محافظ سلطة النقد يبحث مع رئيسة البنك الأوروبي سبل دعم القطاع المصرفي الفلسطيني    التعاون معنا أو "مصير مادورو"، إدارة ترامب تحذر وزير الداخلية الفنزويلي    بث مباشر هنا Barcelona VS Athletic.. ازاي تشوف ماتش برشلونة أتلتيك بلباو النهارده من غير اشتراك؟    دعاء أم يشعل السوشيال.. حنان ترك تتصدر تريند جوجل بعد رسالة مؤثرة لابنها    نيكول سابا تشعل السوشيال ميديا من جديد.. إطلالة مثيرة للجدل ونجاح فني متواصل    إيمان البحر درويش يتصدر جوجل.. تساؤلات واسعة تعيد الحديث عن أزمته الصحية    «ترامب» يتعهد بخطة جديدة لإدارة عائدات بيع النفط    اليوم، انتظام صرف السلع التموينية بالتزامن مع إجازة عيد الميلاد المجيد    محمد علي السيد يكتب: أنا يا سيدي مع الغلابة!!    رامي وحيد يكشف حقيقة جزء ثاني لفيلم حلم العمر» ويرد على هجوم المؤلف نادر صلاح الدين    فرنسا تعلن عن تفاصيل عدد القوات الأوكرانية بعد انتهاء النزاع    اشتعال النيران في صهاريج نفط في «بيلجورود» الروسية بسبب هجوم أوكراني    اليوم، الإدارية العليا تواصل استقبال طعون جولة الإعادة في ال 19 دائرة الملغاة    مصطفى محمد لا بد منه، ضياء السيد يقدم روشتة الفوز على كوت ديفور ويوجه نصيحة لحسام حسن    فرحة تحولت لأحزان.. 4 وفيات و15 مصابًا حصيلة حادث حفل زفاف المنيا (أسماء)    ارتفاع الحصيلة ل 4 وفيات و15 مصابًا.. نائب محافظ المنيا يزور مصابي حادث حفل الزفاف    المسلمون يشاركون المسيحيين احتفالاتهم.. ترانيم وقداس عيد الميلاد المجيد بكنائس سوهاج    فيديو | بالزغاريد والفرحة والدعوات.. أقباط قنا يحتفلون بأعياد الميلاد    وسط إقبال كبير للأقباط.. أجراس كنائس سوهاج تدق وتُعلن بدء قداس عيد الميلاد المجيد    البيت الأبيض: ترامب لا يستبعد الخيار العسكري لضم «جرينلاند»    إصابة فلسطينيين واعتقال آخرين في قرية الرشايدة شرق بيت لحم    أول تحرك من وزارة الصحة بعد فيديو وفاة مريض داخل مستشفى شهير بأكتوبر بسبب الإهمال    فلسطين.. 7 إصابات بالاختناق والضرب خلال اقتحام بلدة عقابا شمال طوباس    قرار هام بشأن مطرب المهرجانات إسلام كابونجا بسبب «انا مش ديلر يا حكومة»    د. أشرف صبحي: ماراثون زايد الخيري نموذج رائد لتكامل الرياضة والعمل الإنساني    محافظ القليوبية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة العذراء ببنها.. ويؤكد على قيم الوحدة الوطنية    أمم إفريقيا - رياض محرز: عرفنا كيف نصبر أمام الكونغو.. وجاهزون لنيجيريا    المتهم بقتل حماته يمثل جريمته في مسرح الجريمة بطنطا    رئيس مياه القناة يشدد على استغلال الأصول غير المستغلة وتقليل تكلفة التشغيل    رئيس المحطات النووية ومحافظ مطروح يبحثان دعم مشروع الضبعة    صدور «ثلاثية حفل المئوية» للكاتبة رضوى الأسود في معرض القاهرة للكتاب 2026    طلاق نيكول كيدمان وكيث أوربان رسميا بعد زواج دام 19 عاما    مقتل شخص خلال احتجاجات لليهود المتشددين ضد التجنيد    تير شتيجن يغادر معسكر برشلونة فى السعودية للإصابة    الأسهم الأمريكية تعزز مكاسبها قبل ختام التعاملات    خطاب التماسك الوطني.. ماذا قال الرئيس السيسي في الكاتدرائية؟    وزير الزراعة: مضاربات في السوق على أسعار الكتاكيت.. والارتفاعات غير مبررة    وزير الزراعة: أسعار «الكتاكيت» مبالغ فيها.. وأتوقع انخفاضها قريباً    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب حفل الزفاف بالمنيا إلى 3 وفيات و16 مصابا    أسماء ضحايا حادث تصادم ميكروباص بسيارة موكب زفاف في المنيا    وفاة المطرب ناصر صقر بعد صراع مع السرطان    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    الأرصاد: غدا طقس دافيء نهارا شديد البرودة ليلا.. والصغرى بالقاهرة 12    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وضع خارطة طريق لإطلاق منصة رقمية لمركز الفرانكفونية بجامعة عين شمس    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    الجزائر في اختبار صعب أمام الكونغو الديمقراطية.. من سينجو ويبلغ دور الثمانية؟    بث مباشر مباراة مصر وبنين.. صراع أفريقي قوي واختبار جاد للفراعنة قبل الاستحقاقات الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اللحظة الثورية القادمة: جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية
نشر في التغيير يوم 13 - 06 - 2012

تفرض جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية القادمة نفسها على أجندة الثورة المصرية. وحتى إذا كانت هناك اتجاهات وحركات ثورية تريد أن تتحرك على الأرض، بالاحتجاج والاعتصام، لتواجه الدولة العميقة والثورة المضادة، فإنهم لا محالة سوف يجدون أنهم - عند مواجهة هذه الدولة العميقة وهذه الثورة المضادة - سوف يتوقفون طويلاً أمام هذا الاستحقاق الخاص بالانتخابات الرئاسية.
لذلك تصير مقاطعة الانتخابات أو إبطال الأصوات نوعاً من الهروب والانسحاب أمام مواجهة كاملة قائمة بالفعل فيما بين خيار الثورة المضادة والدولة العميقة التي تحاول استعادة كامل وجودها وفعلها وتأثيرها (وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء) من جهة، وكل خيار ثوري وسياسي وفكري وثقافي مختلف أو متناقض معها يتحرك ضد هذه الدولة المباركية وكافة الفاعلين بها (أياً كانت درجة الاختلاف أو التناقض لدي الثوريين سواءً مع دولة مبارك أو مع الخيار الذي سوف يواجهها في الاستحقاق الانتخابي ممثلاً في محمد مرسي).
ولذلك، تصير المواجهة ما بين ممثل الثورة المضادة والدولة العميقة العسكرية التسلطية (أحمد شفيق) وخصمه ومنافسه في هذه الجولة الانتخابية (محمد مرسي) هي منافسة – أو بالأخرى مواجهة – ما بين الثورة وما يضادها – حتى بالنسبة لمن لا يرى أن محمد مرسي هو المثل الأنسب والأجدر لهذه الثورة... إذ أن الوقوف مع شفيق – أو ضد مرسى – أو على الحياد ... لن يصب إلا في خانة استمرار وتدعيم وتقوية سلطة الدولة القديمة وثورتها المضادة المتمثلة في "حكم العسكر" وكل من حوله (الحُكم) ومن حولهم (العسكر).
الخيار الثوري واسع تماماً، وهو يتسع لكل التصورات والتفاعلات والتحركات، ولكنه في المسألة الانتخابية هذه وفي هذا الظرف السياسي يظل محكوماً بالفاعلين في هذه الانتخابات واتخاذهم لمواقف واضحة ومحددة ومدروسة بعناية... إذ لم يعد بالإمكان مناصرة الثورة من خلال من كانوا مرشحين في الدورة السابقة – لأن خيار إعادة الانتخابات بالكامل ليس مطروحاً حتى الآن، وإن كان من المحتمل طرحه في ظروف معينة. المتواجدون على الساحة الآن في جولة الإعادة هما مرشح الثورة المضادة ومرشح آخر معارض له على طول الخط من موقع وفكر وتصور وتحرك مضاد وبالغ التناقض مع ميراث مبارك (المثل الأعلى لدى أحمد شفيق) المتراكم طوال الثلاثين عاماً الماضية.
الشيء المثير للدهشة في هذه اللحظة هي أن من يفترض في نفسه أنه هو ممثل الدولة "المدنية" هو نفسه "عسكري" بخلفية عسكرية، وأجندة عسكرية، ودعم عسكري، وتصور عسكري عن السياسة. عندها تصير مدنية الدولة (بمعني علمانيتها) مرتبطة بعسكرتها ودورانها في فلك مضاد للديمقراطية ومضاد بالضرورة لما يُشتق عن هذه الديمقراطية، بمعنى أنه مضاد للحرية وللعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ولكل المعاني التي تمثلها الثورة.
الإشكال الأخير هو أن النقيض لهذا العسكري، أي الدكتور محمد مرسي، يدعو إلى دولة "مدنية بمرجعية إسلامية"... وهذه المرجعية لا تجعل من دولته نموذجاً ثيوقراطياً دينياً، حيث أن الدولة الدينية الثيوقراطية لا تتحقق بالمرة – ولم تتحقق تاريخياً – في النموذج الإسلامي، كما أنه لا يمكن بأي حال أن تتحقق مثل هذه الصيغة الثيوقراطية في القرن الحادي والعشرين، وليس لها أبداً أن تتحقق كثيوقراطية على يد هذه المجموعة من الإسلاميين (جماعة الإخوان المسلمين) التي يشهد أقصى المناوئين والناقدين لهم أنهم على درجة عالية جداً من استيعاب الحداثة في إطار المفهوم الإسلامي نفسه، دون أن يضيفوا عليه أي بعد لاهوتي أو ثيولوجي، سواء في مجال الحركة والفعل السياسي أو في سياق التنظيم والتفكير وصياغة الأيديولوجيا السياسية والممارسة المشتقة منها.
الجزء الآخر الأكثر التباساً والواجب توضيحه في هذا الجانب هو أن التحرك باتجاه الدولة العلمانية / العسكرية / الأوتوقراطية/ التسلطية التي يريد استعادتها أحمد شفيق واسترجاعها – والذي يؤيده فيه عدد من دعاة الدولة "المدنية" (سواء من مرجعية ليبرالية أو اشتراكية بتصور علماني بالغ التطرف) سوف يصب بالضرورة في اتجاه كل ما يضاد ما قامت عليه أو نادت به ثورة 25 يناير، حتى بالنسبة للأهداف التي أعلن الليبراليون والماركسيون عنها كأهداف للثورة واتفقوا فيها مع الجميع بما في ذلك الإسلاميين. وبالتالي، تصير مساندة الدولة العلمانية (المسماة "مدنية" في حين أنها "عسكرية") التي يرعاها العسكري (المجلس) من خلال المرشح العسكري (أحمد شفيق) هي بالأساس دعوة للانقضاض على الثورة وإجهاضها. وكأن اللغة الضمنية هنا تحمل عبارة: "إذا كانت الثورة سوف تخدم خياراً إسلامياً فإن الثورة المضادة أفضل منها"!!
وهناك لغز كبير أيضاً يتعلق بكثافة التصويت المسيحي للمرشح العسكري أحمد شفيق. بالقطع لا يمكن القول بأن جميع أقباط مصر قد صوتوا أو سوف يصوتوا لصالح أحمد شفيق. لكن التصويت لصالح أحمد شفيق باعتباره هو الداعي إلى الدولة العلمانية ذات المحتوى والمركز العسكري (في الصيغة التي أسسها مبارك مع عمر سليمان والمجلس العسكري والأجهزة الأمنية والسيادية والحزب الوطني ورجال الأعمال الدائرين في فلكه وفلك لجنة السياسات) لابد وأن يتناقض مع فهم وتصور المسيحية الشرقية – والمصرية تحديداً – لأطروحة علاقة الدولة والمجتمع أساساً، حيث لا يمكن أن نتصور أن المسيحية المصرية تدعو إلي أو تقرّ وتساند تلك الصيغة السلطوية البالغة الانتهاك والتغوّل علي مقدرات المجتمع وحرياته وحقوقه بدلاً من أن ترعاه وتقوم بوظيفتها التنموية والأخلاقية والحمائية له. إن نمط فكرة الدولة ذات العلمانية السياسية التي حمل لواءها العسكريون منذ 1952 لم تكن تتيح بأي حال مساحة من الحريات أو احترام الإنسان، بل كانت في البداية تقايض الاستقرار والاكتفاء الاقتصادي بالحرية والحقوق والكرامة وتطلب من الشعب عدم المطالبة بها، ثم تنازلت عن كل ذلك بشكل صارخ منذ منتصف السبعينات في مرحلة الانفتاح والرأسمالوية المتوحشة المتحالفة مع الدولة السياسية والعسكرية (أي مع مبارك وجنوده وأبناؤه جميعاً – وليس علاء وجمال فقط). وهذا النمط في كل صوره وتمظهراته لابد وأن يتناقض مع فهم وتصور المسيحية الشرقية – والمصرية تحديداً – لعلاقة الإنسان بالإنسان، والإنسان بالمجتمع، والمجتمع بالدولة.
هل هذه العلمانية العسكرية سواءً كانت في صورتها العسكرية الاشتراكية (في الخمسينيات والستينيات) أو الانفتاحية ( في السبعينيات والثمانينيات) أو الرأسمالوية المتوحشة (طوال حكم مبارك) تمثل القيم والمضامين والمثل والأخلاقيات التي تدعو إليها المسيحية بأي حال؟
هل العلمانية المسيحية بمعنى "إعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر" تؤدي إلى دعم سلطة قيصرية دكتاتورية ومستبدة دون أدنى مراجعة أو محاسبة أو حتى إطلاق حكم أخلاقي مثالي إنساني عليها؟ أم أن هذه الصيغة تتعارض مع المفاهيم والمضامين المثالية والأخلاقية والإنسانية للمسيحية ولكل الأديان والعقائد الدينية بلا استثناء؟
هل العلمانية المسيحية بمعنى "إعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر" تستدعي القول بأن العلمنة التي تستعبد الدين – أي دين وكل دين – هي الأقرب إلى قيم وروح المسيحية عن دين سماوي آخر يعترف بالمسيحية وبرسالتها وبالمبادئ والقيم التي تدعو إليها؟
هل الأقرب إلى الإنسان المسيحي عموماً – والشرقي والمصري خصوصاً – هو المسلم المؤمن بكل من اليهودية والمسيحية، أم العلماني غير المؤمن بأي ديانة سماوية وغير الملتزم بأي قيم مشتقة من أي دين؟
هل المراهنة على الدولة العلمانية العسكرية تفترض أنها سوف تمنح الأقباط الأمان والمستقبل الأفضل والمعاملة المتساوية (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) بعد الممارسات القاسية والقاتلة للمجلس العسكري وجنوده التي قتلت المسيحيين في ماسبيرو مثلاً؟ هل انتخابات أحمد شفيق سوف يؤدي إلى إنصاف الشهداء من المسيحيين الذين سقطوا أثناء ثورة المصريين منذ 25 يناير 2011، ومنهم مينا دانيال وعشرات بل مئات آخرون؟
يضاف على كل ذلك النظر إلى الأصوات التي حصل عليها المرشحون الثوريون الذين شغلوا المركزين الثالث والرابع في الجولة الأولى من الانتخابات، إذ أنه من الممكن من خلال قراءة هذه النتائج من خلال مقياس الأيديولوجيا وما يتعلق بنمط التصويت الأيديولوجي لهذا المرشح أو ذاك أن نستنتج أن الأصوات التي حصل عليها عبد المنعم أبو الفتوح هي أصوات لصالح خيار إسلامي عام، ولكنها كانت تريد تصوراً يختلف عن تصور الإخوان المسلمين الذي يطرحه محمد مرسي، بحيث يكون أكثر ليبرالية وأكثر قدرة على المواءمة والتجاوز والتصالح ما بين النموذج الإسلامي والنماذج الأخرى العلمانية المنشأ – بحيث يمثل خياراً لمن يريد درجة أقل من المرجعية الإسلامية المركزية في المشروع ومحاولة للتصالح مع أفكار أخرى حداثية وليبرالية ويسارية كذلك.
وبالتالي، يمكن أن نتوقع أن تتحرك هذه الأصوات الفتوحية إلى البديل المتاح أمامها، وهو البديل الذي كانت تصوت لصالح عبد المنعم أبو الفتوح باعتباره بديلاً أقل راديكالية من الناحية الإسلامية عنه. كان عبد المنعم أبو الفتوح يمثل لمن صوت له في الجولة الأولى بديلاً عن محمد مرسي. ولكن صار الخيار لديهم الآن محصوراً ما بين البديل الإسلامي (محمد مرسي) والبديل العلماني العسكري غير الديمقراطي والضد ثوري (أحمد شفيق).
في الاتجاه الآخر، كان من يصوت في الجولة الأولى لصالح حمدين صباحي يبحث عن بديل ثوري ذو مرجعية علمانية إلى حدٍ ما لكي يكون هو اختياره الأنسب، بدلاً من منح هذا الصوت لصالح عمرو موسى أو أحمد شفيق (كبدائل علمانية لكنها ضد ثورية ومستقرة في خانة الفلول). إذن كان هؤلاء أيضاً يختارون حمدين صباحي وخالد على باعتبارهما نقيضاً لاختيار موسى أو شفيق، وكاختيار بديل كذلك للطرح الإسلامي الذي يمثله محمد مرسي وعبد المنعم أبو الفتوح. لقد كان اختيارهم إذن هو اختيار "ضد حكم العسكر" و"ضد الدولة المباركية العسكرية القديمة" التي تتمظهر من خلال الدولة العميقة التي يرعاها المجلس العسكري. لكن هؤلاء صاروا الآن على مشارف اختيار أصعب وأكثر تعقيداً، وهو إما التصويت لصيغة ثورية لا تتوافق مع مزاجهم الفكري وخيارهم الأيديولوجي العلماني، أو التصويت لصالح الخيار العلماني الآخر الذي يمثله أحمد شفيق، بكل ما يحمله من قيم الدولة المباركية العسكرية الأوتوقراطية التي هي ربما متحالفة مع أعداء مصر وأعداء الثورة في الداخل والخارج ولا تمثل أي مرجعية استقلالية وطنية (رجاءً مراجعة تصريحات أحمد شفيق حول إسرائيل قياساً لأفكار ورؤي كافة مرشحي الرئاسة الثوريين الآخرين).
أما الخيار الثالث ما بين التصويت هنا أو هناك فإنه إما أن يكون بالمقاطعة أو بإبطال الصوت. وهو ما يمكن اعتباره تراجعاً عن دعم من بقي من مرشحي الثورة (مع تحفظ البعض على هذه التسمية) على الساحة (محمد مرسي)، والمساندة غيرة المباشرة والضمنية لمرشح الثورة المضادة (أحمد شفيق).
ليس لنا أن نتوقع أن يمتنع أي من مناصري ومؤيدي أحمد شفيق عن التصويت له (لأنها الفرصة الأخيرة لعودة دولة مبارك). لكن الامتناع عن تأييد الثورة (حتى وإن كان ممثلها هو مرشح الإخوان المسلمين الذي يختلف كثير من الثوريين مع أطروحته) هو نوع من الاستسلام للحالة السابقة التي كانت – بنفس المعيار – تأتي في صورة اللجوء إلى الصمت وعدم إعلان المعارضة والتراجع عن نقد دولة مبارك أو الاحتجاج عليها – وهو الوضع الذي ساد لدى الكثير من القوى والأحزاب السياسية التي كان تكتفي بالظهور بمظهر المعارضة على الساحة دون أن تكون بالفعل معارضة حقيقية وجادة. إذن هل يريد "الثوريون" أن يكونوا في نفس هذه الخانة التي كانت بها الأحزاب الديكورية الكرتونية في عهد مبارك أو أن يقفوا متفرجين أمام عودة دولة مبارك والقضاء علي كل ما بقي من الثورة بوصول أحمد شفيق للرئاسة؟!!
المظهر الأهم للمواجهة الثورية في جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية هي حالة التناقض ما بين بنية فكرية واجتماعية وثقافية وخيارات أيديولوجية يمثلها مرشح الإخوان المسلمين (محمد مرسي)، حيث تنتشر هذه الجماعة في كل مكان في مصر وفي كل القرى والنجوع وفي كل طبقات المجتمع تقريباً من خلال شبكة وشراكة مجتمعية مركبة تدعم اختيارات تتناقض مع دولة مبارك في كل تفاصيلها وتمثل بنية كاملة وحزمة متكاملة لما هو "بديل" لدولة مبارك... في مقابل شبكة أخرى من العلاقات وبنية كاملة من الترتيبات والتنظيمات والمؤسسات (الرسمية بالأساس) التي تدعم أحمد شفيق، وهي ذات التنظيمات والمؤسسات التي أوجدها مبارك في صورة تلك "الدولة العميقة" التي تدعمه وتخدمه وتحمي نظامه وتدافع عنه... ولا تنفصل عن ذلك تلك الأجهزة السيادية والأمنية وكل هياكل مؤسسات الدولة الموالية للحزب المنحل والنظام المنهار والرئيس المخلوع، إضافة إلى قطاعات واسعة من المنتفعين من الفساد السابق – الذين هم أيضاً ينتشرون في كل القرى والنجوع ويمثلون وكلاء أصليين ووكلاء ثانويين يخترقون معظم طبقات المجتمع – وإن كانوا يتركزون بالأساس في الطبقات الوسطى والأعلى منها.
إذن، هناك لحظة للمواجهة ما بين هذه البنية التي تنشأ من أسفل، ومن القاعدة، ومن القطاع المجتمعي الأوسع grassroots وفي صفوف أجيال شابة بالأساس تتبنى قيما ومفاهيم ورؤى وأيديولوجيا مناهضة لدولة مبارك، بل ولدولة العسكر التي حكمت مصر خلال ستين عاماً... وبين شبكة علاقات وبنية عناصر ومكونات ومؤسسات تأتي من أعلى (تسلطية authoritarian بامتياز) وترتبط بأعلى نقطة في هرم السلطة وفي جهاز الدولة، ثم تنتشر في القطاعات التالية وفي قطاعات السلطة الرسمية التابعة لها، سواء في جهاز الدولة البيروقراطي أو الجهاز الأمني والسيادي، وأيضاً في المؤسسات التجارية والاقتصادية وقطاعات المال والأعمال.. وهي البنية التي تحاول (وهي تمثل الدولة بكل تضاريسها... والتي نسميها الدولة العميقة لفرط تعقيدها وتركيبها) أن تفرض سيطرتها وتحكّمها وهيمنتها على المجتمع.
وفي إطار نفس المواجهة يمكن لنا أن نلاحظ التضاد والتناقض والتصادم على مستوى الإعلام الآن ما بين الإعلام الرسمي وإعلام القطاع الخاص الذي يموله رجال الأعمال من جهة (لصالح أحمد شفيق) وإعلام آخر لا يزال هو الإعلام الهامشي والأقل انتشاراً، والمتواجد بالأساس على المستوى الشفاهي أو في إطار الإعلام الافتراضي على الانترنت، إضافة إلى بعض المحاولات الإعلامية الجديدة والمستحدثة بعد الثورة.
إذن، هناك مواجهة كاملة ولحظة ثورية جديدة تماماً قد تشكلت الآن تمثلها جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية. وهو ما يدعو كل فرد بالضرورة أن يختار ويقرر إلى أي صف يريد أن ينتمي وما هو الطرف الذي سوف يقف معه وذاك الذي سيقف ضده، سواءً كان الاختيار باتجاه البنية التي هي أقرب إلى جذور المجتمع والقطاع الواسع منه والتي تحمل الآن مشروع الثورة ومشروع النهضة اللاحق بها، أو تلك البنية الأخرى للدولة العميقة التي سوف تستهدف القضاء على الثورة وإعادة عقارب الساعة ومسار التاريخ إلى الوراء.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.