هام من عميد كلية التجارة بشأن فكرة تخفيض مدة الدراسة ل 3 سنوات    وزير الداخلية مهنئًا البابا تواضروس: الكنيسة لها مواقف وطنية سجلها التاريخ    الرئيس السيسي يؤكد لوزير خارجية السعودية حرص بلاده على تعزيز علاقات التعاون مع المملكة    رسميًا.. إقالة أموريم من تدريب مانشستر يونايتد    ثقافة المنوفية: تنظيم 40 نشاط ثقافي وفني لتعزيز القيم الإيجابية وتنمية المواهب    مجلس الشيوخ يوافق على إعادة تقدير فرض الضريبة على العقارات لمدة 5 سنوات    استقرار اسعار الاسمنت اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    انقطاع المياه عن مناطق بالمحلة لإحلال وتجديد خطوط الشرب    ستاندرد تشارترد تتوقع دخول مصر عام 2026 بوضع اقتصادي كلي أكثر قوة    سعر كرتونة البيض اليوم الإثنين في بورصة الدواجن    "عاشور": خطة طموحة لعام 2026 لدعم مسارات التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار والتعاون الدولي    "العمل": 7293 فرصة عمل جديدة في 12 محافظة    فرنسا تعرب عن تضامنها مع الدنمارك فى أعقاب تهديدات ترامب بشأن «جرينلاند»    مد غزة ب148 ألف سلة غذائية وملابس شتوية ضمن قافلة زاد العزة ال109    الدفاع المدني يعلّق إزالة أخطار المباني المتضررة بسبب نفاد الوقود في غزة    رئيس جامعة بنها الأهلية ونائب الشؤون الأكاديمية يتفقدان امتحانات الفصل الدراسي الأول    أمم أفريقيا 2025.. تشكيل منتخب مصر المتوقع أمام بنين    جونزالو جارسيا: ألعب مع الأفضل في العالم.. ومن الصعب اختيار هدف من الثلاثة    تخفيض الراتب يحدد مصير ميكالى من تدريب الزمالك    بحثًا عن دقائق اللعب.. البليهي يدرس الرحيل عن الهلال    طالبت بإقالة سلوت.. جماهير ليفربول تنصر صلاح    ضبط 99 ألف مخالفة مرورية و58 حالة تعاطى مخدرات أعلى الطرق    نسيوها داخل الفصل| طفلة تقفز من الطابق للهروب بعد احتجازها بالخطأ داخل مدرسة بالغربية    السكك الحديدية: تطبيق إجراءات السلامة بالقطارات لانخفاض مستوى الرؤية بسبب الشبورة    عمرو عثمان: تنفيذ 1264 فاعلية بأندية الوقاية لرفع الوعى بخطورة تعاطى المخدرات    عاجل- تحذير من الطقس قبل مواجهة مصر وبنين في كأس أمم إفريقيا.. أمطار رعدية وثلوج ورياح قوية بالمغرب    ضبط 3 سيدات بتهمة استقطاب الرجال عبر تطبيق هاتفي لممارسة أعمال منافية للآداب بالإسكندرية    عاشور يكشف خطة التعليم العالي لعام 2026    الليلة.. عرض مرئي لمسرحية الطوق والإسورة ضمن برنامج أهلا بمهرجان المسرح العربي    تعرف على موعد وشروط التقدم لمسابقة الأم المثالية في أسيوط    الأزهر للفتوى: الغبن والتدليس في البيع والشراء مكسب زائف وبركة تُنزَع    جبل حراء.. شاهدُ البدايات ومَعلمٌ خالد في ذاكرة مكة المكرمة    كيف يقضي المسافر الصلاة الفائتة بعد عودته؟.. الأزهر يجيب    لفتة إنسانية خلال جولة ميدانية.. محافظ أسيوط يتكفل بعلاج مواطن ويوفر له فرصة عمل ووحدة سكنية    سفرة عيد الميلاد المثالية.. وصفات سهلة ولذيذة لتجهيز أطباق العيد في المنزل    محمد سلام يغيب عن دراما رمضان 2026 ويدرس تقديم برنامج تلفزيوني لأول مرة    إنقاذ 28 شخصا على متن مركب سياحي بعد شحوطه في منطقة حماطة    وزيرة التضامن تلتقي مديري مديريات التضامن الاجتماعي بالمحافظات    المكسيك و5 دول آخرى.. لماذا ترفض دول كبرى سيطرة ترامب على نفط فنزويلا؟    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    كوريا الشمالية: التجارب الصاروخية الأخيرة شملت نظام أسلحة فرط صوتي    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    مدير فرع هيئة الرعاية الصحية بجنوب سيناء يتابع التشطيبات النهائية بمستشفى نويبع تمهيدا لافتتاحه    انقاذ شاب تعرض لبتر كامل بإصبع الابهام نتيجه ساطور بمستشفى سوهاج الجامعي    مواعيد مباريات الإثنين 5 يناير - مصر ضد بنين.. ونيجيريا تواجه موزمبيق    وزير الدفاع يهنئ البابا تواضروس بمناسبة عيد الميلاد المجيد (فيديو وصور)    ننشر أسماء المصابين في حادث «صحراوي» قنا    تراجع جديد في أسعار الذهب بمصر مع بداية تعاملات الاثنين 5 يناير 2026    استخدام المروحة والجوارب.. نصائح هامة لمواجهة الشعور بالبرد داخل المنزل    جيمي كيميل يسخر من ترامب في حفل جوائز اختيار النقاد (فيديو)    أيمن منصور: أمم إفريقيا لا تعترف بالأسماء.. وبنين اختبار حقيقي للفراعنة    فيلم «جوازة ولا جنازة».. شريف سلامة يكشف سر انجذابه لشخصية «حسن الدباح»    الاتحاد الأوروبي يدعو واشنطن إلى احترام القانون الدولي وإرادة الشعب الفنزويلي    «قفلت السكة في وشه».. عمرو مصطفى يكشف كواليس أول مكالمة مع الهضبة    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الديمقراطية البريطانة..هل نتعلم منها درسا[3]
نشر في المصريون يوم 31 - 05 - 2010

(1) سوف تبقى قضية الديمقراطية فى مصر ساخنة لفترة من الوقت.. وسوف يركز المراقبون بقوة على أى تغيير حقيقى تجاه اتحاد قوى المعارضة والتغيير فى مواجهة النظام المستبد .. على أساس أن هذا هو المقترب المرحلي الصحيح لأى نجاح ممكن..حيث يتوجّب على هذه القوى أن تتوحد على هدف واحد هو إزاحة النظام القمعي عن كاهل الأمة أولا.. أما الاختلافات الأيديولوجية.. والمنافسات الحزبية.. والتباهى ببرامج الإصلاح المختلفة فينبغى أن تختفى تماما من الساحة فى هذه المرحلة.. حتى يتم تحقيق هذا الهدف الوطنى.. وإنقاذ الأمة من الهلاك الذى تنحدر إليه .. ولسوف يتابع المراقبون مدى التزام السلطة بوعودها فى حيادها من الانتخابات وأنها ستكون انتخابات نزيهة بلا تزوير.. والحقيقة أنه لا يجب التعويل على هذه التصريحات الخرافية.. فهى لم تتحقق فى الماضى ولن تتحقق أبدا تحت هذه السلطة القمعية .. ولا بد من حلول أخرى.. فهذا الشعب لا يملك إلا ورقة إتحاد الأحزاب مع قوى المعارضة والتغيير.. فإذا ضُربت فلا أمل هناك فى شيء آخر...!
(2) فى هذه المقالة عن الديمقراطية البريطانية نطوى صفحة الكفاح والنصر لننظر في الصفحة الأخرى.. لنرى قصة الوهن الذي دبّ في عضد الديمقراطية البريطانية، وكيف تمت محاولة تفكيكها تدريجاً عبر صراع شرس وهجمات متواصلة من جانب تحالف قوى المال والأعمال وسطوة الشركات الزاحفة .. حتى تم تفجيرأكبر لغم فى مبنى الديمقراطية البريطانية خلال عهد تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق .. ومن داخل حزب العمال نفسه الذي كان في الماضي نصيراً صلباً للديمقراطية وحقوق الطبقات العاملة وصاحب مبادئ الديمقراطية الاشتراكية...!؟ فى هذا المقال إذن نتناول الإجابة على سؤال "بول فوت": كيف تمّ تبديد الصوت الانتخابي ..؟
(3) في سنة 1964م وفي بداية فترة حكومة عماّلية كان يرأسها "هارولد ويلسون" زعيم حزب العمال، هبط عليه في مقره بمبنى رقم 10 داوننج إستريت "لورد كرومر" مدير بنك لندن المركزي [لاحظ أنه بنك مستقل له نفوذه الهائل على الحركة المالية والاقتصادية .. ولكن مديره لا يخضع لسلطة رئيس الوزراء ولا للحكومة البريطانية...!] .. من الناحية الأيدولوجية هو يميني من المحافظين.. سلطويّ حتى النخاع.. جاء ليظهر قلقه من عجز موازنة المدفوعات الذي ورثته الحكومة العمالية من حكومة المحافظين السابقة نتيجة سياسة وزير ماليتها، تسببت في عجز مالي مقداره ثمانمائة مليون جنيه إسترليني..
اجتمع كبار أعضاء الحكومة لدراسة مقترحات "لورد كرومر" والنظر في حلول للخروج من هذه الأزمة .. ثم قرّروا ألا تلجأ الحكومة إلى تخفيض سعر الجنيه الإسترليني أو تعويمه .. فقد كانت هذه السياسة السبب في سقوط حكومة العمال السابقة، حيث أدت تلقائياً إلى تخفيض أجور العمال .. ومن ثم اكتفى "جالاهان" وزير المالية بإجراءات سياسية لوقف النزيف المالي .. وبذلك اضطر إلى إرجاء كل الوعود التي قطعتها حكومة العمال على نفسها أثناء الانتخابات ..
لم يُعجب هذا التصرف لورد كرومر .. واستمر في بيع الإسترليني .. حتى تدهور الاحتياط النقدي في البنوك .. ويصف هارولد ويلسن في مذكراته (بعد ذلك) الحوار الذي جرى بينه وبين لورد كرومر في اجتماعهما يوم 24 نوفمبر 1964م قال: "لقد وصلنا إلى نقطة كان ينبغي أن نعود فيها إلى الشعب لانتخاب حكومة مخوّلة بصلاحيات أكبر.. بعد أن نحيطهم علماً بأن حكومتنا مضطرة (بسبب موقف مدير البنك المركزي) للتراجع عن سياستها التي انتخبها الشعب لتنفيذها .. وأن عليها أن تنفذ سياسة حزب المحافظين التي عارضتها من قبل معارضة شرسة .." ويمضى هارولد ويلسون فيقول: "كان جواب مدير البنك المركزي صريحاً في تأكيده أن هذا هو الحقيقة!!" يقول ويلسون: "لقد سألته حينئذ: "هل معنى ذلك أن أي حكومة بقيادة أي حزب وتحت أي شعار أو برنامج مُعلن .. ومهما تكن السياسة التي خاضت الانتخابات بغية تنفيذها يستحيل عليها أن تستمر ما لم تتحول فوراً وبصورة مطلقة إلى سياسة حزب المحافظين..؟!" لقد اعترف الرجل بأن هذا تماماً هو ما يقصده من حججه التي ساقها أثناء المناقشة .. وبرر ذلك بأن هذا هو ما تمليه الحتمية الاقتصادية على موقف الذين بيدهم السلطة السياسية والاقتصادية جميعاً". وحجته في ذلك: أنه تحت وطأة وحجم أزمة اقتصادية من العيار الثقيل لابد من تعليق العملية الديمقراطية ..! وكان رد ويلسون حاسماً وشجاعاً بالرفض .. بل هدده بأنه ليس أمامه إلا خيار واحد وهو أن يعتصم بالديمقراطية إلى أقصى المدى، ومن ثم لابد من العودة إلى الناخبين للحصول منهم على صلاحيات أكبر للتعامل مع الأزمة .. وفي حالة مصارحة الشعب بتفاصيل الموقف فسوف يكون هناك إجماع شعبيّ بل زلزال يقلب الأمور على وجهها الصحيح .. وكان رد لورد كرومر بأن هذا قد يكون صحيحاً، ولكنه لن يكون في صالح الإسترليني ولا في صالح بريطانيا..".
يقول ويلسون: "غادر كرومر مقر مجلس الوزراء .. واستطاع أن يجمع ثلاثة مليارات دولار قرضاً لبريطانيا من البنوك المركزية .. وحقق بذلك وقفًا مؤقتاً لأزمة الإسترليني..".
(4) قصة هذا الصدام التاريخي المفتوح بين رجال البنوك وبين الحكومة المنتخبة هي وصف دقيق لحالة الخصومة الأبدية بين رجال المال والأعمال وبين الديمقراطية أو الحكومات الديمقراطية التي تحاول الالتزام بمصالح الطبقات العاملة أو الأغلبية المستضعفة التي انتخبتها للسلطة .. وكان جالاهان وزير المالية العُمّالي كلما أعلن زيادة في الإنفاق الحكومي لتدعيم الخدمات جاءته التحذيرات تترى من رجال البنوك الدائنة بالكفّ عن هذه السياسة الخاطئة.. وأنهم كانوا يتوقعون من الحكومة مسلكاً مختلفاً للحد من التضخم المالي ..
يصور جالاهان صعوبة المأزق المالى فيقول: "كان الأمر بالنسبة لي كالسباحة في أمواج هائلة كلما خرجنا من موجة عاتية أعقبتها موجة أعتى منها فتلطمنا قبل أن نتمكن من التقاط أنفاسنا..!".
(5) بداية التنازلات: من أهم الكتب التي تكشف عن قصة التنازلات العمالية المتدرّجة كتاب "كلايفْ بونْتِنْج" بعنوان: "النكوص عن الوعود: العُمّال في السلطة 1964- 1970" .. نشرته دار "هامش هاملتون" سنة 1989 .. فقد كشف لأول مرة عن خلفيّة اتفاقية سرية بين حزب العمال البريطاني وبين الولايات المتحدة الأمريكية (تساعد أمريكا بمقتضى هذه الاتفاقية حكومة العمال البريطانية للخروج من أزمة الإسترليني في مقابل تدعيم الولايات المتحدة في حربها بفيتنام .. وإبقاء عدد كبير من القوات العسكرية البريطانية شرقيّ السويس .. وغير ذلك من الشروط..) وكلها شروط مناقضة لسياسة حزب العمال التقليدية المعلنة .. فهذه السياسة كانت دائماً ضد المشاركة في حرب فيتنام، وضد الاستمرار في الإنفاق الباهظ على القوات الإمبراطورية .. وضد الإجراءات الاقتصادية التقشفية مثل خفض سقف الإنفاق الحكومي بحجة محاربة التضخم المالي .. وهكذا اضطرت حكومة العمال تحت تأثير الضغوط الاقتصادية وتلاعب رجال البنوك مع الولايات المتحدة إلى التراجع عن السياسات التقليدية لحزب العمال .. وإنها لتفعل ذلك ضد قناعتها الدستورية والديمقراطية ..! .. ولأول مرّة (في هذا المناخ التنازلي) تضطر حكومة عمالية لمواجهة إضراب عُمّال النقل البحري بعنف شديد غير معهود .. ولا تستجيب لمطالبهم العادلة، وكان السبب هو تنفيذ الشروط السرية التي وضعتها أمريكا على القرض الذي قدمته لحكومة العمال ..!
(6)التحدّي السافر: كان همُّ حكومة المحافظين الأول في سنة 1970 هو كبْح جماح الاتحادات العمالية واستخدام القوانين لتدعيم هذا الاتجاه .. ولكن عاد العمال مرة أخرى إلى السلطة سنة 1974 وجاء معها "تونى بنْ" وزيراً للصناعة .. وكان يعتزم اتخاذ إجراءات حكومية لضبط سلوك الشركات التابعة للقطاع الخاص .. وقد أعلن عن ذلك في مذكّرة مفصّلة .. ولم تكن هذه الشركات لتستسلم لهذا الضبط الحكومي ولو كان باسم مصالح الشعب وإرادته التي تبلورت في انتخاب هذه الحكومة..!
يحكى لنا "تونى بن" في مذكراته عن واقعة ذات دلالة كاشفة، حدثت في يوليه 1974 ، فقد دُعي إلى حفل عشاء أقامه مديرو الشركة العملاقة لصناعة الصلب والصناعات الهندسية (GKN) .. في تلك الليلة هدده سير "راى بروك" رئيس مجلس إدارة الشركة بأنه إذا لم ترفع الحكومة إسم شركته من قائمة الشركات التي تعتزم الحكومة تأميمها فإن شركته ستضطر إلى إلغاء كل برامج استثماراتها المخططة للعام القادم .. يقول "تونى بنْ": "لم أصدّق ما سمعت من تهديد سافر بهذه الجرأة على الحكومة .. فطلبتُ من سير "راى بروك" أن يُعيد على مسامعي هذا التهديد المفاجئ .. فأعاده بهدوء وبرود شديدين" .. كان ردّ "تونى بنْ" بأنه لا توجد لدى الحكومة أي قوائم من هذا القبيل .. ولكن الدرس الذي استخلصه من الموقف: أن الرأسمالية تحتشد ضد إجراءات الرقابة التي تنوى حكومة العمال اتخاذها لضبط سلوك الشركات والسيطرة عليها.. وتتحدّى الحكومة بل تهدّدها بالسقوط .. ولها في ذلك أساليبها وحيلها التي لا تنفد ..
(7) إحتشاد قوى المحافظين في عهد مسز ثاتشر: فاز حزب المحافظين برئاسة "مسز ثاتشر" في انتخابات 1979 واستمرت في السلطة قرابة ستة عشر سنة متواصلة .. وفي عهدها تبلور نوع من الفاشية الجديدة في قلب النظام الديمقراطي العريق ...!
كان حزب المحافظين (مدعوما كالعادة بقوى المال والصناعات الكبرى) طوال فترة حكومات حزب العمال المتعاقبة منذ سنة 1965 يدرس ويحتشد للقضاء على ركائز السياسات العمالية .. واستطاع الحزب أن يجمع صفوفه تحت قيادة جريئة تؤمن بفلسفة أكثر جسارة وحدّة .. قدّرت ألا يقوم لحزب العمال قيامة بعدها أبدا ..
تم في داخل حزب المحافظين انقلاب سياسي هادئ نُحّيَ فيه "إدوارد هيث" .. وكان يُعتبر من أكثر قيادات الحزب يمينيّة بمقاييس عصره التقليدية .. وتربّعت مسز ثاتشر في مقعد القيادة .. فجاءت معها بفريق من المستشارين المتطرفين في أفكارهم اليمينية .. جميعهم كان متأثراً بفلسفة جديدة تقضى بتنفيذ برنامج عنيف لصالح الطبقة التي ينتمون إليها .. وكان من بين هؤلاء أستاذ نمساوي يُدعى "فردريك هايك" ..
لم تُخْفِ مسز ثاتشر إعجابها بأفكار هذا المفكر النمساوي [الرائعة حسب نعبيرها]) .. وخلاصتها: أن النظام الرأسمالي قام على أساس من الحرية .. وأن أي منظمة أو مؤسسة كإتحاد العمال مثلا تحاول الإخلال بالتوازن في المنظومة الرأسمالية فهي خطر على الحرية .. ثم تطرّق إلى النظام البرلماني فقال: إن شكلاً من أشكال المجالس الديمقراطية المنتخبة ضروري ..[ ولكن بدون أن تتدخل في شئون حرية السوق أو تعوق آلياته ..! ]
كان من رأى هايك أن اتحادات العمال لابد من تكبيلها بالقوانين بحيث تفقد فاعليتها، وهكذا صدرت فى عهد ثاتشر قوانين أكثر رجعيّة حرمت العمال من حقوق كانوا قد اكتسبوها منذ سنة 1906 منها مثلاً حرمان العمال من حق الإضراب أو التظاهر تأييداً لمطالب فئة أخرى من العمال...!
وكالعادة المتّبعة في كل النظم الفاشية قُُدّمت مشروعات هذه القوانين القمعية باسم: (مقترحات لإصلاح الاتحادات العمالية...!) .. وفي الحقيقة لم يكن لها أي علاقة بالإصلاح من قريب أو بعيد..![ فهى أشبه بإجراءات وقوانين الإصلاح عندنا] .. وإنما كان القصد منها تقوية جانب أصحاب الأعمال والأثرياء في مواجهة القوى العاملة وإضعاف قدرة اتحادات العمال على تنظيم أنفسهم ضد الإجحاف الواقع عليهم من أصحاب الأعمال ..
يقول بول فوت: "بهذه القوانين لم تستهدف حكومة ثاتشر تكبيل الاتحادات العمالية بالقيود فقط ولكن هزمتهم شر هزيمة .. وانعكس هذا سلباً على مواقف قيادات حزب العمال .. مثلاً: "نيل كينوك" زعيم الحزب كفّ عن معارضة هذه القوانين القمعية .. ودفن قادة الحزب التزاماتهم تجاه اتحادات العمال .."
(8) كان قادة حزب العمال يعارضون الخصخصة بقوة (سواء في الصناعة أو فى الخدمات) .. وطالما وعدوا الجماهير بأن كل صناعة أو خدمة قام المحافظون بخصخصتها سيتم إعادتها إلى الملكية العامة .. وأبرز مثال على هذه المعارضة الواضحة والمستمرة تجلّى في خصخصة الكهرباء .. حيث قام "تونى بلير" في البرلمان (وكان في ذلك الوقت وزير ظل) ليقدّم رؤية حزب العمال فقال: "نحن فخورون بأننا أخذنا الصناعة في الملكية العامة .. وسوف نعيد الكهرباء للملكية العامة لخدمة الشعب البريطاني .. ولن تُدار الكهرباء أبداً كمشروع تجاري خاص.." وفي المؤتمر السنوي للحزب قال "تونى بلير" مرة أخرى: "الخصخصة معناها ارتفاع الأسعار وأعباء جديدة على عاتق الطبقات العاملة..".
ولكن رأينا في أوائل التسعينات من القرن الماضي أن الحماس والمعارضة القوية (فى حزب العمال) لخصخصة الكهرباء والغاز والمياه تهدأ وتتراخى .. ولم يعد أحد من قياداته يتحدث عن إعادة تأميمها.. واختفت كل الوعود السابقة من برنامج حزب العمال خلال انتخابات سنة 1997 .. وقد ساعد على هذا التراجع المذهل الهزائم المتعاقبة للحزب في كل الانتخابات .. وهكذا قطع حزب العمال علاقته بالجذور..!
(9) في سنة 1994 مات جون سميث خليفة نيل كينوك في زعامة الحزب بالسكتة القلبية، وكان آخر قيادي عمالي يعلن ارتباطه بالقيم الاشتراكية والتزامه بالملكية العامة والتوظيف الكامل للقوى العاملة .. فلما رحل فجأة كان هناك إجماع صحفي على ترشيح تونى بلير زعيماً لحزب العمال..!
كانت النغمة الجديدة لتونى بلير: أن العمال لا يمكن أن يكسبوا الانتخابات إلا بالتغييرات التي بدأ يبشّر بها في أوساط الحزب .. لقد أضعفت سنوات الهزائم عضوية الحزب وأُجبر عدد كبير من اليساريين على مغادرته (تونى بِنْ مثلا).. وخلال ثلاث سنوات تفرّد "تونى بلير" بمخاطبة جماهير الحزب وقواعده في مؤتمراتهم السنوية بدون معارضة تُذكر .. فها هو شاب ذكي لامع بريئ المظهر، يوحى بالثقة، يجيد سبك الكلام والعبارات المؤثرة، وله أسرة شابة، يرتفع إلى مقعد زعامة حزب العمال، ويتحدث بثقة كبيرة عن عودة حزب العمال الوشيكة إلى مقاعد السلطة التى حرم منها سبعة عشر عاما...!
ونتابع بإذن الله ومشيئته قصة محاولة تونى بلير تفكيك الديمقراطية البريطانية لصالح الشركات الكبرى والتكتلات المالية التى أصبحت تمتلك قوة سياسية هائلة لا سبيل إلى تحدّيها أو مواجهتها...! [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.