واشنطن توافق على صفقات سلاح ب8.6 مليار دولار لحلفاء في الشرق الأوسط    عالم أزهري يُحذر: ادعاء تحريم ما أحل الله «كبيرة» وجريمة في حق الشريعة    محاضرة دولية تكشف تحديات جودة التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي    ميناء دمياط يعزز الأمن الغذائي ويربط مصر بأوروبا والخليج    جامعة الدلتا تتألق في «Dare To Achieve» وتؤكد دعمها لابتكارات الطلاب    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    خسائر 4.8 مليار دولار.. تقرير أمريكي يرصد تأثير العقوبات على الاقتصاد الإيراني    صلاح: رحلت بشروطي عن ليفربول من الباب الكبير.. ولم أحسم وجهتي القادمة    «رجال طائرة الأهلي» يتأهل لنهائي بطولة إفريقيا للأندية    تعرف على موعد مباراة الزمالك المقبلة    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    تفاصيل | وفاة شخص وإصابة 13 آخرين في حادث البهنسا بصحراوي المنيا    القبض على عاطل ظهر في فيديو مشاجرة بالسلاح الأبيض بالقاهرة    خناقة الديليفري وعمال المطعم.. معركة بين 11 شخصا بسبب الحساب    دفع ثمن شهامته.. اعتداء صادم على مسن الهرم والداخلية تضبط المتهم    ماذا يريد شيخ الأزهر؟    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    هدنة أم حرب    الأمم المتحدة: إسرائيل توسِّع احتلالها لقطاع غزة    رئيس هيئة تنشيط السياحة يلتقي مع ممثلي شركات إنتاج محتوى السياحة الروحانية    زيادة تقابلها زيادة، مصدر ب"تنظيم الاتصالات" يحسم جدل ارتفاع ضريبة الآيفون في مصر    شرطي ينقذ الموقف.. تفاصيل حادث تصادم في الإسكندرية    صفحات مزيفة.. سقوط تشكيل عصابي دولي للنصب على راغبي زيارة الأماكن السياحية    نصف فدان.. السيطرة على حريق نشب داخل زراعات القصب بقنا    #عيد_العمال يتفاعل على المنصات وانتقادات حقوقية وتقارير عن تدني الأجور وتحديات معيشية    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع تأثير العوامل الجوية على جودة الهواء غداً السبت    الخارجية الأمريكية: بريطانيا ترفع مستوى التهديد الإرهابي إلى "شديد"    منتخب المصارعة للرجال يتوج ب10 ميداليات في البطولة الأفريقية    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    ليدز يونايتد يسحق بيرنلي بثلاثية في الدوري الإنجليزي    إعلام لبنانى: الرئيس عون لن يقابل نتنياهو ما دام جزء من الجنوب محتل    موعد إعلان قائمة منتخب الناشئين لبطولة أمم أفريقيا تحت 17 سنة    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    رئيس الالتزام البيئي: الطاقة المتجددة تدعم مواجهة التغير المناخي    مصطفى الفقي يكشف كواليس لقائه ب"علاء مبارك" قبل الثورة بأيام    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تصاعد التوترات بين أمريكا وأوروبا.. الناتو يتحرك نحو الاستقلال الدفاعي    ترامب: لن نترك أمر إيران مبكرا كي لا نضطر لاحقا للعودة لمعالجته    دورتموند يستهدف مهاجم ريال مدريد جونزالو جارسيا    "15 مايو التخصصي"تنجح في إنقاذ شاب من اختناق حاد بالمريء    استشاري غدد صماء: "نظام الطيبات" فتنة طبية تفتقر للبحث العلمي وتؤدي للوفاة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    القومي للبحوث يطلق قافلة طبية كبرى بالشرقية تستهدف 2680 مواطنا    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    أخبار الفن اليوم الجمعة.. أزمة بنقابة التشكيليين بسبب تفاوت الرواتب والمعاشات.. تكريم يسرا اللوزي وريهام عبد الغفور في ختام المهرجان الكاثوليكي    غدا انطلاق الموجة ال29 لإزالة التعديات على أملاك وأراضي الدولة بالمحافظات    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    طلعت فهمي رئيسًا ل"التحالف الشعبي الاشتراكي" وحبشي وعبد الحافظ نائبين    تفاصيل مسابقة التأليف بالدورة 19 من المهرجان القومي للمسرح    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    وزير خارجية إيران: مغامرة نتنياهو كلفت واشنطن 100 مليار دولار حتى الآن    وزارة الثقافة تطلق برنامجا متنوعا احتفالًا بعيد العمال    أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 1 مايو 2026    منير أديب يكتب: ردود فعل الإخوان على وفاة مختار نوح بين الأيديولوجيا والتحولات الأخلاقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فى عيد ميلاد جمال الغيطانى ال «الخامس والستين» فرانسوا باسيلى يكتب: من نيويورك .. كل سنة وأنت طيب أيها المبدع المصرى الأصيل

«أمنيتى المستحيلة.. أن أمنح فرصة أخرى للعيش.. أن أُولد من جديد لكن فى ظروف مغايرة.. أجىء مزوداً بتلك المعارف التى أكتسبها من وجودى الأول الموشك على النفاذ.. أُولد وأنا أعلم أن تلك النار تلسع.. وهذا الماء يغرق فيه من لا يُتقن العوم.. وتلك النظرة تعنى الود، وتلك التحذير، وتلك تنبئ عن ضغينة.. كم من أوقات أنفقتها لأدرك البديهيات.. ومازلت أتهجى بعض مفردات الأبجدية.. كلمات تتصدر موقع جمال الغيطانى على الإنترنت. كتبها ولخص بها نفسه.
هو الباحث دوماً عن الزمن، ليس زمناً مفقوداً كالذى بحث عنه الروائى الفرنسى مارسيل بروست، بل زمن موجود على هيئة ماض يتجسد فيه وحاضر يحياه ومستقبل يأمله. أتم جمال الغيطانى فى التاسع من مايو الجارى عامه الخامس والستين.. عمر قضى جله فى الكتابة وأبدع فيه ما يزيد على 46 عملاً بين رواية ومجموعة قصصية وسيرة ذاتية ومشاهدات وأدب رحلات.. كأن صاحب «الزينى بركات» و«هامش المغيب» و«متون الأهرام» يتنفس حبراً .. لا يمل التدوين.. فالكتابة عنده إطلالة من نافذة على الوجود.. الكتابة عنده حياة.
وعدد معتبر من أعمال الغيطانى تُرجم إلى العديد من اللغات على رأسها الإنجليزية والفرنسية والألمانية.. ورشحه الأكاديمى الفرنسى جون فرانسوا كليمان ليكون مصرياً آخر يحوز جائزة نوبل للآداب بعد نجيب محفوظ فقط بعد أن قرأ روايته «التجليات» التى اعتبرها «عملاً كبيراً إن لم يكن أثراً». «المصرى اليوم» تحتفى بميلاد الغيطانى وتنشر مقالاً عنه كتبه فرانسوا باسيلى الشاعر المصرى المقيم فى نيويورك.
أيمن عبد الهادى
رحنا نتساند– جمال الغيطانى وأنا– ونحن نخطو خطوات حذرة على الطريق المغطى بالجليد الصاعد إلى الكنيسة المضيئة فى الأعالى، فى تلك الليلة قارسة البرودة ليلة عيد الميلاد الشرقى عام 2009، تحت سماء نيوجيرسى المكفهرة. وكنت قد تأبطت ذراعه خوفا عليه أن تنزلق قدمه، وفجأة طارت قدماه فى الهواء وهوى على ظهره فى لمح البصر، فشددت ذراعى حوله محاولا منعه من السقوط فيما أطلقت صرخة صامتة أطلب فيها فى هلع من الله ألا يصيبه بمكروه وهو الذى طلب منى أن يصلى معى قداس عيد الميلاد بالكنيسة القبطية فكيف يكون جزاؤه أن يصاب بمكروه؟
ويبدو أن دعائى غير المعلن قد استجيب، فقد قام الغيطانى وهو يطمئننى أن الأمر بسيط، وواصلنا الطريق حتى دخلنا الكنيسة وجلسنا فى الصف المخصص للضيوف من أعضاء القنصلية المصرية وكبار الزوار، وكان ضميرى يؤنبنى طيلة الوقت كيف لم أصر على أن أوصل ضيفى بسلام إلى باب الكنيسة ثم أعود بالسيارة لأتركها فى موقف السيارات البعيد، لكنه رفض ذلك وأصر على أن نمشى معا، وكان ذلك بعد أن قضينا ما يقرب من الساعة ونحن نبحث عن الكنيسة فى ظلمات ليل نيوجيرسى. ولم ينقذنا سوى جهاز الGPS وكنت أستعمله لأول مرة، وهكذا نحتاج إلى التكنولوجيا حتى حينما نريد الصلاة!
تطفو ذكريات تلك الليلة فى خاطرى كلما التقيت بجمال الغيطانى أو شاهدته فى التليفزيون ربما لأن هلعى عليه كان مركزا بشكل ترك أثرا فى تلافيف الذاكرة، وها أنذا أتذكر الحادث وأنا أكتب عن الروائى المصرى الكبير فى نوع من الاحتفال بعيد ميلاده الخامس والستين، وقد شاهدته يجلس فى بساطته الآسرة فى حوار مع الإعلامية دينا عبد الرحمن فى برنامجها المميز «صباح دريم» قبل أيام قليلة من يوم ميلاده فى التاسع من مايو.
وقد سبقت تلك الليلة لقاءات عديدة لنا على مدى السنوات الماضية فى القاهرة حين أزورها وهنا فى نيويورك حين يزورها هو. وقد كثرت زياراته لها بعد عمل ابنه محمد فى البعثة المصرية للأمم المتحدة. وأصبح من عادتنا أن نلتقى إما فى جلسات حميمة مع أصدقاء فى بيتى، أو فى جولات أصطحبه فيها إلى أماكن يريدها أو أقترحها، وبذلك كان من حظى أن أتعرف على جمال الغيطانى ليس فقط المبدع المتفرد الذى طالما بهرتنى رؤاه الإبداعية وكتاباته الاستثنائية ولكن أيضا الإنسان المثير للدهشة بخصاله ودفئه وحكاياته ولمساته الإنسانية، وهو من هؤلاء القلائل من المبدعين كبار الموهبة الذين تتعرف عليهم شخصيا فيزداد حبك وتقديرك لهم، بينما حدث لى العكس مع بعض الآخرين.
انتعاش الغيطانى وهو يستمع إلى الألحان والتراتيل القبطية فى الكنيسة ليلة الميلاد هو بعض من اهتمامه ومعرفته الواسعة بالتراث المسيحى القبطى فى مصر، ومعرفته بهذا التراث تدهشنى شخصيا أنا القبطى ابن رجل الدين المسيحى الذى تكتظ مكتبته بأشكال وألوان من هذا التراث فى صوره المكتوبة والمسموعة والمرئية. وانتعاش الغيطانى بهذا التراث هو انتعاش المتذوق المحب المقدر وليس مجرد موقف مثقف مصرى يشعر بأن من واجبه معرفة شىء عن ثقافة شركاء الوطن- ومكتبته مليئة بالقديم والجديد عن الأقباط وتاريخهم وكنيستهم وفنونهم.
كما أن اهتمام الغيطانى بالوجه القبطى لمصر ليس كاهتمام المثقف المسلم الليبرالى الذى يهتم بالأقلية المسيحية كنوع من تأكيده لموقفه العلمانى وترحيبه بالتعددية الدينية والثقافية فكثيرا ما تجد مثل هذا الليبرالى المسلم مبتعدا عن تراثه الإسلامى منجذبا للتراث الغربى انجذابا كثيرا ما يصل إلى حد الخلل والسقوط فى عبودية الآخر، وهو تطرف مخل تماما كالذى يسقط فى كراهية الآخر.
أما الغيطانى فاهتمامه وهيامه بالتراث الإسلامى - وخاصة الصوفى منه - هو اهتمام هائل وشامل وعميق ودقيق وكتاباته تكاد أن تكون كلها امتدادات مثيرة لما فى التصوف الإسلامى من صفاء وجزالة لغوية وروحية معا، وتكاد أن تكون أسئلته كلها هى أسئلة التصوف الكبرى الغائرة فيما وراء المحسوسات محاولة كشف المستور وسبر غور الملموسات، يقول فى كتابه «سفر البنيان» (1997) تحت عنوان مصطلح الدرج: «الدرج مرقاة، فهو توق، وهذا لا يكون إلا لصعود أو انتقال من سفل إلى علو.
ومن هنا تكون المحاولة، فالانتقال من موضع إلى موضع مساو له فى الأفقية يقتضى بذل الجهد، فما البال إذا كان مضادا للقوة الحافظة الماسكة لكل ما هو حى أو نبات ينمو أو طير يحوم أن يفلت ويتوه فى فراغات الكون. وتلك القوة القابضة لا نراها، ولا نلمسها، ولا يمكن تعيينها، أو وصفها، أو إرجاعها إلى عناصرها الأولى، تماما شأن كل ما يؤثر فى مصائرنا، الزمن مثلا، نرى أعراضه ولا ننفذ إلى جوهره..».
ويقول رفيق دربه الروائى يوسف القعيد - زميله فى صحبة العمر لأستاذهما الفذ الروائى الأكبر نجيب محفوظ - أن الغيطانى فى كل أعماله له سؤال واحد: أين ذهب الأمس؟
والواقع أن كلمة «روائى» قد لا تكون الأكثر انطباقا على جمال الغيطانى، وخاصة فى أعماله المتأخرة، وفى اعتقادى أن الغيطانى يقع فى مساحة خاصة بين الفيلسوف والشاعر، فكلماته شعرية ورؤاه فلسفية، وبينما ينشغل الروائيون عادة بالشخصيات والأحداث، محللين أعماق النفس الإنسانية فى تشابكها المأساوى مع الآخرين فى حلقات متداخلة من الصراعات والضربات والتحولات، ينشغل الغيطانى بما وراء هذا كله من خيوط كونية خفية وأسئلة وجودية أساسية وكبرى.
ورغم أنه يمكن القول إن كل روائى عظيم لابد أن تكون أيضا من اهتماماته هذه الأسئلة الوجودية الكبرى من خلال صراعات ومصائر شخصياته الروائية، فإننا نجد أن الغيطانى يميل فى ازدياد إلى تناول هذه الأسئلة من خلال اللغة والكلمة، فهو ينتقى الكلمة ويزوجها لكلمة أخرى ويحل بروحه الإبداعية فى وسط هذا التزاوج لكى يدفع بالكلمتين إلى توليد مولود جديد مدهش مندهش صارخ بالوجع وبجزوة الحياة، مضيفا إلى المعنى وإلى اللغز فى آن واحد.
فاللغة هى نسيج الغيطانى الأساسى وطينته الطبيعية التى  يظل يشكلها ويطوعها لكى يخلق بها ومنها عالمه البديل عوضاً عن عالم لا يعثر فيه على الأمس، ولا يدوم فيه مكان ولا إنسان.
حين نجد الغيطانى مهموما بسؤال: أين ذهب الأمس؟ نجد ذلك مشابها لما يشغل بال العالم المصرى العالمى أحمد زويل الذى قال فى مقابلة مع منى الشاذلى ومحمود سعد: إن ما يشغلنى الآن هو السؤال: ما هو الزمن؟ وهكذا نجد أن الأديب المصرى والعالم المصرى يشغلهما سؤال وجودى كونى واحد - يحاول كل منهما – بطريقته – البحث عن إجابة له – هل صدفة أم يكون الاثنان مصريين؟ ليست صدفة لأن مصر هى فجر الإنسانية وطفلة الزمان الأولى وهى مبتكرة الأبدية فى بحثها منذ القدم عن نقطة نهاية الزمن الكونى ورفضها للنهايات وتكريسها للروح والخلود، فالسؤال عن الزمن هو سؤال  مصرى صميم.
الارتباط العميق بين الغيطانى وتراثه الإسلامى نراه مجسدا فى برنامجه «قاهرة نجيب محفوظ»، الذى يتجول فيه شارحاً أماكن روايات وشخصيات محفوظ فى أحياء مصر العتيقة، ونرى فيها كيف يحنو على الآثار المصرية من جوامع وزوايا وتكايا وأضرحة وقباب ومآذن وأروقة، وكيف يربت على ظهر كل حائط ويحتفى بكل حجر بشكل لا يقدر أن يفعله شخص آخر – وهذا أيضا تعبير عن ارتباط الغيطانى العميق بالمكان- ليكمل بهذا ارتباطه العميق بالزمان، ونراه يحاول الدفاع عن المكان وحمايته والحدب عليه، وتساعده على هذا قدرة فذة على الملاحظة والتحديق والغوص فيما وراء السطح،
ولهذا لاحظت أن الغيطانى يسير دائما على مهل، ويتحدث على مهل- ولا أذكر أننى شاهدته يسير على عجل أو يتكلم على عجل إطلاقا، لأن السرعة تقتل التأمل، وهو يعيش يومه متأملا، وكأنه – فى خوفه الوجودى الدائم من الزمن وآثاره المدمرة – يريد أن يغترف الأماكن والأحداث بداخله ليبقيها فى الحفظ والصون لتخلد، ولا شك أن القدرة على الرؤية الثاقبة ضرورية للكاتب، فلابد للروائى أن يرى ليروى.
الاهتمام الشديد بالإسلاميات نراه لدى الغيطانى مصحوبا برفض شديد للتطرف الإسلامى والغلو فى التدين والإرهاب- ولا شك أن هذا الرفض قد ازداد حدة لديه بعد محاولة اغتيال نجيب محفوظ الذى كفره بعض الإسلاميين بسبب روايته «أولاد حارتنا»، رغم أننى قرأت هذه الرواية منشورة مسلسلة فى أهرام الجمعة على مدى عدة أشهر حينما كنت طالبا فى الثانوى فى نهاية الخمسينيات، حيث وقف محمد حسنين هيكل والنظام الناصرى فى صف حرية الإبداع ضد من اعترضوا على الرواية فى ذلك الوقت، مطالبين بمنع النشر، ويعترض الغيطانى بشدة على تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية دينية على يد حماس، وبهذا يمثل الغيطانى تيار الثقافة الإسلامية الوسطية المستنيرة المنفتحة وهو تيار قد تراجع كثيراً فى معظم المجتمعات العربية فى الثلاثين عاما الأخيرة.
بجانب المعايشة الوجدانية للإسلام فى عمقه الصوفى والمحبة الحقيقية للتراث القبطى يكتمل المثلث لدى الغيطانى بمعايشته الفسيحة للحضارة المصرية القديمة، وهو يتحدث عن مصر الفرعونية حديث الباحث المتعمق والعاشق المتيم معا، ويتنقل بسهولة ونشوة من المعتقدات الروحية إلى نظام الدولة إلى نظام الرى والزراعة إلى عمارة المعابد إلى أسرار كتاب الموتى أو الخروج إلى النهار، فيتحدث لساعات متصلة دون كلل منه أو ملل من مستمعيه، رابطا الغابر بالحاضر مفسرا ومفكرا.. فهو حكاء من الطراز الأول يحكى لك فى يسر وطلاوة وبابتسامة هى أقرب إلى ابتسامة الطفل الماكر الذى استطاع أن يحل لغزا استعصى على الكبار من حوله، ومعرفته بالحضارة المصرية القديمة عريضة وعميقة، وقد أمضى الساعات الطويلة فى الجناح المصرى بمتحف المتروبوليتان بنيويورك،
وهو جناح هائل الحجم بالغ الجمال، ومن الطريف أنه خصص أحد أعداد جريدة أخبار الأدب التى يرأس تحريرها منذ صدورها عام 1993عن الهرم الأكبر، وذهب مع بعض محررى الجريدة فى زيارة داخل الهرم وأمضى الليل راقدا فى تابوت بحجرة الملك خوفو القابعة فى نهاية نفق ضيق طويل يغوص صاعداً إلى بطن الهرم، فلديه دائما تلك النزعة للحلول فى الآخرين- جسدا وروحا، مكانا وزمانا، لاختبار حياتهم وتمثل مشاعرهم وتذوق زمانهم، وهاجسه الأساسى هو إخفاقه فى أن يكون هو الآخر، أن يتوحد معه، أن يعايشه ويعيشه، ولذلك تتعمق غربته وتمتد رغبته فى التواصل عبر الكتابة، لعلها تمنح بعض الحلم وبعض الحلول وبعض الخلود.
يكتب الغيطانى تحت مصطلح: باب «قال كبير الكهنة إن كثيرين لم يولدوا بعد، يمثلون أمام الباب الوهمى، ويتساءلون، ويجتهدون، ويبذلون الطاقة وربما يشرف بعضهم على المعنى الكامن، تماما كما ستجىء لحظة يمكن للأحفاد أن يدركوا القصد الحقيقى للأهرام، والمسافات التى قطعتها أصداء النقوش فى آفاق الكون المنظور».
لا أعرف كاتبا مصرياً أو غير مصرى آخر يملك تلك القدرة والرغبة واللذة فى معايشة التراث الفرعونى والقبطى والإسلامى معا، والحلول فى كل منها حلولا كاملة ولهذا فالغيطانى مبدع فريد وظاهرة مدهشة فى تاريخ الثقافة المصرية على طولها.
وعادة ما نجد المثقف المتوغل كثيراً فى تراثه الوطني الثقافى المحلى رافضاً أو معادياً للتراث الغربي، ولكن المدهش فى الغيطانى أن اهتمامه بالثقافة الغربية كبير وعريض، وليس فقط فى الأدب ولكن أيضاً فى فنون الرسم والعمارة والمسرح وغيرها. وقد أصيب بجزع حقيقى عند سقوط البرجين فى نيويورك، إذ خشى أن يؤدى هذا إلى هوة بين الشرق والغرب وتوقع الأضرار الكبيرة التى ستنجم عنه وهذا ما حدث فعلاً.
ولكن انفتاح الغيطانى على الثقافة العالمية بشغف وحب هو فى اتساق تام مع الشخصية المصرية التى كانت دائماً منفتحة على الآخر كريمة محبة له مرحبة به فى أرضها قبل تلوثها بالتيارات المنغلقة  الوافدة عليها من بلاد ليس لها تاريخ طويل فى التعامل مع الآخر المختلف ثقافياً وعرقياً ودينياً.
وربما لهذا أجد جمال الغيطانى أقرب من عرفت من المبدعين المصريين - روائيين أو فنانين أو أدباء أو شعراء - لكونه التجسيد الأكمل للشخصية المصرية الصميمة الحميمة فى نموذجها الأجمل، أى فى نموذجها المعبر عن المصرى فى عصور الازدهار الحضارى والإبداع الإنسانى، وليس فى عصور الانحطاط والانحدار الذى عاشته مصر فى فترات طويلة من تاريخها وفى اللحظة الراهنة، ولهذا جاء الغيطانى من صعيد مصر، الذى جاء منه الملك مينا موحد القطرين، الصعيد الذى شهد صرح الحضارة المصرية الشاهق وآثاره الخالدة فى معابده وأهراماته وتماثيله ومسلاته ومقابره المترامية على ضفتى النيل من طيبة إلى ممفيس،
وهناك صورة طريفة لوجه الغيطانى بجوار وجه تمثال فرعونى لا تستطيع أن تفرق بين ملامح الاثنين، فهذا الشبل من ذاك الأسد، ففى الغيطانى، الذى له كتاب شاهق هو «التجليات» تتجلى الروح المصرية المتجددة دائمة الحلول فى خير أبنائها على امتداد الزمان، ففيه عذوبة المصرى ودفء تواصله ومحبته للآخرين وحبه للدعابة والضحك والمرح، مع حبه الجارف للحياة، فرغم نزعته للصوفية فكرا ولغة ووجدانا،
فالغيطانى ليس زاهدا فى الحياة وإنما هو محب عاشق لها، متذوق مرهف لما تمنحه من متع وأفراح وملذات ومكابدات جسدية وروحية تنعش الآمال وتجدد الأحلام، ولكنه متذوق للكيف وليس للكم، يتذوق الطعام الجيد ولكن لا يفرط فيه ولا فى شىء آخر، وفى إحدى زياراته لنا علق على الطعام الذى أعدته زوجتى قائلا إن هذه أول مرة يأكل «مسقعة» لها مذاق هو أقرب إلى الحلاوة منه إلى الملوحة المتوقعة، والواقع أن الباذنجان هنا يكون أحيانا ذا حلاوة وكأن قد أضيف عليه سكر.
ولكن المتعة الأعمق لدى الغيطانى هى متعة بصرية وسمعية، فالمكان له حضور طاغ عنده، كما أن للغيطانى شغفا بالموسيقى غير المألوفة، وقد أهدانى مرة قرصا مدمجا أطلق عليه وصف «الكنز» يجمع كنوزا من التراث الموسيقى العربى والتركى الذى يصعب جمعه من مصدر واحد، ولمعرفتى بشغفه بالموسيقى وبالمتعة البصرية معا، صاحبته لحضور عرض سينمائى غير عادى هو نوع مميز من السينما المعروفة بالآى ماكس I MAX ولكن تختلف عنها فى أن الشاشة هى قبة كروية هائلة تشكل جدران وسقف المكان كله- وهى جزء من متحف العلوم بنيوجيرسى،
وهذه أكبر شاشة عرض فى العالم وتصاحبها سماعات صوتية هى الأضخم والأقوى فى العالم بدورها، وهذه حقائق تعلنها السينما بالأرقام فى بداية العرض، وكان عن رحلة الأسماك الضخمة والصغيرة فى البحار المحيطة بالقارة الأفريقية فى جزئها الجنوبى، وحينما بدأ العرض بشكل هائل الصوت والصورة يجعلك فى قلب المكان والحدث، قال الغيطانى: «وكأن الواحد لم يشاهد سينما فى حياته من قبل!».
فى مطلع العام الحالى 2010 لم يحضر الغيطانى عيد الميلاد بالكنيسة ولا حضرته أنا، فقد كان كلانا مهموما هما هائلا بخطر يهدد كيان الإنسان ووجوده، وعندما حضر إلى نيويورك هاتفنى قائلاً إنه فى هذه المرة يحضر مع زوجته لعلاج من مرض خطير أصيبت به ويتطلب فترة طويلة من العلاج مع جراحة بين ذلك، واستمعت إليه فى انزعاج وألم فقد كنا قد سعدنا، زوجتى وأنا، بالتعرف على السيدة الفاضلة زوجته الإعلامية الصحفية المميزة ماجدة الجندى فى القاهرة عندما دعينا للعشاء فى مسكنهما الجميل بالدقى بالقاهرة قبل سنوات قليلة، وبعد أن استمعت لهذا الخبر الصادم قلت إننى أيضا أمر بتجربة مماثلة، فتساءل الغيطانى فى نبرة مستغربة: كيف ذلك؟
فقلت له إن طبيبى أخبرنى منذ أيام فقط أننى مصاب بورم فى البروستاتا ولابد من إجراء جراحة فورا. فصمتنا قليلا ثم تساءل: وهل هو ورم عادى؟ فقلت لا، هو ورم خبيث! فصمتنا قليلا ثم قال لمؤازرتى: «إن عملية استئصال البروستاتا لم تعد خطرة كما كانت قبل سنوات لقد أجريتها أنا أيضا، وكنت قد أصبت وأنا فى رحلة فى أوروبا فجأة بألم هائل مصاحب باحتباس للبول، وعندما رجعت لمصر أجرى لى طبيب مصرى الجراحة لتضخم البروستاتا، وكان تضخما طبيعيا بدون أورام. وقد كتبت تجربتى كاملة فى كتاب». فتساءلت فى بعض الاستغراب: وماذا أسميته؟ فقال: «يوميات الحصر» فلم أتمالك سوى أن أضحك بصوت عال وشاركنى ضحكى. وهكذا نلوذ بالضحك فى مواجهة أخطار التهلكة العظمي!
وأجريت جراحتى بعد ذلك بأيام قليلة، وبعدها بحوالى شهرين أجرت السيدة زوجته جراحتها، وكنا نتهاتف قبل الجراحتين وبعدهما للاطمئنان، وما كنت لأكتب عن هذا الشأن الخاص لأسرة الغيطانى لولا أنه قد كتب عنه بالتفصيل فى يوميات الأخبار، حيث وصف  مشهد دخول رفيقة حياته غرفة العمليات قائلاً: «ماجدة خلعت خاتم زواجنا، ارتديته فى نفس الأصبع الذى يستقر فيه الخاتم الذى يحمل اسمها، انزلق بسلاسة لعلها المرة الأولى التى يفارق أصبعها منذ خمسة وثلاثين عاما.. كان الباب الكبير ذو المصراعين مفتوحا وماجدة بين ممرضتين تتقدم بخطى ثابتة إلى الداخل، إلى الجراحة، يبدو أنها شعرت بوجودى التفتت باسمة، ابتسمت فرفعت يدى ملوحا ومشجعا، واجهتنى ملتفتة إلى الخلف، يتألق جمالها فى لحظة نادرة، لم يسبق لى أن رأيتها فى هذا الألق، ذلك الصفاء».
جمال الغيطانى حالة فريدة بين المثقفين المصريين وتجسيد نادر للعبقرية المصرية حين تتجلى فى شخصية محددة فى المكان والزمان، فتمنحك فرصة أن تتعرف من خلالها على الخصائص المصرية الصميمة من دفء التواصل وكرم الروح إلى مرح النفس وفرح الحياة. كل سنة وأنت طيب ومبدع أيها المصرى الأصيل الجميل، متعك الله بسنوات طويلة سعيدة مع رفيقة دربك وأولادك وأحبابك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.