قال الكاتب السعودي مشعل السديري في مقال له بصحيفة "الشرق الأوسط" تحت عنوان "مصر العزيزة.. إلي أين؟" أن معه عدة منشورات توزع علي أصحاب البازارات والمنتجعات والمحلات التجارية في مصر يقولون فيها بالخط العريض إن "السياحة حرام"..! وإذا كان ما يقوله السديري صحيحاً وأن هناك منشورات يقوم بعض المتشددين بتوزيعها بهذا الشأن فإننا نستنكر ذلك بشدة ونأمل أن يكون من قاموا بذلك هم قلة. وربما كانوا يقصدون جانباً معيناً من السياحة.. فالذين يقفون ضد تشجيع السياحة إلي بلادنا إنما يقومون بهدم واحدة من الصناعات النظيفة غير الملوثة للبيئة والتي تدر دخلاً هائلاً يساهم في تحسين الأحوال المعيشية والارتقاء بالوطن. فمصر بما تملكه من مقومات للجذب السياحي تمثل واحدة من أهم دول العالم في هذا المجال. فهي تملك كل شيء من مختلف الحضارات الفرعونية والإسلامية والقبطية إلي جانب مجموعة شواطئ هي الأجمل في العالم. خاصة في ظل مناخ البحر المتوسط الذي يضيف إليها جاذبية خاصة. وليس العيب في السياحة أو أن يأتينا الأجانب بثقافاتهم وعاداتهم المختلفة. ولكن العيب فينا لأننا لا نحاول أن نشرح عاداتنا وتقاليدنا لهم. ولم نستطع أن نقدم لهم نموذجاً للدولة الإسلامية الحضارية ولم نقدم ما لدينا في اطار من الأصالة والشموخ. فقد انساق البعض ممن يعملون في مجال السياحة في بلادنا في اطار البحث عن مكاسب مادية بأي ثمن وراء السلوكيات الغربية وحاولوا تقليدها والتشبه بها مما جعل السائح الغربي يعتقد أن هذا هو العرف السائد فلم يجد حرجاً في أن يمارس عاداته وتقاليده وسلوكياته علي أرضنا دون أن يكون في تصوره أنه يخرق بذلك قانوناً أو عرفاً أو أنه يأتي بسلوك منتقد. ولقد دعت هذه السلوكيات البعض إلي الاعتقاد بأن السياحة حرام. ودفع هذا التصور أحد قادة التيار الديني إلي التصريح بأن السياحة الداخلية هي التي يمكن أن تنقذ صناعة السياحة في بلادنا. وهي سياحة نظيفة لا تمثل خطراً علي المجتمع. وهو تصريح يعني أيضاً في مضمونه أن السياحة حرام وأن الدخل الذي يأتي منها مرفوض لأنها كما يقولون تأتي من الخمور والمراقص واللهو وبقية المحرمات التي قد يقدم عليها السائح!! وهي أحكام قاطعة مرفوضة لأنها تغلق أبواب الرزق للكثير من العاملين في هذا المجال. وكان الأجدر لو كانت هذه الأحكام مرتبطة بسلوكيات وتصرفات معينة بعيداً عن أسلوب التعميم القاطع الذي قد يضع من يعمل في هذه المهنة في شك من أمره غير واثق من كون ما يكسبه يمثل رزقاً حلالاً أم حراماً..!! ولا يتعلق الأمر بالسياحة فقط لأن أصحاب هذه التيارات المتشددة لن يتوقفوا عند مجال محدد. فهم يتحدثون اليوم عن السياحة وغداً سوف ينتقلون إلي الاقتصاد ويطالبون بإغلاق البنوك التي سيقولون أنها بنوك ربوية وسيدعون إلي استبدالها بالبنوك الإسلامية دون أن يقدموا تفسيراً لمعني البنوك الإسلامية التي تتعامل أيضاً مع البنوك الغربية وتضع أموالها هناك وتتلقي فوائد من هذه البنوك ولكن تحت مسميات مختلفة. ولن يتوقفوا عند الاقتصاد إذ سيتوجهون إلي التعليم ويطالبون بوقف التعليم المختلط بكل أشكاله وأنواعه. وكما قالوا عنه من قبل ووصفوه بأنه أيضاً حرام وقالوا إن كل فتاة تذهب إلي جامعة مختلطة إنما تخالف بذلك الشرع والدين. وسوف ندخل بذلك في دوامة بالغة الخطورة والتعقيد. فنحن لا نجرؤ ولن نجرؤ علي أن نكون أبداً ضد الشريعة وقواعدها وقواعد وأحكام الدين. ولا نستطيع أيضاً أن نتحدث أو نناقش في قضايا هناك من هم أعلم وأجدر منا في الحديث فيها. ولكننا نتحدث في هذه القضايا من مفهوم ومنطلق ضرورة طرح البديل. أو في كيفية تعديلها وايجاد صورة جديدة لها بحيث لا يتضرر الناس أو يتهدد الاقتصاد أو نعود للوراء. ولا نريد أيضاً أن يتحول الطرح الإسلامي والديني في القضايا الحياتية إلي فزاعة تجعل الناس في تخوف من المستقبل. وتمنح المتربصين بالإسلام الفرصة لإدخال الشك في النفوس خاصة عندما يتعلق الحديث بأضرار يمكن أن تصيبهم أو تهدد أعمالهم. ولهذا نأمل ألا يكون هناك نوع من التسرع في اصدار الأحكام والفتاوي القاطعة. وأن يتصدي للفتوي من كان محلماً بكافة جوانب أي قضية أو مشكلة ودارساً لها وواعياً ومدركاً بأبعاد الفتوي وانعكاساتها. أن مصر بعد ثورة 25 يناير يجب أن تكون أكثر انفتاحاً وتقدماً ازدهاراً. ولكي يتحقق هذا فلابد من الحذر من الانزلاق في متاهات واختلاق القضايا والمشاكل. فمازلنا في بداية الطريق.. وإذا دخلنا في معارك جدلية منذ البداية فلن نتحرك خطوة واحدة للأمام. بل سنعود عشرات الخطوات إلي الخلف..!! ** ملحوظة أخيرة : قال فريد الديب محامي الرئيس المخلوع حسني مبارك.. اتحدي أي شخص في العالم يأتي بورقة تثبت أن الرئيس السابق يمتلك دولاراً واحداً أو عقاراً أو منقولاً خارج مصر.. والديب لم يتذكر علي ما يبدو ماذكرته الحكومة السويسرية رسمياً عن ثروة مبارك في بنوكها.. كما أغفل أيضاً حقيقة أن الفترة الماضية منذ يناير إلي الآن كانت كفيلة بأن يتدخل خبراء المال والبنوك لتحريك الثروة من مكان لآخر وطمس وتغيير ملامح صاحبها.. ومع كل هذا فلابد من الاعتراف بأنه "ديب" فعلاً.. ويعرف متي يهاجم ومتي يتكلم.. ومتي يختفي في "الدره"..!!