ولما كان الغضب قد اجتاح أفراد الجيش هناك بشأن ضرورة تحسين وتعزيز الدروع الخاصة بالشاحنات والآليات الأخرى من نوع «همفي» فقد جاء هذا الهجوم الأخير ليؤكد على ضرورة جعل حماية القوات الأميركية في العراق من أولى أولويات القيادة العسكرية وذلك لأنه لا أحد من المواطنين يرغب في أن يتعرض الجنود الأميركيون لمثل هذه الهجمات‚ \r\n \r\n ولكنني أعتقد أن هذه المخاوف ليست في محلها إذ أن بإمكان الولاياتالمتحدة أن تحقق النصر في العراق فقط عبر المبادرة بشن الهجوم‚ ولم يعد بإمكان القوات أن تجعل من كل قاعدة أميركية قلعة دفاعية حصينة أو الاكتفاء بنشر وتوزيع القوى البشرية والموارد العسكرية النادرة في مهام تختص فقط بحماية هذه القوات‚ بل إن قوات الولاياتالمتحدة الأميركية بات يتعين عليها أن تتميز بالمزيد من القدرة على الحركة والتنقل‚ بالإضافة إلى القدرة على إعادة الانتشار أينما وجدت التهديدات - حتى إذا كانت عمليات إعادة الانتشار تعني في كثير من الأحيان أن هذه القوات ستصبح عرضة للهجمات في بعض المناطق‚ وإذا ما أراد البنتاغون أن يركز فقط على حماية هذه القوات على المدى القصير فإن من المؤكد أن هذه الحرب ستستغرق وقتاً أطول ويصبح إجمالي خسائرها أكثر بكثير من المتوقع‚ بل إن الأسوأ من ذلك أن الولاياتالمتحدة لن يكون بإمكانها أبداً تحقيق النصر‚ \r\n \r\n إنني لا أبعث برسالة متشائمة لعائلات الأفراد في الولاياتالمتحدة الأميركية ولا إلى الجنود في ميدان المعركة‚ فكبار القادة يدركون أهمية هذا الأمر تماماً كما يعلمه أولئك الذين لحقت بهم الإصابات الخطيرة في الهجوم الأخير‚ ولقد علمتنا التجارب أن الحوادث من هذا النوع ستقودنا إلى نوع من الانتهازية السياسية حيث يسارع أعضاء الكونغرس لشغل الصفحات الأولى من الصحف ووسائل الإعلام الأخرى بتصريحاتهم وانتقاداتهم‚ بينما يندفع المقاولون لتقديم خدماتهم وبيع منتجاتهم بدعوى مساعدة هذه القوات بينما تطالب أجهزة الإعلام بمحاكمة القادة العسكريين بسبب فشلهم في حماية الأفراد‚ لقد حدث هذا الأمر بعيد تفجيرات أبراج الخبر في المملكة العربية السعودية في عام 1996 مما أدى إلى منح المهاجمين و«الإرهابيين» انتصاراً إعلامياً إضافياً‚ \r\n \r\n وإلى ذلك فإن مطالبة القوات الأميركية بالابتعاد والنأي بأنفسها عن العراقيين أو فرض قيود أمنية صارمة تجعل من الصعب أو المستحيل على العراقيين العمل مع الجيش الأميركي‚ أمر لا يخلو أيضاً من المشاكل والمعوقات‚ فالولاياتالمتحدة الأميركية لن يكون بمقدورها تحقيق أهدافها وطموحاتها السياسية في العراق - أو الهدف الخاص بتخفيض حجم قواتها العسكرية بمرور الوقت- ما لم تتم معاملة العراقيين كشركاء في المهمة وليس كأعداء يتوجب الاحتراز منهم‚ فالمساعدات الإنسانية والدعم الاقتصادي وإنشاء جيش عراقي وتأسيس قاعدة سياسية وأمنية قادرة على إلحاق الهزيمة بالمتمردين بحيث تمنح الحكومة الجديدة المصداقية اللازمة - جميعها أمور تحتاج بشدة إلى التعاون مع العراقيين‚ \r\n \r\n لقد علمتنا التجارب أيضاً أن الحرب ليست معنية فقط بإزالة المخاطر والأزمات وإنما بالكيفية التي تدار بها هذه الأزمات‚ لذا فإن الولاياتالمتحدة الأميركية بات يتعين عليها عمل كل ما بوسعها من أجل إدارة هذه المخاطر والأزمات في العراق وبخاصة أن الجيش الأميركي استمر يتعلم ويكيف نفسه مع الظروف المستجدة في العراق‚ ومهما كانت هوية أعداء أميركا فهم يعلمون جيداً أنه ليس بإمكانهم تحقيق النصر العسكري على أميركا وإنما النصر السياسي فقط‚ وهذا ما يفسر ولو بشكل جزئي الهجمات التي وقعت في أوائل هذا الشهر في النجف وكربلاء وأدت إلى مقتل 68 عراقياً وإصابة أكثر من 175 شخصاً‚ وهو الأمر الذي يساعد أيضاً على تفسير هجمات الأسبوع الماضي على الموصل حيث أدرك المقاومون أن التفجيرات وأعمال التخريب والفوضى ستستقطب تغطية إخبارية مكثفة في داخل الولاياتالمتحدة الأميركية‚ ومما لا شك فيه أنهم يدركون أيضاً نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة التي كشفت عن معارضة قوية في أوساط المواطنين الأميركيين ضد الحرب الدائرة في العراق‚ \r\n \r\n إن الحقيقة المرة تكمن في أن الولاياتالمتحدة الأميركية أصبحت تخوض حرباً «بعد الحرب» أدت إلى مقتل وجرح المزيد من الأميركيين والعراقيين وبأعداد أكبر مما خلفته تلك الحرب التي أدت إلى الإطاحة بصدام حسين‚ وهي حرب بالغة الشراسة تنطوي على ما بين 1600 و3000 حادث ومحاولة هجوم في كل شهر‚ بل إن القوات الأميركية أصبحت منتشرة ومتناثرة في معظم الأراضي العراقية وبشكل يعرضها للمخاطر في معظم الأحيان‚ وهو أمر يعني أن الظروف قد باتت مرشحة لوقوع المزيد من الهجمات قبل إجراء الانتخابات العراقية في الشهر القادم وأن المعارك من المرجح أن تستمر حتى عام 2006‚ وخلال الأشهر والسنوات القادمة سيستمر المتمردون و«الإرهابيون» في استغلال أية ثغرة ممكنة في المجتمع العراقي أو في السياسة الأميركية وكذلك في الشؤون الإقليمية والدولية على حد سواء‚ \r\n \r\n ليس هناك ما يدعونا للتأكد من أن الولاياتالمتحدة الأميركية ستحقق النصر في العراق‚ فالحرب «التي جاءت بعد الحرب» أكثر شراسة وصعوبة من تلك التي أطاحت بصدام حسين‚ وإذا ما استمرت أميركا في التعامل برد الفعل مع الهجمات التي يشنها الأعداء من أجل فرض أجندتهم الخاصة فإن الهزيمة في العراق ستصبح أمراً مؤكداً وليس محتملاً فقط‚ \r\n