تعيش الأمة هذه الأيام محنة كبيرة؛ حيث تباعدت المسافات بين أهلها؛ تباعدت بين أفكار العقول ومشاعر القلوب، وتغيرت نظرات المسلم إلى إخوته وفق مراتبهم في القوة الضعف، والثراء والفقر.. حتى بتنا أرواحا وأجسادا في جزر منفصلة، وهذا الشعور داع إلى التمييز والظلم، ودافع للعنصرية والبغي، ومسوغ للاحتقار والطغيان: ”إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى“ (العلق: 96: 6-7) وهل جاء الإسلام إلا ليقيم رباط الأخوة على ميزان العدالة والمساواة في الضعف والقوة، والقرب والبعد، والغنى والفقر: ”يَٰٓأَيُّہَا 0لَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّ1مِينَ بِ0لۡقِسۡطِ شُہَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ 0لۡوَ1لِدَيۡنِ وَ0لۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرً۬ا فَ0للَّهُ أَوۡلَىٰ بِہِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ 0لۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ“ (النساء، 4: 135) وللصيام سر عظيم في هذا الباب؛ فمن وراء الضعف الذي نعانيه والحرمان الذي نقاسيه أنواع كثيرة من القوة لعل أعظمها قوة العلم بالضعف والتيقن بالحرمان؛ إذ لا يدرك معنى الضعف إلا ضعيف، ولا يأتي على جوهر الحرمان إلا محروم مهما صور المبدعون ورسم الفنانون؛ كما لا يدرك معنى الصحة إلا بالمرض، ولا تيقن بنعمة القوة إلا بمقاساة العجز.. لذلك كان شهر الصيام درسا للأقوياء يعلمهم تهذيب القوة بتسخيرها لله، ودرسا للأغنياء يعلمهم تهذيب الثراء بالمعاناة حتى يتيسر عليهم تهذيب فقر الفقراء بسخاء العطاء... فالصيام تهذيب للقوة بالضعف وتعليم للإحسان بالحرمان؛ ومن قوة الصيام امتناع المرء عن معاطاة أسباب ضعفه التي لا يستطيع هجرها في غير الصيام من المأكولات والمشروبات والمكيفات، فمن ضعف عن الحمية للخلاص من السمنة، ومن أرد هجر التدخين، أو التحرر من مسكر، أو الخلاص من شح وخصام وغيرها من قبيح العادات فعليه بالصيام، وكذلك من أراد حفظ جميل الطاعات من أداء الصلوات، والانتظام في ورد القرآن، ولزوم الذكر والمساجد، وصلة الرحم ودوام البر، والإحسان لليتامى والمحرومين، وعيادة المرضى والمبتلين وغير ها — كان له من ضعف الصيام قوة ومن نعمة الصيام زادًا إلى مراده فيتحول بالصيام من ضعفه الظاهر إلى قوته الخفية، ومن حرمانه الحاضر إلى غناه الأبدي، ثم هو يعيد اكتشاف نفسه الحقة بتحريرها من نفسه الزائفة. وانظر حولك ترى صحة هذا القول في صور عديدة؛ انظر مثلا حفظ الصلاة والتلاوة والذكر في رمضان وإهمالهم بعده، وانظر كفاية المحرومين في رمضان وحاجتهم بعده، وانظر رحمة المحسنين في رمضان وإمسكاهم بعده وانظر صلة الأهل في رمضان ونسيانهم بعده... لذلك نحتاج إلى جهد أعمق وعطاء أدوم، فمن كان يبحث عن حقيقة قوته ومعدن روحه لا بد له أن يبحث بعمق ليقهر دواعي المعصية ويصرف شبهات الاستغناء الكاذب حتى يرى نور الحقيقة وتنكشف له أسرار الباطن بصلاح الظاهر والباطن. وذلك على نحو ما حكي أن أحد المعلمين مر بتلاميذه على فلاح قد حفر عشرات الحفر الضحلة – لا يزيد عمق الواحدة منها على ذراعين في أرضه حتى كاد أن يفسد الأرض؛ فسأل التلاميذ معلمهم عنه.. فقال: تعالوا نسأل الفلاح عن غايته.. فقال الفلاح: إنني أبحث عن الماء حتى أروي الأرض.. فقال المعلم: كان الأجدر بك أن تحفر حفرة واحدة وتتعمق بها عشرات الأذرع بدلا من عشرات الحفر الضحلة.. فرمضان رياضة لعام كامل ومران لمباراة طويلة.. والصيام درس العمر.. ولعل فيه فيه ماء الحياة باليقين ولذة الطاعة بالدوام.. وقد أبلغ النبي عن المؤمن في رمضان فقال: ”المؤمن يعد فيه القوة من النفقة للعبادة“ (ابن خزيمة)، ورغب النبي في ديمومة صيام رمضان وقيامه فقال: ”من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه“ (البخاري ومسلم) وقال: ”من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه“ (البخاري ومسلم)، وفي رغبة ملحة للبحث عن حقيقة الذات وقوة الإيمان يقول: ”من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه“ (البخاري ومسلم)، هذه نداءات ملحة قد لا يرى الناس فيها سوى الترغيب في الغفران، لكنها في حقيقتها نداء حانٍ حتى نواصل رحلة البحث عن جذور الإنسانية ومعدن القوة بإخضاع القوة؛ حتى نفوز بوجدان اللذة الحقة بفقدان اللذة الزائفة...
كلية اللغات والترجمة– جامعة الأزهر عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية