وهو أن سبب حدوث إعصار كاترينا يرجع إلى زيادة انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، وزيادة معدلات الاحتباس الحراري التي دأب العلماء على تحذيرنا منها منذ سنوات. وكان العلماء قد نصحونا مراراً بتركيز أبصارنا على منطقة الكاريبي، باعتبارها أول منطقة يحتمل أن تظهر فيها الآثار الدرامية للتغيير المناخي، والتي يمكن أن تأخذ شكل أعاصير عنيفة بل كارثية. وما حدث في الحقيقة هو أنه، وعبر السنوات الماضية، شهدنا تزايداً مستمرا للنشاط الإعصاري وشدته في منطقة حوض البحر الكاريبي. وهذا النشاط بلغ ذروته في الإعصار \"كاترينا\" الذي ضرب شواطئنا مؤخراً بقسوة بالغة محدثاً دماراً يصعب قياس مداه في منطقة شاسعة تمتد عبر القسم الجنوبي الشرقي للولايات المتحدة الأميركية. \r\n والحقيقة أن الإعصار كاترينا سيتم النظر إليه مستقبلاً باعتباره \"نقطة التحول\" بالنسبة لعصر الوقود الأحفوري، واللحظة التي بدأ فيها الشعب الأميركي يتخلى عن الأسطورة المريحة، التي كانت تقول إن نهاية عصر النفط والآثار الكارثية للاحتباس الحراري لن تحدث إلا بعد زمن طويل في المستقبل. إن هذا المستقبل الذي كان الأميركيون يظنونه بعيداً قد وصل الآن إلى شواطئ \"بحيرة بونشارتيان\" راكباً على ظهر موجة عاتية من المياه، أغرقت شوارع \"نيوأورليانز\"، ونشرت الخراب والدمار في كل مكان في الأراضي المنخفضة لمنطقة خليج الميسيسبي يوم الاثنين الموافق التاسع والعشرين من أغسطس، الذي تغيرت بعده أميركا بل والعالم كله. \r\n والإعصار \"كاترينا\" ليس مجرد كارثة بيئية عادية أو هجوم مباغت شنته الطبيعة على البشرية، إنه في الحقيقة وحش أسطوري كاسر على شكل عاصفة هوجاء، نشرت الخراب والدمار في كل مكان. لقد كنا نعرف على مدى جيل بأكمله التأثير المدمر المحتمل لظاهرة الاحتباس الحراري، ومع ذلك أطلقنا لأنفسنا العنان في استهلاك الوقود دون ضابط ولا رابط، وأفرطنا في استخدام سيارات الدفع الرباعي التي تستهلك كميات كبيرة من الوقود، وتنفث ثاني أكسيد الكربون في الجو، وكأننا كنا نريد أن نقول إنه لا يعنينا شيء من كل ذلك. \r\n \r\n كيف نشرح لأطفالنا أننا نحن معشر الأميركيين الذين لا نمثل أكثر من خمسة في المئة من إجمالي سكان العالم، نستهلك ربع كميات الطاقة المستخرجة من أنواع الوقود الأحفوري المنتج كل عام؟ كيف يمكننا أن نقول للعائلات الحزينة التي راح بعض أفرادها ضحايا للإعصار إننا كنا في غاية الأنانية، وأننا لم نوافق على فرض ضريبة إضافية مقدارها 5 سنتات على جالون البنزين كي نشجع على المحافظة على البيئة؟ وعندما يتساءل جيراننا في أوروبا وفي العالم عن السبب الذي جعل أميركا الرسمية غير راغبة في جعل الاحتباس الحراري ضمن أولوياتها من خلال التوقيع على معاهدة \"كيوتو\" الخاصة بالتغير المناخي، فماذا سنقول لهم؟ \r\n \r\n خلال الأيام القادمة سيهرع ملايين الأميركيين لتقديم المساعدة لضحايا الإعصار \"كاترينا\" في صورة طعام ومأوى ومساعدات مالية على اعتبار أن الكوارث الطبيعية تظهر خير ما في الشخصية الأميركية. ونحن كشعب نعتز بأننا لا نتأخر في مد يد المساعدة لإخوتنا في البشرية عندما يصيحون طلباً للنجدة، ولكن السؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا مع ذلك هو: لماذا لا نستجيب بالحماس نفسه عندما يصرخ كوكب الأرض ذاته طلبا لمساعدتنا؟ \r\n \r\n إن ما حدث في الحقيقة يُعد عاراً على الولاياتالمتحدة الأميركية وعلى كل شعوب الدول الأخرى، التي قدمت أهواءها ورغباتها الذاتية قصيرة الأمد، على رفاهية كوكب الأرض. \r\n \r\n والآن، وحتى ونحن ندفع الثمن الباهظ لكل ذلك فإننا نجد أنفسنا أيضا نحارب على جبهتين عاصفتين: فمن جهة نجد أن الطلب العالمي على النفط قد تجاوز ولأول مرة في التاريخ المعروض منه. فسعر برميل النفط الآن وصل إلى 70 دولاراً للبرميل في أسواق النفط العالمية، كما أن البنزين وأيضاً الوقود المستخدم في التدفئة داخل الولاياتالمتحدة ترتفع أسعارهما الآن بالسرعة ذاتها التي ارتفعت بها مياه الفيضان في ولايات خليج المكسيك. \r\n \r\n إننا ندخل الآن العقود القليلة المتبقية من عصر النفط، ونواجه عواقب وخيمة بالنسبة لمستقبل الاقتصاد العالمي الذي يعتمد بشكل كامل على أنواع الوقود الأحفوري. وعلى الرغم من أن علماء الجيولوجيا المتخصصين في النفط ليسوا متأكدين بشأن التاريخ الذي سيصل فيه الإنتاج النفطي إلى نقطة الذروة - أي النقطة التي سيكون عندها نصف نفط العالم القابل للحصول عليه قد استهلك– فإن الشيء الواضح بالنسبة للجميع - باستثناء تلك الفئة الغافلة في صناعة النفط عندنا بالطبع- أن بداية النهاية تلوح الآن في الأفق. \r\n \r\n ومن جهة ثانية، نجد أن مجالنا الحيوي قد بدأ يتلوى ألماً بسبب ضغط انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، مما يعني أنه لم يعد أمامنا مكان يمكن أن نختبئ وراءه، أو نلجأ إليه. سوف تكون هناك الآلاف من المراسم الجنائزية خلال الأيام القادمة للترحم على أرواح الضحايا والمفقودين والمصابين، وستكون هناك أيضاً انتقادات شديدة واتهامات قاسية. فالجمهور الأميركي سيطالب بمعرفة الأسباب التي جعلت السدود المقامة لحماية \"نيوأورليانز\" ومنطقة ميناء خليج المكسيك غير قادرة على الصمود أمام الإعصار. كما ستكون هناك تساؤلات منها: لماذا لم يتم اتخاذ الإجراءات المطلوبة لتقليل أضرار \"كاترينا\"؟ ولماذا كانت جهود الإنقاذ محدودة جداً ومتأخرة للغاية؟ \r\n \r\n لقد طلب الرئيس بوش من أبناء الشعب الأميركي في هذه الساعة من ساعات الحزن: \"أن يوحدوا صفوفهم من أجل المهمة، وأن يساعدوا على إعادة بناء الجسور والسدود، وإصلاح الشوارع وإعادة بناء البيوت والمجتمعات التي تعرضت للدمار والخراب\". حسنا، ولكن ما فائدة ذلك إذا ما تركنا شيطان الاحتباس الحراري يسرح ويمرح دون رادع؟ وماذا ستكون فائدة ذلك في المرة القادمة عندما يكون الإعصار الذي سيواجهنا إعصاراً من الدرجة الخامسة أو شيئاً أسوأ من ذلك بكثير. \r\n \r\n وإذا ما أُتيح لي أن أهمس في أذن الرئيس بوش لدقيقة واحدة فسوف أقول له: لو نظرت يا سيدي الرئيس بعمق في عيني العاصفة، لرأيت الموت المستقبلي للكوكب الذي نعيش فيه... لقد حان الوقت يا سيادة الرئيس كي تخبر الشعب الأميركي والعالم بأسره أن الدرس الذي يمكننا أن نستخلصه من الإعصار \"كاترينا\" هو أننا بحاجة إلى تجنيد المواهب والطاقات والعزم الخاص بالشعب الأميركي، والشعوب في كل مكان، من أجل إبعاد أفواهنا عن فتحات براميل النفط. \r\n \r\n سيدي الرئيس.. وفر علينا مواعظك وخطبك عن تصميم الشعب الأميركي وقوة عزيمته وقدرته \"على اجتياز العاصفة ومواصلة حياته\"! وعليك بدلا من ذلك أن تخبرنا عن الأسباب الحقيقية لحدوث إعصار كاترينا. عليك أن تطلب من كل واحد منا أن يفكر في تغيير موقفه بشأن أنماط حياتنا القائمة على التبذير في استخدام الطاقة. ادعُ يا سيادة الرئيس للمحافظة على مخزوناتنا الحالية من أنواع الوقود الأحفوري، وادعُ الجميع إلى تقديم التضحيات في استخداماتنا المستقبلية للطاقة، عليك يا سيدي أن ترسم لنا الخطط التي تنقل أميركا من عصر الوقود الأحفوري إلى عصر الطاقة المستدامة، ذلك العصر الجديد القائم على مصادر الطاقة المتجددة وعلى طاقة الهيدروجين. نعم عليك أن تقوم بكل ذلك يا سيادة الرئيس... ونحن في انتظارك!.