يقبعن فى زنازين الحياة الباردة التى تُلقى بهن لخارج الدنيا، يُجدفن وحدهن عكس التيار، ليواجهن قسوة الحياة، ومرارة العيش، بعد أن رسم الفقر خيوطه على وجوههن، إنهن سيدات «زرزارة» بمنطقة الدويقة فى محافظة القاهرة. من بين هؤلاء النساء المكافحات، سيدة مسنة، وجهها ممتلئ بالتجاعيد، وملون بصفرة الشقاء والإرهاق، يكسوه الحزن والألم، الذى يعكس حملها كثرة الهموم، خاصة بعد وفاة زوجها وتركها وحدها تعول أسرة مكونة من 12 فردًا، إنها الحاجة عايدة رجب بركات. أشباه أحياء، يعيشون تحت خط الفقر، فى بيت مُتهالك بين أروقة جبل الدويقة المهدوم على رؤوس أصحابه الضعفاء، ينتظرون شفقة المسئولين بهم، وحنو الرئيس عبدالفتاح السيسى عليهم، لانتشالهم من بين أنياب الحياة. وبعين دامعة ووجه عابس حزين، توجز الحاجة عايدة مأساتها فى غضب مكتوم ويأس من حياة عودتها دائماً على أن تأخذ منها كل شىء وتحرمها من أبسط متطلبات الحياة: «رحل زوجى إلى دار الحق، وترك لى 10 أبناء أعولهم ب 200 جنيه شهرياً تمثل ما تركه لى كمعاش، أستعين به على قسوة الحياة. وصممت الدنيا أن تزيد من سوادها وقسوتها، وقبل أن يقوى ظهرها لمواجهة تركة ثقيلة بأعباء تنوء عن حملها الجبال، تلقيت ضربة أخرى قاصمة، خار معها ما تبقى فى جسدها من قوة، فتقول: «يالّا حكم القدر.. مات ابنى الأكبر ليترك لى شابة وطفلين، لأصبح مطالبة بإعالة 12 فرداً، يعنى موت وخراب ديار». بثياب سوداء مُغبرة باللون الأبيض الناتج عن غبار الجبل، تقف الحاجة عايدة فى محل صغير فتحته فى غرفتها المتهالكة، لتوفر لأبنائها وأحفادها حياة كريمة، لا يساعدها أحد غير ابنها صبى الميكانيكى، الذى يدس فى يدها كل يومين 10 جنيهات ليساعدها من خلالهم، فهل تكفى جنيهات لا تسمن ولا تغنى من جوع للإنفاق على أسرة تتكون من هذا العدد الكبير؟ رفضت الحاجة عايدة أن تعيش على إحسان أو صدقات، وأبت إلا أن تُربى عائلتها الكبيرة من حبات العرق التى تنهمر من وجهها صيفاً وشتاءً، كل ما تطلبه فقط هو تطبيق القوانين الإنسانية وشروط الحياة الآدمية، وأبسط متطلبات الحياة فى شقة صغيرة تجمع تلك الأرواح البريئة بعيداً عن حضن الجبل خشية على تركتها البشرية من سخط جبل مهرتل قد يُلقى صخوره على رؤوسهم وأجسادهم النحيلة فى يوم ما.