلنا: إنها أخَصُ وَصفٍ لهذا الدين القيم، والفهم المعتدل لنصوص الكتاب والسنة، ويرسخ في ذهن الطالب الأزهري منذ نعومة أظفاره ثقافةَ الحوار وشرعيةَ الاختلاف، مما يحول بينه وبين نزعة الغلوِّ والتعصبِ وانغلاق الفكر وجموده على رأي واحدٍ، ويُدرِّبُه على احترام الرأي الآخر، ويعَلِّمُه الفرق بين احترام المذهب وبين اعتقادِه، وهذا ما يؤكده الواقع المعاصر؛ إذ لا يقع بصرُك على إرهابي أو تكفيريٍّ تخرَّج في الأزهر وتغذَّى بعلومه وارتوى من ثقافته، وذلك لأن الأزهر الشريف يتبنَّى منذ قديم الزمن ولا يزال يتبنَّى مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري (ت.324ه) إمام أهل السنة والجماعة عبر أكثرَ من ألف عامٍ، فقانون هذا المذهب هو: لا نكفِّرَ أحدًا من أهل القبلة، ولا يُخرجُك من الإيمان إلا جَحْدُ ما أدخلك فيه، وهذا القانون الأشعري ترجمةٌ غايةٌ في الدِّقة لحديث الإمام البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلاَ تُخْفِرُوا اللّه فِي ذِمَّتِهِ» أي لا تخونوا الله في عهده.
أقول هذا اليوم، كما قلته بالأمس البعيد، لعلَّه يكفكفُ– قليلا أو كثيرا – من غُلَواء ما تضيق به صدورنا اليوم من اختلافات وعصبيات وتحزبات بدأت تُطِلُّ برأسها القبيح بين شبابنا الجامعي وغير الجامعي، بسببٍ من الغفلة عن وسطية الإسلام، التي هي ضمانُ الاعتدال والتَّنوُّع والقُوَّة، بل هي العاصمُ من أخطار التَّشدُّد والتعصبِ، أو التحللِ من ثوابت الإسلام، أو المغالاةِ في التمذهبِ المقيت،والادعاء بأن هذا المذهب أو ذاك هو المذهب الصحيح الذي لا مذهب سواهُ، وأن غيرَه بدعة وضلالة، أو فِسقٌ في أفضل الأحوال، أو خروجٌ من الملة، وكانت النتيجةُ المحزنةُ أن أصبحت جماعات لا يستهان بها من شباب الأمة تتخندق في تصنيفات مذهبية مغلقة، ما أنزل الله بها من سلطان، فهذا سلفي، وذاك سُنِّيٌّ، وثالثٌ صوفيٌّ، ورابع حداثيٌّ تنويريٌّ، وخامس تكفيريٌّ، وكلٌّ يَطعنُ في عقيدة الآخَرِ، ويَرمِيه بالابتداع والحَيْدَة عن الحق، وقد لا يصلي أحدُهم وراء الآخر، ولا يستجيز السلام عليه، بل يهجرُه ويبرأ منه، وشغلوا أنفسهم وشغلوا الأمة معهم بتوافه الأمور، وما لبث الخلاف أن انقلب إلى فتن سالت معها دماء معصومة، وهذه ظواهر غريبةٌ مُنكَرةٌ لم تكن جماهير الأمة لتعرفَها بهذا الشيوع والانتشار.
ولعل مؤتمرَكُم هذا– أيها الحضور الكريم - يكون فاتحةَ خيرٍ على طريقِ تلافي هذه المآسي التي ابتُليت بها الأمَّة مؤخرا، وخطوةً وُثقى على طريق وَحدَة الأمَّةِ التي لا تَمتلكُ الآن من أطواق النجاة طوقا آخَرَ غيرَها؛ لإزاحة كلِّ العوائق والأشواك التي تُبذَرُ على طريقها من شَرقٍ ومن غَرب؛ كي تَبقَى هذه الأمة في حالة مرض دائم، لا هي ميتةٌ فتُريحُ وتَستريحُ، ولا هي صحيحةٌ معافاةٌ من عِلَل الفقر والمرض والجهل والتخلُّفِ.
وندائي إلى الأمة التي نعتز جميعا بالانتساب إليها، أن تتيقظ لما يدبر لها من مكائد ومؤامرات، وألا تَطلُب القوة والعزة من الله تعالى، وأن تعتمد على عقول أبنائها وسواعدهم، واستغلال ما حباها الله به من ثروات بشرية وطبيعية، وأن تقطع الطريق على العابثين والطامعين والمستهترين بإرادات الشعوب ومصائرها.
وأختِمُ كلمتي–سيادة الرئيس- بالتضرع إلى الله تعالى أن يعافي الأمة من هذه الأمراض، وأن يُعيدَ إليها مجدَها وقوتها، وأن يكف عنها أذى أهل البغي والكبر والغطرسة، وأن يرد القدس الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين إلى أهله، ويدرأ عنه مكرَ الماكرين، وأن يَعُمَّ السلامُ فلسطينَ وأهلَها، وأمتَّنا العربية والإسلاميةَ، والعالَم شرقا وغربًا.
كما أسأله سبحانه أن يرفع عن الشعب الروهينجي المظلوم ما نزل به من قتل وتشريد وإجرام، في صَمتٍ مريبٍ، سوف يسجِّلُه التَّاريخُ في صحائف الخِزْي والعار. وإنا لعلى يقين من نُصرة الله تعالى للبؤساء والضُّعفاء، وإنصافِ المظلومين ولو بعدَ حينٍ، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ، إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ هذا .﴿ وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون ﴾ صدق الله العظيم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.