\r\n وبعد انخفاض سوء التغذية بين الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم الخمسة أعوام إلى 4% قبل عامين، اندفعت بالتصاعد إلى 7.7% هذا العام، حسب دراسة قامت بها وزارة الصحة العراقية بالتعاون مع معهد النرويج للدراسات الدولية التطبيقية وبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة. وعند تحويل الأرقام الجديدة إلى واقع يصبح هناك 400 ألف طفل عراقي يعانون من «الهزال» وهي حالة مرضية تتميز بالإسهال المزمن والنقص الخطير في البروتين. \r\n وقال ألكسندر ماليافين أخصائي الأطفال في فريق اليونيسيف العامل في العراق إن «هذه الأرقام توضح تماما الاتجاه التصاعدي» في سوء التغذية الحاد. \r\n وتكشف هذه التحقيقات الميدانية عن التكاليف الصامتة التي يتم دفعها حاليا عبر كل أنحاء البلد المصاب بحالة عدم الاستقرار وسوء الإدارة. وفي الوقت الذي تتزايد خلاله هجمات المتمردين تتدهور أكثر فأكثر الخدمات الأولية التي كان الكثير من العراقيين يظنون أنها ستتحسن تحت الرعاية الأميركية. ويتساوى معدل سوء التغذية الحاد في العراق مع ما هو موجود في بلد مثل بوروندي البلد الواقع في وسط أفريقيا والذي يعاني من حرب ما زالت قائمة منذ أكثر من عقد. وهو أعلى مما هو موجود في أوغندا وهاييتي. \r\n وقال خليل مهدي مدير معهد بحوث التغذية في وزارة الصحة «الناس مندهشون لهذه النتائج». وظل المعهد مشاركا في الدراسات الميدانية المتعلقة بالتغذية لأكثر من عقد وكان آخر تحقيق قام به في أبريل ومايو الماضيين لكن لم يتم نشر نتائجه بعد. \r\n ويعزو مهدي ومحللون آخرون الزيادة في سوء التغذية إلى المياه غير النظيفة وللكهرباء غير الموثوق بها والتي تشكل ضرورة لغلي الماء لغرض تعقيمه. وفي المناطق الأكثر فقرا حيث يعتمد الناس على الكيروسين لتشغيل أجهزة الطبخ والأسعار العالية والاقتصاد المعطوب بسبب البطالة العالية شاركت كلها في تدهور الصحة العامة. \r\n وقال العامل قاسم سعيد الذي كان في أهم مستشفى ببغداد خاص بالأطفال لزيارة طفله المريض عبد الله والبالغ من العمر عاما «الأمور تدهورت بالنسبة لي منذ الحرب». كان الطفل يضع رأسه على وسادة مع غطاء على وجهه لمنع الذباب من التجمع على رأسه ولم يكن وزنه يتجاوز الخمسة كيلوغرامات. \r\n وقال أبوه «خلال الحكم السابق كنت اشتغل في مشاريع حكومية. والآن ليس هناك مشاريع». وحينما يجد عملا فإنه يستطيع أن يجلب ما بين 10 إلى 14 دولارا يوميا. وإذا كانت زوجته محظوظة وحصلت على علبة من «ايسوميل» المادة المغذية التي يوصي بها الاطباء للأطفال فإنها تدفع 7 دولارات ثمنا لها. لكن المرأة الجالسة على السرير المجاور قالت إنها تدفع 10 دولارات للعلبة الواحدة. وكانت سعاد أحمد جالسة بجانب حفيدتها هبة البالغة من العمر 4 أشهر والتي تبدو كأنها هيكل عظمي تحت تأثير إسهال مزمن. \r\n وكانت جهود الإغاثة الدولية وبرنامج النفط مقابل الغذاء الذي أدارته الأممالمتحدة ساعدت في تقليص تأثير فرض العقوبات الدولية على العراق منذ احتلال النظام السابق للكويت عام 1990 وهذا ما أدى إلى انخفاض معدل سوء التغذية الحاد بين الأطفال العراقيين وبشكل تدريجي من 11% عام 1996 حتى وصل إلى 4% عام 2002. لكن اجتياح القوات الأميركية للعراق في مارس 2003 والانتشار الواسع للنهب الذي تلاه ألحق خرابا كبيرا بالبنى الأساسية للمؤسسات الإدارية في العراق، وكذلك ساعد استمرار العنف في العراق على إبطاء سرعة إعادة الإعمار إذا لم يكن سبّب في شله تماما. \r\n وفي تقييمه الأخير لخمس قطاعات حكومية في العراق استنتج معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن إن العناية الصحية في العراق راحت تتدهور بمعدلات أسرع. وقال إداري عراقي يعمل في مستشفى التعليم المركزي ببغداد «صدقني، أننا ظننا أن شيئا سحريا سيحدث» بعد سقوط النظام السابق لذلك «فنحن نشعر بالدهشة الشديدة من عدم حصول أي شيء. والناس تتكلم الآن عن أيام صدام باعتبارها ممتازة». \r\n وأشار الإداري العراقي الذي رفض إعطاء اسمه إلى أن هناك قلقا كبيرا بين الأطباء العراقيين الذين يعتبرون أثرياء ولهم علاقات جيدة، في كونهم هدفا سهلا للصوص والمبتزين بل حتى لأولئك الذين يشعرون بالغيرة منهم ويرغبون بإلحاق الأذى بهم بدون أي سبب. وتم قتل الكثير منهم حسبما قال ذلك الموظف مما جعل وزارة الصحة تطلب توفير إجازات للأطباء بحمل السلاح. \r\n كذلك سبّب العنف خروج وكالات الإغاثة الدولية التي كانت قد جلبت الخبرة للعراق بعد احتلال القوات الأميركية للعراق. ومنذ تفجير مقر الأممالمتحدة في بغداد ومقتل 20 شخصا في السنة الماضية أصبحت برامج الأممالمتحدة الخاصة بالعراق تعمل من الأردن. وقد انسحبت منظمة أطباء بلا حدود من العراق في الفترة الأخيرة على الرغم من أن أعضاءها يعملون عادة في ظروف قاسية في شتى أنحاء العالم. \r\n كذلك أغلقت منظمة «كير» الدولية أبوابها في أكتوبر الماضي بعد اختطاف رئيستها مارغريت حسن. وتعتبر الآن في عداد القتلى. لكن منظمة أتلانتا قررت البقاء في العراق. وظلت هذه المنظمة نشيطة خلال ثلاث حروب مرت على العراق تقدم المواد الطبية للمستشفيات العراقية وتشرف على عدد من المشاريع التي تهدف إلى تقديم ماء نظيف وصالح للشرب للعراقيين. \r\n وحسب شهادة واحدة هناك 60% من سكان الأرياف و20% من سكان المدن لا يصلهم سوى ماء ملوث. ونظام المجاري في حالة خراب مفجع. \r\n قالت الممرضة زينا يحيى، 22 سنة، من بغداد والتي تعمل في مستشفى الولادة «حتى أنا أعاني من سوء الماء. فإذا ملأت كأسا منه ستراه عكرا. أنا سمعت بحالات تيفوئيد». \r\n وأشارت الدراسات الميدانية المتعلقة بالتغذية الى إن الشروط سيئة في العراق وبشكل خاص في مناطق الجنوب التي كانت موضع إهمال خلال حكم صدام حسين. لكن الأطباء قالوا إن سوء التغذية يحدث أينما كان الماء وسخا، وكان الآباء فقراء والأمهات لم يتعلمن كيفية تجنب الأمراض. \r\n قالت يسرى جبار، 20 سنة، التي كانت تمسك ببطنها المنتفخة في جناح عامر بالذباب داخل مستشفى الولادة ببغداد «أنا لا آكل بشكل سليم». وقالت أمها إن الماء في منطقتهم الواقعة ضمن مدينة الصدر الفقيرة غالبا ما يكون ملوثا. وأصيب أخوها باليرقان. وقالت جبار «أخبروني أنني مصابة بفقر الدم»، وأضافت أن الأطباء قالوا لها إن معظم النساء الحوامل في المستشفى مصابات بفقر الدم أيضا. \r\n وقال يحيى «هذا الأمر لا يثير الاستغراب لأنه منذ وقوع الحرب هناك الكثير من البطالة. وبدون توفر عمل لا يستطيع الناس أن يحصلوا النقود الكافية لجلب طعام مناسب لأسرهم». \r\n ويرد الكثير من العراقيين أن ظروفا كهذه لها نتائج سياسية. ويذكّر سكان بغداد بالخراب الذي خلفته حرب عام 1991 من خراب كبير في بغداد لكن حكومة صدام حسين تمكنت خلال شهرين من إعادة الكهرباء وتوفير الكيروسين. \r\n وقال المسؤول من المستشفى التعليمي «نعم، هناك ثمن لكل حرب. نعم، هناك ضحايا، لكن ماذا بعد ذلك؟ ربي ساعدنا لبناء العراق مرة أخرى. لأطفالنا لا لنا. لأبنائنا». \r\n \r\n * خدمة «واشنطن بوست»- \r\n خاص ب«الشرق الأوسط»