في مثل هذا اليوم، الحادي والعشرين من مارس، لا تمر الذكرى كأي يوم عابر في الوجدان الشامي والإسلامي؛ فهي تؤرخ لرحيل قامة فقهية وفلسفية ملأت الدنيا وشغلت الناس، العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، الذي اغتيل عام 2013 وهو يفسر كتاب الله في محراب مسجد الإيمان بدمشق، ليرحل تاركاً خلفه إرثاً يمتد لأكثر من ستين مؤلفاً، وجدلاً لم ينقطع حول مواقفه السياسية والفكرية. من "بوطان" إلى الفيحاء.. رحلة التكوين وُلد البوطي عام 1929 في قرية "جليكا" التابعة لجزيرة بوطان (عند مثلث الحدود السورية التركية العراقية)، ومنها استمد لقبه. هاجر طفلاً مع والده الشيخ ملا رمضان البوطي إلى دمشق عام 1933 هرباً من سياسات أتاتورك العلمانية، وهناك بدأت رحلة تشكله العلمي؛ فحفظ ألفية ابن مالك قبل البلوغ، وختم القرآن في ستة أشهر، وتتلمذ على يد كبار علماء الشام كأمثال الشيخ حسن حبنكة الميداني. لم تقف طموحاته عند حدود الشام، بل شد الرحال إلى "أزهر العرب" في القاهرة، ليعود منها حاملاً الإجازة في الشريعة والدبلوم في التربية، ثم الدكتوراه في أصول الشريعة عام 1965، ليصبح بعدها عميداً لكلية الشريعة بجامعة دمشق وأحد أبرز وجوهها الأكاديمية.
المدافع الشرس عن "الأشعرية" وخصم "اللامذهبية" يُعد البوطي حارس العقيدة الأشعرية ومنهج أهل السنة والجماعة بمدارسه الأربعة في العصر الحديث، وخاض معارك فكرية كبرى ضد التيارات السلفية، معتبراً في كتابه الشهير "السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي" أن حصر الإسلام في فهم طائفة معينة هو خروج عن سعة الشريعة. كما هاجم ما أسماه "اللامذهبية"، واصفاً إياها بأنها "أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية" لأنها تفتح الباب للهوى في استنباط الأحكام.
الصدام مع الإخوان.. فقه "الخروج على الحاكم" لم يكن صدام البوطي مع جماعة الإخوان المسلمين وليد اللحظة، بل امتج بمسيرته منذ ثمانينيات القرن الماضي، تبنى البوطي موقفاً فقهياً صارماً يحرم الخروج على الحاكم ما لم يصل إلى "الكفر البواح"، ويرى في العنف وسيلة مدمرة لا تؤدي للإصلاح. في كتابه "الجهاد في الإسلام" (1993)، فكك البوطي مفاهيم "الحاكمية" و"الجهاد الطلبي" التي اعتمدت عليها الحركات الراديكالية، مما جعله في مرمى نيران الانتقادات التي وصفته ب "عالم السلطان"، بينما رأى هو في موقفه حماية لبيضة المسلمين من الفتن والحروب الأهلية. خريف "الربيع العربي".. النبوءة والمأساة مع اندلاع أحداث 2011 في سوريا، وقف البوطي في وجه "الربيع العربي" بقوة، واصفاً إياه ب "المؤامرة الخارجية" التي تستهدف تفتيت المنطقة. وحذّر السوريين من الانجرار وراء الدعوات "مجهولة المصدر" للتظاهر، ودخل في سجالات حادة مع الشيخ يوسف القرضاوي، معتبراً أن الأخير اختار "الطريقة الغوغائية" التي تفتح أبواب الفتنة. هذا الموقف كلفه الكثير؛ فتعرضت كتبه للحرق في بعض الساحات، وشنت ضده حملات تخوين واسعة، وصولاً إلى ذلك المساء الدامي في مارس 2013، حينما انتهت حياته بتفجير انتحاري (أو اغتيال برصاص كما تشير بعض الروايات) وسط تلاميذه، في حادثة أدانها العالم بأسره، من مجلس الأمن إلى الأزهر الشريف.
إرث لا يموت رحل البوطي، لكن كتابه "فقه السيرة" لا يزال المرجع الأول لطلاب العلم، وكتبه في نقد المادية والماركسية تدرس كأهم مراجع الفلسفة الإسلامية المعاصرة. ودُفن بجوار الناصر صلاح الدين الأيوبي، ليبقى اسمه مرتبطاً بدمشق؛ مدينة العلم والجدل، والشاهدة على قصة عالم آمن أن "الاستقرار" مقدم على "الثورة"، فدفع حياته ثمناً لما اعتبره "حقاً" في زمن الفوضى.