بدأ العام الدراسي في فلسطين.. لكن تلاميذ المدارس في القدس وغيرها من الضفة الغربية فوجئوا بأن الكتب الدراسية التي بين ايديهم تم العبث بها قبل ان يتسلموها فنزعت منها صفحات وملازم كاملة وظهرت بعض صفحات هذه الكتب بيضاء. عندما تم التحقيق في الأمر تبين ان سلطات الاحتلال الإسرائيلية هي من قامت بهذا العمل المشين قبل السماح بتداول هذه الكتب وتوزيعها.. وحجتها في ذلك ان المناهج المقررة علي التلاميذ في كتب الدين والتاريخ واللغة العربية تتضمن تحريضا ضد دولة اسرائيل بما يتعارض مع ثقافة السلام واتفاقيات السلام. قام أولياء الأمور يساندهم مسئولو التعليم الفلسطينيون بمظاهرات ووقفات احتجاجية ضد هذا العبث الذي يستهدف كل ما يقدم لتلاميذ المدارس وله أدني علاقة بالهوية الفلسطينية.. وذهب المحتجون إلي قنصليات الدول العربية والغربية ومراكز حقوق الإنسان ومكاتب المحامين أملا في أن تقوم هذه الجهات بحملة ضد السلوك الهمجي للاحتلال الذي يريد ان يحتل العقول مثلما احتل الأرض وصادر الممتلكات واعتدي علي المقدسات. بالطبع لن يتغير شيء.. ولن تتحرك القنصليات ومراكز حقوق الإنسان لأنها مرتبطة بالقرار الاسرائيلي أو الأمريكي.. ثم ان امريكا التي تملأ الدنيا بدعايات كاذبة ومزيفة عن حمايتها للحقوق المدنية والدينية للشعوب والأقليات تبسط حمايتها بالكامل علي اسرائيل وتدافع عن ممارساتها التي يتعارض مع أبسط حقوق الإنسان وقوانين الشرعية الدولية. لهذا.. لجأ أولياء الأمور إلي تعويض ابنائهم عن هذا القصور في المناهج الدراسية بجلسات عائلية وأسرية لتعريف الأبناء بتاريخ فلسطين وهويتها وكيف تم استلابها من اصحابها الحقيقيين فضلا عن دروس في الدين وقراءة القرآن الكريم.. وهناك فصول اقيمت لتقوية التلاميذ يقال فيها ما لا يقال في الفصول المدرسية وما لا تتضمنه المناهج والكتب. ويقينا سوف يصمد أهل فلسطين في هذه الحرب.. حرب المناهج الدراسية.. ولن تنجح الهجمة الصهيونية في غسل ادمغة الجيل الجديد من ابناء فلسطين ولن تفلح ألاعيب ما يسمي ب "ثقافة السلام" في تغييب وعي الشعب الفسطيني بذاته.. ووعيه بحاضره ومستقبله.. والتحديات التي تواجهه حتي لا يذوب في أكذوبة اسرائيل. ولعل ما يحدث اليوم في القدس وسائر مدن الضفة الغربية يذكرنا بما حدث في بلادنا في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي عندما أرسلت وزارة التعليم في ذلك الوقت في عهد د.فتحي سرور منشورا إلي مديريات التربية والتعليم بالمحافظات تطلب فيه الغاء بعض الدروس من مناهج الدين وكتب اللغة العربية ومناهج التاريخ.. وتبين ان الدروس الملغاة تتعلق بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الخاصة بالجهاد ومواجهة المعتدين.. أو بالشخصيات الملهمة في تاريخنا التي حققت انتصارات للأمة وتحولت إلي رموز للفخر والقدوة الحسنة. كانت الحجة المعلنة في ذلك ان الوزارة تريد تخفيف المناهج علي التلاميد.. ولكن بعد البحث والتحري تم اكتشاف المخطط وتناولته الأقلام الشريفة بالنقد اللاذع.. وتراجعت عنه الوزارة بقرار من الوزير.. لكن المعركة لم تهدأ فسرعان ما عادت الحملة بشكل آخر أطلق عليه "ثقافة السلام" وتبنته حرم الرئيس المخلوع مجاملة لاسرائيل وأمريكا ومن يدورون في فلكهما. لا أحد يستطيع أن يحقق فيما تقوله اسرائيل وما تقوله أمريكا عن العرب والمسلمين والفلسطينيين في المناهج الدراسية التي تقدم للتلاميذ هناك.. رغم انهم يقدمون صورة سلبية عنصرية مقززة.. لكن نحن فقط الذين يطلب منا وبقرارات رسمية وفي اتفاقيات دولية ان نغير مناهجنا حتي نقول للأجيال الجديدة من ابنائنا ما تريده اسرائيل وأمريكا حتي ولو كان علي عكس الحقيقة. لقد مارست أمريكا واسرائيل ضغوطا هائلة علي مصر والأردن وفلسطين في اطار حرب المناهج الدراسية وحرب الوعي وحرب الهوية علي أمل أن تخرج من هذه الدول أجيال صديقة للدولتين لإنهاء حالة العداء.. أجيال ترضي بالمعونة في مقابل التخلي عن الأرض والهوية والحقوق المشروعة لكنهم يخططون ويمكرون والله خير الماكرين.. فقد انقلبت الدنيا رأسا علي عقب.. وكشفت الشعوب عن وجهها الحقيقي وجهها الرافض للظلم والخضوع والاستكانة.. الرافض للاستسلام والانكسار المستمسك بحقه إلي آخر نفس.