اليوم، أولى جلسات نظر طعن "التعليم المفتوح" على تعديلات لائحة تنظيم الجامعات    ترامب: الجيش الإيراني تعرض لضربة ساحقة.. ولدينا أقوى الغواصات في العالم    الحصار الأمريكي يكبد إيران خسائر ب4.8 مليار دولار    القضاء يحبط خطة إدارة ترامب لترحيل آلاف اليمنيين من أمريكا    "طاير يا هوى"| محمد رشدي صوت مصري أصيل ورمز الأغنية الشعبية    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    بمناسبة عيد العمال، وزارة العدل تسلط الضوء على قانون العمل الجديد لتعزيز العدالة وحماية الحقوق    محافظة سوهاج ترد على عدم إنشاء كوبري بديل للكوبري المنهار في قرية العتامنة    مقتل 12 شخصًا بغارات إسرائيلية جنوب لبنان رغم الهدنة    البنتاجون: الولايات المتحدة تعتزم سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا    كبيرة الديمقراطيين في الشيوخ الأمريكي: إعلان ترامب انتهاء الحرب "لا يعكس الواقع"    محمد عبد الجليل يكتب: "فيزتك" فضيت ورصيدك اتبخر! هذه حكاية 6 شياطين نهبوا أموالك من البنوك تحت ستار "السياحة"    في ظهور مميز، عمرو دياب يغني مع نجله عبد الله وابنته كنزي بحفله بالجامعة الأمريكية (فيديو)    وسط أفراح الفوز بالقمة.. الأهلي يتأهل لنهائي بطولة أفريقيا للكرة الطائرة    طبيب الأهلي يوضح تشخيص إصابة تريزيجيه في القمة    صلاح: كنت أركض أكثر من زملائي في منتخب مصر خلال كأس أمم أفريقيا    جامعة الدلتا تتألق في «Dare To Achieve» وتؤكد دعمها لابتكارات الطلاب    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    محافظ كفر الشيخ يهنئ أبطال المشروع القومي للمصارعة ببطولة أفريقيا    كرة طائرة - الأهلي يتفوق على بتروجت ويتأهل لنهائي إفريقيا    تفاصيل | وفاة شخص وإصابة 13 آخرين في حادث البهنسا بصحراوي المنيا    القبض على عاطل ظهر في فيديو مشاجرة بالسلاح الأبيض بالقاهرة    خناقة الديليفري وعمال المطعم.. معركة بين 11 شخصا بسبب الحساب    دفع ثمن شهامته.. اعتداء صادم على مسن الهرم والداخلية تضبط المتهم    محاضرة دولية تكشف تحديات جودة التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي    ميناء دمياط يعزز الأمن الغذائي ويربط مصر بأوروبا والخليج    ماذا يريد شيخ الأزهر؟    سيمون تستحضر "زيزينيا": رحلة في ذاكرة دراما لا تُنسى    رحلة إلى المجهول تتحول إلى ذهب سينمائي.. "Project Hail Mary" يكتسح شباك التذاكر عالميًا    ميادة الحناوي تعود بليلة من الزمن الجميل في موازين... طرب أصيل يوقظ الحنين    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    نجاح إصلاح فتق سري لطفلة 4 سنوات بمستشفى طلخا المركزي وخروجها بحالة مستقرة    نصف فدان.. السيطرة على حريق نشب داخل زراعات القصب بقنا    طبيب الأهلى يوضح إصابة تريزيجيه فى القمة 132    الخارجية الأمريكية: بريطانيا ترفع مستوى التهديد الإرهابي إلى "شديد"    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع تأثير العوامل الجوية على جودة الهواء غداً السبت    رئيس هيئة تنشيط السياحة يلتقي مع ممثلي شركات إنتاج محتوى السياحة الروحانية    ليدز يونايتد يسحق بيرنلي بثلاثية في الدوري الإنجليزي    زيادة تقابلها زيادة، مصدر ب"تنظيم الاتصالات" يحسم جدل ارتفاع ضريبة الآيفون في مصر    بثينة مصطفى ل معكم: ما قدمته حياة كريمة لغزة يدعو للفخر    شرطي ينقذ الموقف.. تفاصيل حادث تصادم في الإسكندرية    صفحات مزيفة.. سقوط تشكيل عصابي دولي للنصب على راغبي زيارة الأماكن السياحية    تصاعد التوترات بين أمريكا وأوروبا.. الناتو يتحرك نحو الاستقلال الدفاعي    الالتزام البيئي باتحاد الصناعات يوضح أحدث تطورات التحول إلى الطاقة المتجددة    موعد إعلان قائمة منتخب الناشئين لبطولة أمم أفريقيا تحت 17 سنة    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي عُرض عليه منصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    "15 مايو التخصصي"تنجح في إنقاذ شاب من اختناق حاد بالمريء    استشاري غدد صماء: "نظام الطيبات" فتنة طبية تفتقر للبحث العلمي وتؤدي للوفاة    عمرو أديب: أقرب الناس لي حصلوا على علاج كيماوي بسبب السرطان    القومي للبحوث يطلق قافلة طبية كبرى بالشرقية تستهدف 2680 مواطنا    أحمد التايب خلال تكريم حفظة القرآن بكوم بكار: القدوة الحسنة ركيزة أساسية في تربية النشء    أخبار الفن اليوم الجمعة.. أزمة بنقابة التشكيليين بسبب تفاوت الرواتب والمعاشات.. تكريم يسرا اللوزي وريهام عبد الغفور في ختام المهرجان الكاثوليكي    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    طلعت فهمي رئيسًا ل"التحالف الشعبي الاشتراكي" وحبشي وعبد الحافظ نائبين    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    وزير خارجية إيران: مغامرة نتنياهو كلفت واشنطن 100 مليار دولار حتى الآن    أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 1 مايو 2026    منير أديب يكتب: ردود فعل الإخوان على وفاة مختار نوح بين الأيديولوجيا والتحولات الأخلاقية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



« المصرى اليوم» تصعد «جبل الموت» فى المنيا «1 - 2»

قرى معزولة فى شرق النيل، لا تراها حكومة، ولا تصلها الخدمات ولا تعرف من «قطار التنمية» سوى ترويج المحافظة للمزيد من الموت فى الجبل. فى المنيا تصعد «المصرى اليوم» جبل الموت، هناك حيث يعمل 100 ألف مواطن فى محاجر المحافظة، حيث يسقط الرجال والنساء والأطفال شهداء لقمة عيش يحاولون انتزاعها من حضن الجبل ولو كانت مغموسة فى الدم.
وسط هدير «الحشاشة» ومطارق الطوب وغرابيل «البودرة» يعيش أهالى قرى زاوية سلطان وسوادة ونزلة عبيد ونزلة حسين والدادوية ونزلة فرج الله والحوارتة وطهنا الجبل.. يعيشون قصصا من محافظة رفعت يدها عن وضع قواعد للأمان فى منشآت تدر ملايين وربما مليارات ويدفع ثمنها الفقراء الذين يفقدون أرواحهم وأطرافهم ويصابون بالسرطان والتحجر الرئوى والفشل الكلوى فى رحلة البحث عن لقمة العيش.
قبل شهور بدأت محافظة المنيا حملة لترويج منطقة المحاجر استثمارياً، هذه الحملة شددت على «رخص العمالة» لكن المحافظة نسيت أن تشير إلى «موت العمال»، وإهمال أجهزة الدولة، وغياب الخدمات، وانعدام الرقابة وسيادة قانون «الموت مقابل كام ملطوش».
فى قرى المنيا عاشت «المصرى اليوم» معاناة آلاف الأطفال الذين يصعدون للجبل سائرين على خيط رفيع يفصل الحياة عن الموت، بعد أن حرمت التقاليد النساء من العمل، وبعد أن خطف الجبل أرواح الرجال. ترصد «المصرى اليوم» فى هذا الملف وقائع الموت المعلن فى شرق المنيا، ترصد أرباح البيزنس وخسائر الدم، وتكشف مأساة قرى كاملة تعيش تحت رحمة الجبل، و100 ألف مواطن لا يجدون عملا سوى المحاجر.
أطفال فى حضن الجبل: الموت مقابل 20 جنيهاً فى اليوم
مشهد عمال نحت الدرج أثناء انخراطهم فى العمل يعيدك إلى أجواء سجناء الأشغال الشاقة فى أفلام الأبيض والأسود. لكن المختلف فى «بنى خالد» هو دخول الأطفال إلى الصورة، حيث يبدأ التدريب على نحت السلالم من سن 7 إلى 9 سنوات، ويعملون لمدة ربما تمتد لأكثر من 10 ساعات، ليقف الأطفال بظهور محنية ومقوسة بزاوية 70 درجة بينما يحملون فى أيديهم الشاحوطة، التى تزن من 10 إلى 12 كيلو، مدققين فى الحجر الجيرى لتحويله إلى سلالم أو أعمدة تستخدم فى البناء. لهذا فالشيخوخة المبكرة قَدَر يلاحق عمال الدرج بينما لا ينجو أحد منهم من الإصابة بالانزلاق الغضروفى وأمراض العيون، أكثر من 85% من العاملين فى نحت الدرج مصابون بانزلاق غضروفى ومستمرون فى العمل.
فى محاجر الطوب ينقسم العمل إلى نوعين، العمل على «الحشاشة» ويعمل عليها أسطى وعامل تعديل سكة، ومعهما عاملان أحدهما لتقليب الطوب والآخر لمسح البودرة. أما النوع الآخر فهو «الفصالة»، التى تفصل الطوب من الأرض بعد تقطيع المنشار، ويعمل عليها صنايعى وعامل تعديل سكة.
من بين العاملين فى أحد المحاجر كان محمود صلاح «10 سنوات» من قرية «الديابة قبلى»، ونادر حلمى «14 سنة» ورضا محمد «12سنة»، الذى صعد الجبل للإنفاق على أسرته بعد وفاة والده. وعن متاعبهم ردوا فى وقت واحد «هو فيه شغلانة مفيهاش تعب».
محمود صلاح ترك المدرسة منذ الصف الرابع الابتدائى وخرج ليساعد أسرته بعد رحيل والده، أما نادر فله شقيق أكبر منه يعمل معه، ولهذا لم يترك المدرسة لكنه يحضر إلى الجبل للمساعدة فى المصاريف يقول نادر: «إحنا بنهز الطن ب4 جنيه والنفر مننا بيعمل 5 ولا 6 طن فى اليوم، والكبير يعمل 10 طن «ويضيف: «إحنا بنبدأ شغل الساعة 6 الصبح وبنروح الساعة 5 والواحد فينا بيتحصل له على 20 ولّا 25 جنيه فى اليوم».
رضا محمد «12 سنة» لا يتوقف عن العمل فبعد وفاة أبيه وإصابة أخيه الأكبر بالسكر أصبح هو المسؤول عن الأسرة ويقول: «أبويا متوفى وأخويا الكبير عنده سكر وبنجيب له كل أسبوع علاج ب300 جنيه بعد ما انصاب فى المحاجر».
أما وليد ناصر «14 سنة» فله 4 أشقاء ويقول: «أنا سبت المدرسة لأنى كنت باخد السنة فى 3 سنين، ودلوقتى يوميتى من 25 ل30 جنيه وباشتغل 5 أيام وبادّى الفلوس لأهلى، لأنى أكبر واحد فى إخواتى.. عندى واحد فى الإعدادى واتنين فى الابتدائى وأصغر واحد 6 سنين..وفى يوم ضهرى وجعنى وقعدت يومين فى البيت بس كان لازم أرجع للشغل بسرعة». أمنية وليد أن يجد وظيفة عندما يبلغ عامه العشرين ولا يظل طوال حياته فى المحجر، وليد يحلم بأى وظيفة «فراش أو إن شاالله حتى أمسح جزم».
لا تنتهى المخاطر داخل المحاجر، لكن حتى من يسعدهم الحظ ويتمكنون من الانتظام فى الدراسة يتعرضون خلال ذهابهم وعودتهم من المدرسة لخطر آخر، فأطفال قرى شرق النيل «بنات وأولاد» بمرايل المدرسة أو بالجلابيب يحملون حقائبهم الثقيلة بين أيديهم أو على ظهورهم، يسيرون بها لعدة كيلومترات حتى أقرب مدرسة لقراهم. والطريق الوحيد المتاح للانتقال إلى المدرسة هو طريق السيارات حيث يكونون عرضة لحوادث السيارات.
وفى طهنا إحدى القرى التى تعمل بالمحاجر تقول «أم محمود»: كل بيت فى طهنا «فيه تعويرة، أو موت وفيه تعويرة بموت على طول». كانت أم محمود تقصد الإعاقة، باعتبارها حكماً على صاحبها بالموت الدائم لأنها تمنعه من العمل. سألتها إذا كانت تعرف مخاطر الجبل إلى هذا الحد فلماذا تركت ابنها الأصغر يعمل بالمحاجر، فقالت: «العيال من العوزة بيطلعوا يشتغلوا.. لو قعد مش هنقدر نكفّى المعايش».
المحاجر تحصد أرواح شباب ونساء وأطفال 8 قرى بالمحافظة.. والحكومة غائبة
يكسبون قوت يومهم خصماً من صحتهم وحياتهم، ولا يجدون سبيلاً آخر للحياة، مصيرهم الحتمى هو الموت والإعاقة والأمراض القاتلة، إنهم عمال المحاجر فى المنيا. فى شرق النيل كثير من القرى التى تعيش بالأساس على العمل فى المحاجر مثل «زاوية سلطان» و«سوادة» و«نزلة عبيد» و«نزلة حسين» و«الداودية» و«نزلة فرج الله» و«الحوارتة» و«طهنا الجبل»، وتكمن أهمية قطاع المحاجر بتلك المنطقة فى أنه يضم أكثر من ألف محجر يتقاسم ملكيتها ما يقرب من 6 آلاف شخص.
عندما سألت أحد العاملين بالمحافظة: «الجبل بيدخل كام فى السنة تقريبا؟» رد دون تردد «مليش دعوة دول يخربوا بيتى» صمت الموظف قليلا ثم تابع: «عموما همّا بيقولوا 85 مليون جنيه فى السنة». هنا اندفع أحد الحاضرين قائلا: «حرام عليك 85 مليون إيه!.. إنت هتعمل زى المحافظ، يا بيه دخل المحافظة من الجبل ما يقلش عن 400 مليون جنيه فى السنة».
عدد العاملين فى محاجر المنيا يتجاوز 100 ألف عامل، يعمل منهم فى قطاعات «الطوب والبودرة» ما بين 20 و30 ألفاً داخل المحاجر والباقى فى مهام «الهز» و«التحميل» والمهن المعاونة والكسارات. أى أن القطاع هو مصدر دخل لما يقرب من 100 ألف أسرة ومصدر رئيسى لمحاربة البطالة.
الغريب أن قرابة 30% من العاملين فى المحاجر من حملة المؤهلات العليا، فهناك خريجو حقوق وسياحة وفنادق وآداب وتجارة وساعات طب وهندسة، هذا بخلاف الدبلومات والمؤهلات المتوسطة والطلاب الذين يعملون خلال الإجازات الصيفية.
من هؤلاء يسقط من 5 إلى 10 حالات وفاة و500 مصاب فى المحاجر شهريا. وبالنسبة للإصابات بين العاملين فى المحاجر «اللى بياخد عشر غرز ما يُعتبرشى مصاب، واللى يروّح بيعرج ولا دراعه متجبس بيشكر ربنا»- وفقا لأحد العاملين، الذى استطرد قائلا: «بس هنعمل إيه؟ المنيا بلد تعيسة، الموظف موظف، وعامل الزراعة بيندثر وعشان كده إحنا بنحاول ناكل عيش وبندفع ضريبته من دمنا، فى بلدنا لوحدها أكتر من 70 ماتوا فى الجبل غير الإصابات».
أما بالنسبة للخدمات الصحية فحدث ولا حرج فالحوادث والإصابات هى السيناريو اليومى، والتأخر فى الإسعاف يسرع بإنهاء حياة الكثيرين، فالوحدات الصحية غير كافية ولا تكفى حتى لإسعاف الجراح الخطيرة، والحوادث هناك تتحول إلى كوارث كما جرى فى «حادثة الشرفا ونزلة عبيد» التى انتهت بمقتل 13 شاباً أعمارهم تتراوح بين 17 و23 سنة.
فالوحدة عبارة عن مبنى قديم متهالك توجد به مجموعة من المكاتب ودكة خشبية للانتظار وحجرة كشف فقيرة، وطبيب ممارس عام. وحين يتحدث الناس عن الوحدة وتعاملها مع المصابين يقولون: «مصابو الجبل لابد أن يمروا من هنا لتحويلهم إلى مستشفيات لأن الإمكانيات هنا ضعيفة، وغالبا يكون التحويل لمستشفى الجامعة لأن أغلب الإصابات تكون خطيرة».
أحد العاملين بالوحدة –رفض ذكر اسمه - تحدث عن الإحباط الذى يصيب الجميع خاصة طبيب الوحدة عندما يشعر أنه غير قادر على مساعدة المرضى، وكيف أن سنوات دراسته ضاعت هباء بسبب قلة الإمكانيات، وهو ما يجعله يشعر بعدم جدوى وجوده بالمكان فالخدمة التى سيقدمها تستطيع أى ممرضة صغيرة تقديمها، مشيرا إلى أن الوحدة مجهزة فقط «لإعطاء الحقن وبعض الإسعافات الأولية كتضميد الجروح البسيطة على أكثر تقدير».
ويرى على ضاحى محمد، كاتب الوحدة الصحية بقرية «بنى خالد»، الأمور بشكل أكثر دقة: «مفيش أسبوع بيمر من غير ما يمر علينا مصابين، وفيه أوقات ما بيمرش يوم من غير ما ييجى من المحاجر حد متعور لو محتاج غرز بنعملها له ولو أكبر من كده بنحوله للمنيا، مفيش حتى جبس لو واحد انكسر، لازم يروح المنيا ولا أسيوط».
ويضيف أن حالات لدغات الثعابين لا يمكن علاجها فى الوحدة لعدم توافر المصل ورغم بساطة الحالات فإن «المصاب على ما بيوصل المستشفى بيكون انتهى» لأن أقرب مستشفى لبنى خالد فى سمالوط، وحتى سيارة الإسعاف لكى تأتى وتعبر «المعدية بيكون كل حاجة انتهت»، مؤكدا أن أغلب حالات الوفيات التى حدثت فى الجبل كان يمكن إنقاذها «لو فيه إمكانيات».
رحلة الشقاء اليومى تبدأ قبل مطلع الفجر، فى أماكن تجمع العمال عند كوبرى الشرفا وفى مدخل نزلة عبيد، هناك يبدأ العمال يومهم، المئات ينتظرون رحلات الموت صعودا إلى الجبل، تقريبا40% منهم أطفال.
يتحدث الأطفال عن «السنارة» التى يروح أغلب القتلى ضحية لها، وهى عبارة عن سويتش بدائى لنقل الكهرباء من المحول إلى المحجر، يستخدمه أصحاب المحاجر بدلا من شراء لوحة مفاتيح وفيوزات آمنة.
وتنتشر السنارة فى غالبية المحاجر باستثناء عدد محدود. السنارة عبارة عن لوح من الخشب مثبت على قائمين من الحديد ومثبت به مجموعة من المسامير موصلة بمولد الكهرباء عبر مجموعة من الأسلاك.. ولتوصيل الكهرباء إلى المحجر يقوم العامل بتوصيل هلب يشبه السنارة بأسلاك الماكينات فى المسامير المثبتة على اللوح الخشبى دون أى عوامل أمان.. وأى خطأ ولو كان بسيطاً يصبح العامل عرضة للصعق بتيار كهربائى قوته «450 فولت» وهو ما يؤدى إلى تفحم الجزء الذى تعرض للصعق فى أخف الحالات أو إلى تفحم الجسم بالكامل والوفاة فورا فى حالات كثيرة.. فى نزلة عبيد وحدها أكثر من 50 حالة وفاة بسبب السنارة.
يقول أحمد على محروس «28 سنة» وأب لأربعة أولاد: «السنارة عبارة عن كبل رئيسى جاى من المحول فيه 3 عراوى موصلين بكتلة الخشب دى، وكل عروة طالع منها 4 مسامير، وأنا جانب من شغلتى إنى أوصل الكبل فى السنارة.. لو الصبح والجو مندى ممكن الواحد يروح فيها».
الحديث عن الأمراض المهنية التى تصيب عمال المحاجر حديث مفزع، خاصة إذا كان موثقا بكشوف طبية ودراسات أجريت على قطاع واسع من العمال، فقامت مؤسسة وادى النيل لرعاية عمال المحاجر باصطحاب مجموعات من العمال بشكل عشوائى لإجراء الكشف الطبى عليهم، ليتأكد أن بلوى عمال المحاجر لا تقف عند حد الإصابات ولا الموت، ولكن فى صورة أمراض مهنية قد لا تظهر مخاطرها العنيفة قبل عدة سنوات أخرى.
وتتنوع الأمراض المهنية التى تهدد عمال المحاجر بين أمراض الجهاز الهضمى، التى تصيبهم نتيجة تناول مأكولات من الباعة المتجولين أو مياه الشرب الملوثة بالأتربة، التى قد تؤدى أيضا لإصابتهم بأمراض الكلى، كما أن الإجهاد الشديد وانخفاض مقاومتهم للأمراض يسببان سوء التغذية، والتعرض لأشعة الشمس لفترات طويلة قد يؤدى لإصابتهم بأمراض الإجهاد كإصابات العمود الفقرى وآلام الظهر والعظام وكذلك الإصابة بضربات الشمس.
هذا بالإضافة إلى أمراض الجلد بسبب الغبار الذى يتعرضون له بصفة مستمرة، بل إن التعرض للغبار- جير وسليكا متطايرة- قد يعرضهم للإصابة بالتهابات الحلق والأنف والحنجرة وأمراض حساسية الصدر وتكرار النزلات الشعبية والمزمنة طوال مدة علاجها.
ومع طول فترات العمل بالمحاجر قد يصاب العمال بمرض تحجر الرئة ويؤدى المرض الأخير إلى مضاعفات خطيرة مثل الإصابة بالسرطان، ويكون المصاب به عرضة للإصابة بهبوط حاد فى القلب والدورة الدموية، قد يؤدى إلى الوفاة. ووسط هذه الظروف السيئة فإن هناك مرضاً آخر مصاحباً لكل الأمراض السابقة هو «الدرن» وهو منتشر بين عمال «الداودية» و«نزلة حسين» و«عرب الشيخ محمد» بصفة خاصة.
ولا تتوقف الإصابات والأمراض المهنية عند هذا الحد بل إن ظروف العمل السيئة والخطيرة داخل المحاجر تجعل العمال عرضة لإصابات متكررة مثل الصعقات الكهربية وهى السبب الرئيسى الآن فى أغلب حالات الوفاة داخل المحاجر.. كما تنتشر أيضا وبصفة متكررة بين عمال المحاجر - خاصة عمال نحت الدرج فى بنى خالد والعاملين فى المناشير - إصابات العيون بسبب تطاير الأجسام الغريبة وذرات الغبار أثناء العمل وبسبب دخول البودرة والجير داخل العين، والتى تتحول مع الوقت إلى التهابات شديدة ومزمنة فى العين، كما أن تعرض العمال لأصوات الماكينات العالية ودويها الضخم قد يؤدى مع طول الوقت إلى إصابتهم بفقدان السمع فى ظل غياب كل عوامل الأمن الصناعى عن المحاجر، وكذلك فى ظل الفقدان الكامل للرعاية الصحية.
وفى واحدة من الدراسات حول الأمراض الصدرية التى تصيب عمال المحاجر، والتى أشرف عليها الأستاذ الدكتور فريد صفوت، إخصائى أمراض الصدر بمستشفى الصدر بالمنيا، اتضح أن 75% من الذين خضعوا للكشف مصابون بأمراض صدرية، كما أن 55% من العينة مصابون بحساسية الصدر بينما توزعت بقية الإصابات بين النزلات الشعبية الحادة والالتهاب الشعبى وحساسية بالأنف والإصابة بآلام روماتيزمية بالصدر وارتفاع ضغط الدم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.