بينما تفتح قاعات الاجتماعات في العاصمة الباكستانية غدًا السبت، أبوابها لاستقبال الوفود الدبلوماسية من الولاياتالمتحدةالامريكيةوايران في مشهد يحمل حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا، بدت الأجواء الخارجية مشحونة بنذر صدام قد يطيح بكل ما أُنجز. فالهدنة التي اعتبرها الكثيرون "طوق نجاة" للمنطقة، تواجه اليوم تحديات كبيرة تهدد بتحويلها إلى مجرد "استراحة محارب" قصيرة الأمد. أكبر معوق تقني وسياسي لا تكمن المعضلة في بنود التفاوض المباشرة التي تطرحها ايران علي طاولة المفاوضات، بل في "الألغام" الميدانية التي تنفجر بعيدًا عن الطاولة، حيث تبرز أزمة عبور مضيق هرمز كأكبر معوق تقني وسياسي؛ حيث تصر واشنطن على "ضمانات أمنية مطلقة" لحركة الملاحة، وهو ما تراه طهران ورقة ضغط استراتيجية لا يمكن التنازل عنها إلا بمقابل "تصفير العقوبات". وعلى الجبهة الأخرى، يلقي التصعيد الإسرائيلي المستمر في لبنان بظلاله الكثيفة على المفاوضات، هذا التصعيد يضع طهران في مأزق؛ فالمضي في اتفاق لا يشمل تهدئة جبهة لبنان يُعد انتحارًا سياسيًا لمحورها، بينما ترى واشنطن أن فصل المسارات هو السبيل الوحيد لإحراز تقدم، مما خلق "حائط صد" دبلوماسي عجزت الوساطة الباكستانية عن اختراقه حتى اللحظة. وصرح نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، في وقت سابق، بأنّ المفاوضين الإيرانيين اعتقدوا أنّ اتفاق وقف إطلاق النار بين الولاياتالمتحدة وإيران، الذي تم التوصل إليه يوم الثلاثاء، يشمل لبنان، لكن الولاياتالمتحدة لم توافق على ذلك في الواقع. وقال فانس خلال مؤتمر صحفي: "أعتقد أن هذا نابع من سوء فهم. أعتقد أنّ الإيرانيين ظنوا أن وقف إطلاق النار يشمل لبنان، وهذا غير صحيح". ماذا لو فشلت المفاوضات؟ التساؤل الذي يفرض نفسه الآن: ماذا لو فشلت المفاوضات؟ الإجابة ترسم ملامح قاتمة لكل الأطراف، ف بالنسبة لإيران يعني الفشل العودة إلى سياسة "الضغوط القصوى" واختناقًا اقتصاديًا قد يؤدي إلى اضطرابات داخلية غير مسبوقة. اما بالنسبة للولايات المتحدة، ستجد إدارة البيت الأبيض نفسها مضطرة للانخراط في "حرب استنزاف" طويلة الأمد في الشرق الأوسط، وهو ما يتناقض مع استراتيجيتها للتركيز على ملفات دولية أخرى. والفشل يعني انفجار "الجبهات المفتوحة" في الشرق الاوسط بشكل متزامن، من جنوبلبنان إلى ممرات البحر الأحمر، وصولًا إلى مواجهة مباشرة قد لا تظل محصورة في حدود جغرافية معينة. وهو ما يكشف إن المفاوضات تغوص في رمال متحركة؛ فالأطراف لا تتفاوض على السلام بقدر ما تتفاوض على "ثمن تجنب الكارثة"، في ظل استمرار إمكانية الانهيار ما لم يتم التوصل إلى صيغة الكل يربح فيها ولو بشكل وهمي امام الجماهير،وهي صيغة تبدو حتى الآن غائبة خلف غبار المعارك وتشدد المواقف. في نهاية المطاف، لن تكون إسلام آباد مجرد محطة للحوار، بل ستكون الشاهد الأكبر إما على ولادة نظام إقليمي جديد أو على الانزلاق نحو فوضى كبرى لا ترحم أحدًا.