هل نحن أمام المشهد الختامي لأطول صراع "ظل" في التاريخ الحديث، أم أننا بصدد إعادة ضبط لعداد الانفجار الإقليمي؟ في تحول استراتيجي لافت أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة 'تروث سوشيال' أن الولاياتالمتحدة باتت قريبة من تحقيق أهدافها العسكرية في الشرق الأوسط، وأكد على عزمه تقليص العمليات الكبرى ضد نظام الملالي وجاء هذا الإعلان تزامنا مع كلام مجتبى خامنئي،المرشد الإيراني الجديد، الانتصار في المواجهة. فبينما تتصاعد أعمدة الدخان من غزة إلى جنوبلبنان، وتترقب طهران والقدس الخطوة التالية، تبرز تصريحات دونالد ترامب كحجر ثقيل ألقي في المياه الراكدة، حيث أعلن بلهجته المعهودة قائلا "أريد لهذه الحرب أن تنتهي، وبسرعة هنا يتبادر إلى الذهن سؤال سريع هل هي رغبة في السلام أم "إنذار" بالضربة القاضية؟ تصريحات ترامب الأخيرة لا تقرأ كدعوة للسلام، بل هي ترجمة لعقيدة ترامب عقيدة التاجر الذي لا يعرف سوى لغة الصفقة والذي يجيد مخاطبة فريسته إلا بإرسال رسائل مزدوجة فهو في ذات الوقت الذي يمنح غطاء سياسي لإسرائيل للوصول إلى النصر الحاسم لكنه يضع سقف زمني ضيق، ليتجنب استنزاف الموارد الأمريكية والغضب الأمريكي الداخلي تجاهه. أما الرسالة التي يريد إرسالها لإيران وهي التلويح بسياسة الضغط القصوى وهو ما يعني أن خيار التهدئة متاح فقط إذا تم تفكيك طموحاتها الإقليمية، وإلا فإن التصعيد سيكون غير مسبوق. التصريحات تعكس نية ل "إدارة الصراع بالنتائج" وليس بالعمليات المستمرة، مما يضع الأطراف أمام خيارين لا ثالث لهم أما التسوية الشاملة أو الانفجار المبرمج وهناك أهداف تحرك الحرب. و تسعى تل أبيب لكسر الإرادة الإيرانية، وقطع أذرع الملالي التي طالما أرعبتهم بينما تحاول طهران إثبات أن تكلفة المساس بنظامها تعني اشعال المنطقة بأكملها وتهدف واشنطن وتل أبيب إلى تحجيم النفوذ الإقليمي وتقليص "محور المقاومة" كقوة عسكرية منظمة قادرة على تهديد أمن الممرات. لكن يظل مضيق هرمز وباب المندب أوراق ضغط لطهران، يقابلها إصرار دولي على تأمين تدفق التجارة العالمية و في نفس الوقت نتنياهو يقاتل من أجل بقائه السياسي، وترامب يريد دخول البيت الأبيض بصفته "صانع سلام" لا يورط بلاده في حروب أبدية. بينما يأتي الصراع الحالي كمحاولة لإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط لعقود قادمة بعيدا عن الهيمنة الإيرانية وإخراجها من المعادلة. و على الأرض عمليا وميدانيا لا توحي التحركات بقرب النهاية؛ فالاستهدافات الإسرائيلية للعمق الإيراني، والردود الصاروخية من طهران، رفعت سقف "الخطوط الحمراء" ومضيق هرمز يشهد استنفار غير معلن، بينما التحركات العسكرية الأمريكية في المتوسط تعمل لمنع انزلاق الأمور إلى حرب شاملة، لكنها لا تنهي مسببات النزاع. إلى أين تتجه البوصلة؟ التهدئة الكبرى احتمال متوسط هل تنجح ضغوط ترامب في صياغة "اتفاق إقليمي" يضمن أمن إسرائيل مقابل تخفيف الخناق الاقتصادي عن إيران، وهو سيناريو "صفقة القرن" بنسخة إقليمية أوسع أو التصعيد المتركز الاحتمال كبيروهو استمرار الضربات النوعية المتبادلة دون الانزلاق لحرب شاملة، بحيث يستمر الاستنزاف حتى يقبل أحد الأطراف بالشروط القاسية للآخر أو "الانفجار الإقليمي" وهوالاحتمال المنخفض لكن قائم فأي خطأ في الحسابات أو ضربة "غير محسوبة" للمنشآت النووية الإيرانية تؤدي لإشعال الجبهات كافة الأمن القومي العربي والمصري أي تغيير في ميزان القوى بين دول الصراع يمس مباشرة العمق العربي بالنسبة لمصر، فإن استمرار التوتر في البحر الأحمر يمثل استنزاف لقناة السويس، بينما يمثل أي توسع للنزاع ضغط على حدودنا الاستراتيجية بالنظر لمسألة توازن المصالح، يبدو أننا لا نقترب من "نهاية الحرب" بمعناها التقليدي "السلام الشامل" بل نحن بصدد "نهاية المرحلة الحالية من الحرب" والانتقال إلى مرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي فتصريحات ترامب قد تنهي العمليات العسكرية الكبرى، لكنها ستفتح باب لصراع سياسي واقتصادي أكثر تعقيدا وشراسة بالمنطقة كلها.