فى حالة الاضطراب والفوضى، يحدث مالا يخطر على البال وما لا يتوقعه الفكر ولا يتصوره الخيال، يسود منطق القوى ويضيع الضعيف بل يداس تحت الأقدام.. يسود هذا فى المجتمعات التى تعانى من الجهل ويحركها الخبثاء كيفما شاءوا وأرادوا.. لكن أن يحدث هذا بين النخبة فى المجتمع، فهذا كارثة بكل المقاييس وعاقبتها وخيمة لا تحمد عقباها.. وهذا ما ظهر خلال الأسابيع الماضية بين القضاة والمحامين، وتصاعدت الأحداث سريعاً، ووجدنا كل جانب يخرج أسوأ ما عنده، وتبادلت الأطراف الاتهامات، وضاعت الحكمة بين الجميع. الأزمة بدأت بما يشبه الفتنة بين القضاة أنفسهم، وتصاعدت تدريجياً بينهم وتبادلوا الاتهامات ما بين هذا من فلول النظام السابق، وآخر يقول إن مشروع قانون السلطة القضائية لا يرضى طموحات القضاة.. ووجدنا مشروعين للقانون ما بين مؤيد ومعارض.. وانقسم قضاة مصر الى فرق وشيع كل حزب بما لديهم فرحون.. ثم انتقلت الأزمة الى فتنة بين القضاة والمحامين، باعتبار أنهم طرف مهم فى مشروع القانون..ثم يأتى رئيس الوزراء مؤخراً لينفى علمه أوصلته بأى مشروع للقضاة.. هى بحق فتنة كبرى أن نرى النخبة تتصارع وتتقاتل دون الوصول الى رؤية أو رأى موحد.. هل الشعور بالحرية والانتقال الى مرحلة ديمقراطية سليمة يفعل هكذا بالبشر خاصة النخبة فى المجتمع؟!.. لا نلوم الحرية والديمقراطية فى ذلك فهى بريئة تماماً من كل تصرفات البشر الذين يتصارعون أو يتقاتلون، إنما الديمقراطية هى المرجع الوحيد الذى يلوذ به كل العقلاء ويحتكمون إليها وقت الشدة.. وما يحدث هو كارثة على المجتمع خاصة العامة أو السواد الأعظم من الشعب المصرى الذى ترتفع فيه نسبة الأمية وكذلك الأمية الثقافية.. وكانت ردود الأفعال الطبيعية أن وجدنا البلطجية ينتشرون بقوة فى المجتمع الذى تسوده الفتنة.. ولا نستعجب إذن أن نجد هؤلاء البلطجية يستحلون ما ليس لهم فمثلاً عملية اقتحام البلطجية لشقق بيت العيلة فى أكتوبر، هى بمثابة إفراز طبيعى لصراع النخبة وعقلاء الأمة.. ومثلاً البلطجية الذين يقتحمون مقار المحاكم والجلسات ظاهرة مؤسفة بسبب صراع النخبة.. وكثرة السلاح فى يد الناس بالشارع، والاعتداء على حرمة البشر وترويع الآمنين إفراز طبيعى لغياب الحكمة والعقل لدى النخبة. قلت فى مقال سابق ان دعوة الحكماء من قضاة مصر وشيوخ المحامين للجلوس على طاولة مفاوضات مهمة جداً، للوصول الى رأى موحد حول مشروع القانون.. لم تلق هذه الدعوة قبولاً ولا اهتماماً، لأن الكل أخذته العزة بالإثم، وواصل الجميع لعبة الصراع وكانت النتيجة ما رأيناه ونسمع به يومياً، إنها حرب كلامية وصلت الى تنفيذ على أرض الواقع، وتعطلت جلسات ووقف سير دعاوى قضائية.. والضحية فى كل الأحوال المواطن المصرى، ورئيس وزراء مصر يقف فى صفوف المتفرجين على المشهد المؤسف. أكرر للمرة الألف أن الصراع لن يحل إلا بالحكمة والتعقل، وهذا واجب كل الحكماء من طرفى العدالة وما أكثرهم في الجانبين فلماذا التباطؤ أو التخاذل?!.. ماذا ننتظر بعد كل هذا?!.. ولا تركنوا الى حكومة مرتعشة فهى لاتملك حلولاً لأى شىء.. الحل الوحيد هو لقاء الطرفين للوصول الى رأى موحد.. ولا تنتظروا يا عقلاء الأمة أن يهبط عليكم حل من السماء، فالسماء لا تمطر حلاً للمشاكل.. والقتال والصراع أيضاً لا يأتى بحلول.. الحل فى أيدى العقلاء من الطرفين.. وكفى ما تتعرض له البلاد من أزمات ومحن لا يعلم خطورتها إلا الله.